جيل الشباب يهاجر من لبنان (2/2) من نزف الموارد البشرية الى الاختلال الديموغرافي

الحلقة الثانية
د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
مقدمة
لم تعد الهجرة اللبنانية خلال سنوات الأزمة منذ عام 2019 مجرد حركة سكانية تُقاس بأعداد المغادرين والعائدين، بل أصبحت مسألة ترتبط بصورة متزايدة بنوعية الفئات التي تغادر لبنان. فالمعطيات التي جُمعت لهذه الدراسة تظهر تركزًا واضحًا للهجرة بين الشباب وحملة الشهادات والكفاءات المهنية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد والمؤسسات صعوبة متزايدة في استيعاب هذه الموارد البشرية والاحتفاظ بها.
وتكمن خطورة هذا التحول في أن الهجرة لا تؤدي إلى خسارة عددية للسكان فحسب، بل تستنزف بصورة انتقائية فئات تقع في قلب سن العمل والإنتاج وتكوين الأسرة. ولذلك تمتد آثارها من سوق العمل والقطاعات الحيوية إلى البنية السكانية نفسها، وتتقاطع مع تراجع الزواج والولادات والنمو الطبيعي، بما يطرح سؤالًا أساسيًا حول مستقبل الموارد البشرية والتركيب الديموغرافي للبنان.
1- من يغادر لبنان؟ الشباب والمتعلمون في صدارة المهاجرين
لا تتوزع الهجرة اللبنانية بالتساوي بين الفئات السكانية، بل تتركز بصورة واضحة بين الشباب والمتعلمين. وتشير بيانات الأمن العام إلى أن نحو 70% من المهاجرين ينتمون إلى الفئة العمرية 25–40 سنة، وأن 60% منهم من حملة الشهادات الجامعية. كما يشكل غير المتزوجين نحو 55%، مقابل 35% للمتزوجين و10% لحالات اجتماعية أخرى..
وتكتسب هذه التركيبة أهمية خاصة، لأن الفئة العمرية 25–40 سنة تقع في قلب سن العمل والإنتاج وتكوين الأسرة. ولذلك فإن تركز الهجرة بين الشباب والجامعيين يعني أن الخسارة ليست موزعة بالتساوي بين السكان، بل تطال بصورة انتقائية جزءًا من الفئات الأكثر نشاطًا وتأهيلًا.
ولا يقتصر الاتجاه على من غادروا بالفعل؛ فقد أظهرت استطلاعات البارومتر العربي أن 58% من الشباب اللبناني بين 18 و29 عامًا يرغبون في الهجرة، فيما تصل النسبة إلى 46% بين حملة الشهادات العليا والتعليم الجامعي. وهي مؤشرات على استمرار ضغط الهجرة بين الفئات الشابة والمتعلمة.
وتفسر تحولات سوق العمل جانبًا أساسيًا من هذا الاتجاه. فقد أظهر المسح المشترك بين إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية أن معدل البطالة ارتفع من 11.4% في 2018–2019 إلى 29.6% في كانون الثاني 2022، فيما قفزت بطالة الشباب من 23.3% إلى 47.8%. وفي الوقت نفسه تراجعت نسبة العاملين إلى السكان في سن العمل من 43.3% إلى 30.6%، ووصل الاستخدام الناقص للعمل إلى 50.1%، ونحو 64.7% بين الشباب.
وتكشف هذه المؤشرات تقلص قدرة الاقتصاد على استيعاب الأجيال الجديدة، رغم استمرار لبنان في تكوين أعداد كبيرة من المتعلمين. ففي العام الدراسي 2020–2021، بلغ عدد طلاب التعليم الجامعي نحو 240 ألفًا، إضافة إلى 104 آلاف في التعليم التقني والمهني. وهكذا برزت مفارقة واضحة: بطالة مرتفعة بين الشباب، تقابلها فجوات في بعض المهارات، فيما يبحث قسم من الشباب المتعلم عن فرصه المهنية خارج لبنان.
2- نزف القطاع الصحي: آلاف الأطباء والممرضين في بلدان الهجرة
يقدم القطاع الصحي واحدة من أوضح صور نزف الموارد البشرية خلال سنوات الأزمة. وتشير التقديرات الوطنية والدولية إلى أن نحو 40% من الأطباء، ولا سيما أصحاب الاختصاص، غادروا لبنان بصورة دائمة أو جزئية، فيما فقد قطاع التمريض نحو 20% من قوته العاملة.
وتساعد بيانات نقابتي الأطباء في بيروت وطرابلس على تحديد حجم القاعدة الطبية؛ فقد بلغ عدد الأطباء المسجلين عام 2023 نحو 15,059 طبيبًا، بينهم 10,344 اختصاصيًا (68.7%) و4,715 طبيبًا في الرعاية الأولية (31.3%). غير أن التسجيل النقابي لا يعني أن جميع المسجلين يمارسون الطب فعليًا داخل لبنان، إذ تشمل السجلات أطباء يعملون في الخارج أو لا يمارسون بصورة منتظمة..
في المقابل، تشير التقديرات الأحدث إلى وجود نحو 8,000 طبيب في لبنان، 70% منهم اختصاصيون. وبالمقارنة مع 15,059 طبيبًا مسجلًا، تظهر فجوة تبلغ نحو 7,059 طبيبًا، أي 46.9%. ولا تمثل هذه الفجوة عدد الأطباء المهاجرين، إذ قد تشمل الهجرة وعدم الممارسة وأوضاعًا مهنية أخرى، لكنها تكشف حجم التراجع الذي أصاب القاعدة الطبية العاملة في لبنان.
التمريض… خسارة موازية
ولا تقل خسارة التمريض أهمية؛ إذ تضع الاستراتيجية الصحية اللبنانية وتقارير منظمة الصحة العالمية نسبة هجرة القوة التمريضية عند نحو 20%، في قطاع يعاني أصلًا نقصًا مزمنًا. وعلى الرغم من وجود 208 مدارس ومؤسسات لتعليم التمريض بمستوياته المختلفة، لم تعد المشكلة في تكوين الممرضين فقط، بل في قدرة النظام الصحي على الاحتفاظ بهم.
ولا يتوزع هذا الاستنزاف بالتساوي جغرافيًا أو تخصصيًا؛ إذ تتركز نسبة كبيرة من الأطباء والموارد الصحية في بيروت والمدن الكبرى، بينما تواجه المناطق الطرفية نقصًا أكبر، مع فجوات في اختصاصات أساسية تشمل طب الأسرة والطوارئ والأمراض الداخلية وعلم الأمراض والأشعة..
وامتد النقص إلى الجهاز الصحي العام؛ إذ تشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى أن وزارة الصحة تعمل بأقل من ثلث القوة البشرية المطلوبة. وقد ساهم انهيار الأجور وصعوبة ظروف العمل ومحدودية فرص التطور المهني في إضعاف استبقاء العاملين، قبل أن تضيف حرب 2024 إغلاق منشآت صحية وتعطل الخدمات والنزوح وعدم الاستقرار إلى الضغوط القائمة.
ومع ذلك، يستمر لبنان في تكوين موارد صحية جديدة؛ إذ تخرّج كليات الطب نحو 500 طبيب سنويًا وفق المعطيات الواردة في الاستراتيجية الصحية. وهنا تكمن المفارقة: لبنان قادر على إنتاج الكفاءات الصحية، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بها.
3- لبنان يُنتج الكفاءات… والخارج يستقطبها
لا يقتصر نزف الموارد البشرية على القطاع الصحي، بل يمتد إلى المهندسين والجامعيين والباحثين وأصحاب الاختصاصات العلمية والتكنولوجية. وتكشف هذه الفئات مفارقة أساسية: لبنان ما زال ينتج الكفاءات، فيما تتراجع قدرة اقتصاده ومؤسساته على استيعابها والاحتفاظ بها..

وتقدم الهندسة مثالًا واضحًا؛ فقد بلغ عدد المهندسين المسددين لاشتراكاتهم في نقابة المهندسين والمهندسين المعماريين في بيروت نحو 46,130 مهندسًا في نهاية شباط 2024. وانضم إلى النقابة خلال السنة نحو 1,463 من حديثي التخرج، فيما سجلت الفترة من آذار إلى آب 2024 نحو 1,480 انتسابًا جديدًا، بما يؤكد استمرار تدفق كفاءات هندسية جديدة رغم سنوات الأزمة.
ولا تعني الأعداد النقابية أن جميع المسجلين يعملون داخل لبنان، كما لا تمثل حالات الشطب من النقابة أرقامًا للهجرة. لكنها تكشف حجم الرأسمال المهني الذي ينتجه البلد، وتطرح السؤال: كم من هذه الكفاءات يستطيع الاقتصاد اللبناني استيعابه والاحتفاظ به؟
لكن المشكلة تصبح أعمق عند الانتقال إلى المؤسسات التي تنتج هذه الكفاءات. ففي الجامعة اللبنانية، أكبر مؤسسات التعليم العالي في البلاد، تراجع عدد الطلاب من 81,116 في 2018–2019 إلى 58,894 في 2023–2024، أي 27.4%. وكان الانخفاض أكبر بين الخريجين، إذ تراجع عددهم من 15,357 إلى 8,733 خريجًا، أي 43.1%.
وترافق ذلك مع تراجع الموارد الأكاديمية والمالية؛ فقد انخفض عدد أعضاء الهيئة التعليمية في الملاك، فيما ارتفع الاعتماد على الأساتذة المتعاقدين جزئيًا. كما هبطت موازنة الجامعة، ويشير البنك الدولي إلى خسارة الجامعة جزءًا من هيئتها التعليمية في ظل الأزمة وتدهور الأجور.
ولا يجوز تفسير هذا التراجع باعتباره نتيجة مباشرة للهجرة؛ إذ تتداخل معه الأزمة المالية، وتراجع القدرة على تحمل تكاليف التعليم، وتعطل الدراسة والانتقال إلى مؤسسات أو أعمال أخرى.
وتعمل الأزمة في اتجاهين متزامنين: كفاءات جديدة ما زالت تدخل سنويًا إلى سوق العمل، في مقابل تراجع قدرة بعض مؤسسات التعليم والتكوين على الاستمرار بالمستويات السابقة في إنتاجها، وضعف قدرة الاقتصاد على استيعابها والاحتفاظ بها. لكن المفارقة تصبح أشد وضوحًا عندما نجد أن بعض المؤسسات اللبنانية نفسها تبحث عن مهارات لا تستطيع العثور عليها بسهولة.
استنزاف الموارد البشرية… من 1989 إلى موجة الهجرة الجديدة
ليست خسارة الموارد البشرية ظاهرة وليدة الأزمة الحالية. ففي دراسة ميدانية كنا أعددناها عام 1989 حول «الآثار الاجتماعية والاقتصادية للهجرة اللبنانية »، طُرحت مبكرًا مسألتا «استنزاف الموارد البشرية» و«هجرة القوى الشابة» ضمن أبرز الآثار الاقتصادية للهجرة. واستندت الدراسة إلى مسح شمل 11 قرية في جنوب لبنان وجُمعت فيه معلومات عن 666 مهاجرًا، تناولت العمر والتعليم والمهنة قبل الهجرة وفي الخارج وبلدان المقصد.
وقد شملت الدراسة مجموعة واسعة من المهن، من المعلمين والسائقين والحدادين والصاغة إلى العاملين في البناء والبلاط والأدوات الصحية وميكانيك السيارات والدهان. وهي صورة ميدانية مبكرة تكشف أن هجرة المهارات المهنية ليست ظاهرة جديدة، وأن فقدان قوة العمل والخبرة كان مطروحًا قبل عقود من أزمة اليوم.
وهكذا تكشف المقارنة بين 1989 و2026 أن المشكلة ليست في ظهور هجرة المهارات للمرة الأولى، بل في استمرارها واتساع نطاقها: من هجرة القوى الشابة والمهن والحرف التي رُصدت قبل عقود، إلى نزف متزامن اليوم يشمل الشباب الجامعي وأصحاب الاختصاصات الصحية والهندسية والتقنية، في وقت أصبح فيه الاقتصاد اللبناني نفسه يبحث عن المهارات التي يفقدها.
وقد عالجت الدراسة الهجرة باعتبارها أكثر من خسارة عددية للسكان، إذ ترتبط بخروج قوة العمل والمهارات والخبرات. وبعد نحو أربعة عقود، تظهر المشكلة نفسها بصورة أكثر حدة واتساعًا، مع هجرة الشباب الجامعي والأطباء والمهندسين وأصحاب الاختصاصات خلال سنوات الأزمة الأخيرة.
4- اقتصاد يبحث عن مهاراته: وظائف شاغرة ونقص في الاختصاصات
تكشف أزمة الموارد البشرية مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي يعاني فيه لبنان ضعف النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة، تواجه مؤسسات إنتاجية صعوبة في العثور على العمال والفنيين وأصحاب المهارات المطلوبة. وبذلك لا تقتصر المشكلة على نقص فرص العمل، بل تشمل أيضًا عدم توافر بعض المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
وتظهر الفجوة بوضوح في القطاع الصناعي. فقد أظهر مسح أجرته منظمة العمل الدولية بالتعاون مع جمعية الصناعيين اللبنانيين، وشمل 140 مؤسسة صناعية، أن 75% من المؤسسات تحتاج بصورة ملحة إلى فنيين، وأن نحو نصفها يعاني نقصًا في العمالة، فيما أفادت 62% بوجود وظائف شاغرة لديها.
وتشير النتائج إلى عدم تطابق بين العرض والطلب على المهارات؛ فالنقص لا يقتصر على حملة الشهادات الجامعية، بل يشمل كهربائيين وميكانيكيين وفنيي التبريد والتكييف واللحام وتشغيل الآلات، إلى جانب مهارات تكنولوجيا المعلومات والبرمجة. وبذلك تمتد الفجوة من الكفاءات الجامعية إلى المهارات التقنية والفنية التي يحتاج إليها النشاط الإنتاجي.
ولا يمكن تفسير كل نقص في العمالة بالهجرة وحدها؛ إذ تتداخل عوامل أخرى، منها ضعف التعليم والتدريب المهني، وعدم التوافق بين مخرجات التعليم وحاجات المؤسسات، ومستويات الأجور وظروف العمل. لكن هجرة الشباب وأصحاب المهارات تضيف ضغطًا إلى سوق يعاني أصلًا صعوبة في تأمين بعض الاختصاصات..
5- الخليج يستقطب الشباب وأصحاب المهارات
إلى جانب الوجهات التقليدية في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا، برزت دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر والكويت، أسواقًا قريبة تستقطب اللبنانيين الباحثين عن فرص العمل والدخل والاستقرار المهني.
ويرتبط هذا الاتجاه بتراجع الآفاق الاقتصادية في لبنان، في مقابل توسع الطلب في دول الخليج على العمالة عالية المهارة في التكنولوجيا والمال والاستشارات والصحة والهندسة والمشروعات الكبرى. وتشير منظمة العمل الدولية إلى انتقال فئات من الأطباء والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الاختصاص من لبنان نحو دول الخليج والبلدان الغربية، بما يترك فجوات في قطاعات حيوية.
وتظهر الدراسات الخاصة باللبنانيين هذا المسار، وإن كانت لا تسمح بتعميم نسب وطنية. فقد تناولت دراسة منشورة عام 2025 شبابًا لبنانيين من ذوي التعليم العالي انتقلوا خلال سنوات الأزمة إلى السعودية والإمارات وعملوا في الاستشارات والمال والإعلام والتسويق وهندسة البرمجيات وغيرها من المهن المعرفية، مع بروز الرواتب وفرص العمل والتطور المهني ضمن عوامل الجذب.
ويظهر الاتجاه نفسه في القطاع الصحي؛ إذ بيّنت دراسة لخريجي طب الطوارئ في لبنان انتقال قسم منهم إلى الخارج، مع بروز الإمارات والسعودية بين الوجهات المهنية. ولا تمثل هذه النتائج جميع الأطباء، لكنها تقدم مثالًا على انتقال كفاءة تكوّنت في لبنان إلى سوق خارجية تحتاج إليها.
ولا يعني صعود الخليج تراجع أهمية الوجهات الغربية؛ فبيانات عام 2024 حول الوجهات المرغوبة لدى اللبنانيين الراغبين في الهجرة تضع كندا وألمانيا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا إلى جانب دول الخليج. وبين الراغبين في الهجرة من الفئة العمرية 15–34 سنة، ظهرت الإمارات وجهة مفضلة لدى 7.9% والسعودية لدى 6.8%. وهذه النسب تقيس الرغبة والوجهة المفضلة، لا الهجرة الفعلية.
وهكذا تتنوع جغرافية الهجرة بين بلدان ترتبط أكثر بالاستقرار الطويل والجنسية، وأسواق إقليمية توفر عائدًا مهنيًا وماليًا للكفاءات. ويعزز القرب الجغرافي واللغة والشبكات اللبنانية القائمة منذ عقود موقع الخليج ضمن هذه الخريطة.
6- عندما يهاجر جيل الشباب: من سيبقى في لبنان؟
لا تتوقف آثار الهجرة عند خسارة القوى العاملة والكفاءات، بل تمتد إلى قدرة السكان على التجدد. فتركز الهجرة في أعمار الشباب والعمل والزواج يجعلها تتقاطع مع تراجع الزواج والولادات والنمو الطبيعي، وتؤثر تدريجيًا في التركيب العمري للسكان.
وتقدم محافظة جبل لبنان نموذجًا كميًا لهذا التحول، مع التأكيد أن البيانات تخص اللبنانيين ولا تمثل لبنان كله. فبين عامي 2011 و2024 تراجعت الولادات المسجلة من 12,059 إلى 7,471 ولادة، أي 38%، فيما ارتفعت الوفيات من 4,882 إلى 5,506، أي 12.8%. ونتيجة الاتجاهين، هبطت الزيادة الطبيعية من 7,177 إلى 1,965 نسمة، أي 72.6%، كما تراجع عدد الزيجات من 5,555 إلى 3,810، أي 31.4%.
وتؤكد مقارنة ما قبل الأزمة وما بعدها أن التحول يتجاوز سنة منفردة؛ فقد انخفض متوسط الولادات السنوي من 11,299 خلال 2011–2018 إلى 8,764 خلال 2019–2024، أي 22.5%، فيما تراجع متوسط الزيادة الطبيعية من 6,646 إلى 3,512 نسمة، أي 47.1%.
ولا تعني هذه الأرقام أن الهجرة هي السبب الوحيد لهذه التحولات؛ فقد تداخل منذ 2019 الانهيار الاقتصادي وتراجع الدخل وارتفاع كلفة تكوين الأسرة وتأخر الزواج وعدم الاستقرار، ثم الحرب والنزوح. لكن تركز الهجرة بين الشباب يضيف عاملًا ديموغرافيًا مباشرًا، بخروج جزء من السكان في أعمار الزواج والإنجاب.
ويتقاطع ذلك مع تغير التركيب العمري؛ فإذا استمر خروج الفئات الشابة بالتوازي مع انخفاض الولادات وضعف الزيادة الطبيعية، تتجه قاعدة الهرم السكاني إلى الانكماش ويرتفع الوزن النسبي للفئات الأكبر سنًا. ولا تقود الهجرة وحدها إلى الشيخوخة، لكنها تعمل مع اتجاهات ديموغرافية أخرى في المسار نفسه.
وهكذا لم يعد السؤال الديموغرافي مقتصرًا على عدد اللبنانيين، بل أصبح متعلقًا بتركيبهم أيضًا: كم سيبقى من الشباب وفي سن العمل؟ وكم منهم سيعيش ويعمل ويتزوج ويكوّن أسرته داخل لبنان؟
الخاتمة: جيل يبحث عن مستقبله في الخارج… ولبنان آخر يولد في الاغتراب
تكشف الهجرة اللبنانية خلال سنوات الأزمة 2019–2026 تحولًا يتجاوز ارتفاع أعداد المغادرين إلى إعادة توزيع جزء من الموارد البشرية اللبنانية بين الداخل والخارج. وتكمن خطورة هذا التحول في نوعية من يغادر؛ إذ تتركز الهجرة بين فئات شابة ومتعلمة ومهنية يحتاج إليها لبنان في اقتصاده ومؤسساته ومستقبله السكاني.
ولا تتوقف الخسارة عند قوة العمل والخبرة. فحين يستقر الشباب في الخارج، قد تنتقل معهم مراحل من دورة الحياة الديموغرافية، من العمل والزواج وتكوين الأسرة إلى ولادة جيل لبناني جديد في بلدان المقصد. وفي المقابل، لا يمثل الاغتراب خسارة صافية بالضرورة؛ فالتحويلات والاستثمارات والشبكات المهنية والعلمية ونقل المعرفة يمكن أن تجعل الانتشار اللبناني موردًا اقتصاديًا وبشريًا مهمًا.
ومن هنا، لا تكمن القضية في وقف الهجرة، بل في قدرة لبنان على الاحتفاظ بجزء أكبر من كفاءاته، واستعادة جزء منها، وبناء روابط أكثر فاعلية مع المنتشرين في الخارج. فالسؤال الذي تطرحه موجة الهجرة خلال سنوات الأزمة هو:
هل يستمر لبنان بلدًا ينتج موارده البشرية ثم يفقد قسمًا متزايدًا منها، أم يستطيع تحويل انتشاره العالمي إلى امتداد لقوته البشرية في الداخل؟




