القناة 12: إسرائيل تمتلك الحل لمعضلة إدارة ترامب الكبرى

رصد الاعلام الإسرائيلي: 25/9
عاموس يادلين: رئيس سابق للاستخبارات العسكرية “أمان”
د. أفنير غولوف: ، نائب رئيس منظمة “مايند إسرائيل
هل ينبغي لإسرائيل استضافة قاعدة أمريكية دائمة على أراضيها..؟ على مر السنين، كان جوابنا على هذا السؤال “غير واضح”، خشية أن تُظهر هذه الخطوة ضعف إسرائيل وتضر باستقلالها. لكنن برز في الأشهر الأخيرة، تطوران يقودان، ولأول مرة، إلى وضع مُربح للطرفين، إسرائيل والولايات المتحدة: وجود عسكري أمريكي دائم في إسرائيل، يسمح للولايات المتحدة بالاستفادة من قواعد عالية الجودة وتتمتع بالحماية، ولإسرائيل بتعزيز أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة.
التطور الأول: مستقبل القوات الأمريكية في المنطقة أصبح موضع تساؤل:
أدت الحملة المشتركة ضد إيران، إلى تقويض النموذج الأمريكي التقليدي للاستقرار في المنطقة. فقد حددت إيران القواعد والمنشآت الأمريكية في دول الخليج والأردن والعراق كأهداف رئيسية، وتسببت في خسائر بشرية وأضرار مادية. وقد أظهر ذلك، أن تركيز القوات الأمريكية في محيطها لا يكشف الولايات المتحدة وحدها، بل سيفرض على الدول المضيفة وحلفاءها أيضاً، ثمنا باهظا. فمن وجهة نظر طهران، تُعد هذه استراتيجية غير متكافئة تهدف إلى تحويل استضافة القوات الأمريكية من مصدر حماية إلى مصدر ضعف، ما يزيد الضغط السياسي والشعبي على حكومات المنطقة لتقليص وجودها أو إنهائه.
لا يقتصر الجهد الإيراني على الضربات العسكرية، بل يشمل أيضاً ممارسة ضغوط على الدول المضيفة، وتأجيج مشاعر السكان المحليين، ومحاولة إثبات أن الوجود الأمريكي هو السبب في اندلاع الحرب على أراضيها. فبينما تعتمد دول الخليج على الوجود الأمريكي لتعزيز دفاعاتها وردعها، تسعى إيران لإقناعها بأن تكلفة استضافة القوات الأمريكية تفوق فوائدها. إن نجاح إيران في هذه الحملة قد يُغيّر موازين القوى الإقليمية بشكل يُعزز مكانتها بشكل كبير. كما تُعزز الحملة الإيرانية أصوات الذين يدعون في الولايات المتحدة إلى توجيه الموارد والاهتمام نحو آسيا والتنافس مع الصين. بالنسبة لهم، قد يؤدي استثمار قوات كبيرة في الشرق الأوسط إلى تقويض اليقظة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وإتاحة الفرصة للصين لاستغلالها لتعزيز نفوذها، بما في ذلك ضد تايوان.
وعلى أعلى المستويات الاستراتيجية في الصراع على القيادة العالمية، تدرك الولايات المتحدة أن الانسحاب من الشرق الأوسط خطأ استراتيجي فادح، يعني: التخلي عن المجال أمام النفوذ الصيني والروسي، والإضرار بإمدادات الطاقة العالمية وتعطيلها، وتقييد حرية الملاحة، وتشجيع الإرهاب وتصديره، وفقدان حلفاء استراتيجيين في التجارة والاستثمار.
يمكن لإسرائيل أن توفر للولايات المتحدة مخرجا من هذه المعضلة الاستراتيجية، ألا وهو كيفية الحفاظ على وجودها في الشرق الأوسط، ولكن بطريقة مدروسة وآمنة، مع الارتقاء بالشراكة الأمنية غير المسبوقة التي نشأت خلال الحرب إلى وجود عسكري أمريكي دائم في إسرائيل. وإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على وجود إقليمي مستقر على المدى الطويل، فعليها الاعتماد بشكل متزايد على قواعد دفاعية.
عمليا، يعني هذا موقعا أبعد عن مواقع الإطلاق الإيرانية، إلى جانب منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، وبنية تحتية متطورة، وشريك محلي يتمتع بالقدرة المستقلة على حماية القوات المتمركزة على أراضيه. وفي هذا السياق، تُقدّم إسرائيل ميزة نسبية واضحة: عمق جغرافي أكبر في مواجهة إيران مقارنةً بقواعد الخليج، وأنظمة دفاعية فعّالة ومُجرّبة، وقدرات استخباراتية وقيادية متقدمة، وبنية تحتية عسكرية قادرة على دعم العمليات الأمريكية على المدى الطويل.
يمكن أن يُوفّر الوجود الدائم في إسرائيل للولايات المتحدة ركيزة مادية وعملياتية أكثر استقرارا. ويمكن أن يُشكّل أساسا لربط أنظمة الدفاع الجوي والإنذار، وخلايا القيادة والسيطرة، وأنظمة الإمداد، والتدريب المشترك، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين. وبذلك، سيتعزز هدف إسرائيلي أوسع: تعميق اندماج إسرائيل في هيكل أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة، لا يعتمد فقط على العلاقة الثنائية بين “القدس” وواشنطن.
من المهم الإشارة إلى أن إنهاء الوجود الأمريكي من المنطقة يُمثّل خطرا استراتيجيا بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل. قد يؤدي تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة إلى إضعاف الردع ضد إيران ووكلائها، والإضرار بقدرة الولايات المتحدة على تعزيز قواتها في أوقات الطوارئ، وتقويض بنية الأمن الإقليمي التي بُنيت في السنوات الأخيرة.
التطور الثاني: مستقبل التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل بات موضع تساؤل:
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت التوترات بشأن وضع إسرائيل في الولايات المتحدة. فمن جهة، ومن وجهة نظر إيجابية للمؤسسة الأمنية الأمريكية، أثبتت الحملة ضد إيران قيمة إسرائيل كشريك عملياتي (حليف مثالي): قدرتها على استيعاب القوات والقدرات بسرعة، وتوفير البنية التحتية والمعلومات الاستخباراتية، وسهولة الوصول العملياتي، والعمل بالتنسيق مع أنظمة الدفاع والهجوم الأمريكية. وقدمت القيادة المركزية الأمريكية، العملية المشتركة لأنظمة الدفاع الجوي في الحرب كدليل على قدرة الشراكة على إنشاء بنية إقليمية فعّالة وتقاسم حقيقي للأعباء.
من جهة أخرى، تراجع الدعم لإسرائيل بشكل حاد في الساحة العامة والسياسية: فقد أصبح معظم الأمريكيين حذرين، وتزايدت النظرة السلبية تجاه إسرائيل، واشتدت حدة الادعاء بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى حملة لا تخدم مصالحها. وقد أدى هذا إلى تشكيل ائتلاف عابر للأحزاب معارض لإسرائيل، مما يُهدد أسس العلاقات. والفجوة بين القدرات العملياتية المُثبتة والقاعدة السياسية المتآكلة هي التي تُؤكد الحاجة إلى ترسيخ المكونات المؤسسية والعسكرية طويلة الأمد الآن، قبل أن يصبح المناخ السياسي في واشنطن أكثر عدائية لاسرائيل.
من وجهة نظر إسرائيل، من المهم الحفاظ على الفهم بأن هناك التزاما أمريكيا بالوقوف إلى جانبها في مواجهة التهديدات الوجودية. وهذا يُؤكد الحاجة إلى خطوة تُعزز القدرات الإسرائيلية أمام واشنطن. كما أن ظهور تهديدات إقليمية إضافية، بما في ذلك تركيا، يستلزم ترسيخ الشراكة الأمنية بطريقة أكثر واقعية ومؤسسية. بالتالي، فإن وجودا عسكريا أمريكيا دائما في المنطقة، من شأنه أن يخلق مصلحة أمريكية مباشرة يصعب إزالتها، مما يحافظ على أمن إسرائيل. هذا الوجود سيعزز قدرة الردع، ويُحسّن قدرة الولايات المتحدة على التعزيز والتوسع في حالات الطوارئ دون الاعتماد على مطار بن غوريون، ويحوّل الاعتماد الحالي إلى التزام أمريكي ملموس ومؤسسي وطويل الأمد. كما ستشكل القاعدة الأمريكية الدائمة البنية التحتية لنظام أمني إقليمي بقيادة الولايات المتحدة وشراكة في المنطقة.
ليس اتفاقا دفاعيا بل شراكة بين حليفين:
صحيح أن مثل هذه الخطوة تنطوي على مسائل تتعلق بالاستقلال الاستراتيجي. إلاّ أن هذا الثمن أصبح أقل: فحرية إسرائيل في العمل مُقيّدة بالفعل بشكل كبير من قبل واشنطن، حتى بدون قاعدة أمريكية دائمة. كما أن الحجة القائلة بأن تمركز القوات الأمريكية في إسرائيل سيزيد من خطر تعرضها لهجوم، ضعفت، نظرا لتردد إيران الواضح في مهاجمة إسرائيل مباشرة وتركيزها على دول الخليج، التي تفتقر إلى القدرة على الرد عسكريا بشكل مستقل. بشكل عام، تفوق المزايا الاستراتيجية والأمنية لتمركز القوات الأمريكية في إسرائيل عيوبها. لذا، نرى أن الوجود العسكري الأمريكي الدائم في إسرائيل يخدم المصالح الأمنية بوضوح، ويشكل حلاً مؤقتاً بين اتفاقية دفاعية قد تحوّل إسرائيل إلى محمية امريكية، وبين خطر فقدان الولايات المتحدة التزامها بأمنها. وعليه، ينبغي دراسة هذه الخطوة، مع التركيز على قدرات الدفاع الجوي، والأفراد، والقيادة والسيطرة، إلى جانب تناوب قوات الطوارئ المخصصة في المنطقة.
تنسجم هذه الخطوة مع الحاجة إلى تطوير العلاقات بين البلدين، والانتقال من نموذج المساعدة الأمنية الذي ميّز العلاقة إلى نموذج الشراكة الاستراتيجية، حيث تعمل إسرائيل مع الولايات المتحدة لتعزيز المصالح المشتركة، وتساهم في تعزيز القوة العسكرية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية الأمريكية. في المقابل، ستتيح الولايات المتحدة لإسرائيل الوصول إلى منصات أمنية وبنى تحتية تكنولوجية محظورة حالياً، مثل المختبرات الوطنية. وفي الوقت نفسه، ستكتسب إسرائيل موارد تمكنها من توسيع نطاق استقلالها الاستراتيجي، والاستعداد لمواجهة التهديدات حتى في غياب الولايات المتحدة. بهذه الطريقة، يمكن لاسرائيل أن تستغل الوضع الأمريكي الحرج، وتتوصل إلى حل يعود بالنفع على كلا البلدين.


