موقع “زمان اسرائيل” سوء التقدير السياسي لـدى نتنياهو

رصد العلام الإسرائيلي
شالوم يروشالمي
الفرق بين رحلة نتنياهو الولى إلى نيويورك، حين كان كلينتون رئيسا للولايات المتحدة، والرحلة القصيرة التي سيقوم بها نتنياهو غدا (الخميس)، واضح تماما. اليوم، يصل نتنياهو إلى نيويورك في عزلة تامة، على متن طائرة لا تجرؤ على الهبوط في مطار جون كينيدي، ودون وجود صحفيين ضمن حاشيته، في زيارة لا تتجاوز يوما واحدا لأهم مدينة في العالم بالنسبة له.
في الأيام العادية، كان نتنياهو سيُطيل الزيارة، حتى يوم الأحد، ويذهب لتناول الطعام في المطاعم مع أصدقائه اليهود الأثرياء. وكان رؤساء الدول الذين يحضرون الجمعية العامة للأمم المتحدة، يصطفون للقاء نتنياهو في جناحه الفندقي. أما اليوم، فلا يجرؤ نتنياهو على النوم ليلة واحدة في نيويورك خوفا من اعتقاله.
الوضع يشير إلى أن وضعنا الدولي لم يكن أسوأ مما هو عليه اليوم. ففي جميع أنحاء العالم، أصبحت إسرائيل، منبوذة، والوضع لا يتحسن، بل على العكس. تُصوَّر الانتصارات الأخيرة لأحزاب اليمين واليسار المتطرفة في ألمانيا، في إسرائيل على أنها تهديد وجودي مباشر للمجتمع اليهودي وللإسرائيليين.
كان على قائد عالمي المستوى – كما يرى نتنياهو نفسه وكما يسوّق صورته في هذه الانتخابات – أن يأخذ في الحسبان ردود الفعل الدولية على مرّ الزمن. فبعد جيلٍ كامل في السلطة، وما اكتسبه من خبرة واسعة، كان على نتنياهو أن يُدرك هذه الحرب السياسية الوجودية التي تُشنّ ضدّنا، وأن يُخطّط لحملته العسكرية والأمنية وفقا لذلك. وكان على قائدٍ يسعى للفوز بالانتخابات أن يستغلّ الدعم الهائل والتعاطف الكبير مع إسرائيل فور 7 أكتوبر، وألا يُضيّعه سريعا.
مع قائد مُستشرف للمستقبل وواسع الأفق، كما يدّعي نتنياهو، لربما لم نكن لنصل إلى هذه الحالة التي انقلبت فيها البلاد رأسا على عقب. العالم بأسره يُهدّد اليوم أمن البلاد واليهود في العالم. ولا داعي للتسرّع في اتهام العالم أجمع بمعاداة السامية. لطالما اتسمت الأنظمة العسكرية في إسرائيل بالفعالية والسرعة، وذلك إدراكا منّا أننا لسنا مهيئين لخوض حروب مستمرة داخل البلاد وضد أجزاء واسعة من العالم.
كان بإمكان إسرائيل تجنب مئات القتلى وآلاف الجرحى، وربما لم تكن لتتورط في حملة معادية للسامية ومعادية لإسرائيل غير مسبوقة تُعرّض حياة الكثيرين للخطر. ف ل أخذ أحد هذا الأمر في الحسبان..؟
في نهاية مارس/آذار 2024، وقّع مئات الطيارين وأفراد الأطقم الجوية، السابقين والحاليين، عريضةً تطالب بإنهاء الحرب فورا. وعبّر هؤلاء عن رأي شريحة واسعة من الشعب الإسرائيلي، لكن نتنياهو قيّد حركتهم، وقام رئيس الأركان هرتسي هاليفي بتسريح العشرات منهم من الاحتياط.
أصرّ نتنياهو على مواصلة الحرب، خشية استقالة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير وسقوط الحكومة. كانت تلك أياما حاسمةً لإسرائيل، إذ اعتقد نتنياهو أن وضعنا في العالم سيكون كارثيا إذا أوقفنا الحرب وأطلقنا سراح الرهائن، ثم استأنفناها مجددا. كان نتنياهو يدرك تماما هذه اللحظة الحرجة.
قال لي خلال زيارة إلى بودابست في أبريل/نيسان 2025، والتي انطلق منها في زيارة مفاجئة إلى واشنطن: “دخلنا الحرب كقطيع من الأفيال. كان العالم معنا. الآن انقلبت الأمور ضدنا بسبب الخسائر في غزة. لم يعد الضغط المزدوج، السياسي والعسكري، يجدي نفعا”.
في تلك الأيام، كان من الممكن تقليل الخسائر. أما اليوم، فهذه الدوامة السياسية تسحقنا بالفعل وتُهدد أمن الدولة والشعب اليهودي في الشتات. كان على نتنياهو، الذي يعتبر نفسه استراتيجياً سياسياً بارعاً، أن يُخطط مُسبقاً لحرب قصيرة وهادفة قدر الإمكان، لكن حربه لا تزال مُستمرة. يجب تشكيل لجنة تحقيق حكومية للتحقيق في سوء تقدير نتنياهو السياسي، وأسبابه، وتجسيداته، منذ أن كان العالم بأسره يُؤيدنا وحتى كارثة اليوم. كيف حدث أن وصل الرئيس الديمقراطي جو بايدن إلى إسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر، وهدد دول المنطقة بعدم بدء حرب، واليوم يتسلل نتنياهو إلى أروقة الأمم المتحدة ويهرب منها بسرعة، غن لم نقل مطرودا، من قبل الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، وحتى دون لقاء الرئيس دونالد ترامب..؟



