المقاومة الثقافية. من يحكم العراق…. أمريكا أم العراقيون؟

استلمت أمريكا الحكم في العراق بعد غزوها عام 2003، وتحكمت بقراراته السياسية والعسكرية والمالية، ونصّبت المجلس الانتقالي الذي يحكمه الحاكم الأمريكي “بريمر”، ثم أجرت الانتخابات لتثبيت “الديمقراطية الشكلية” ، وإيهام العراقيين بأنها أنقذتهم من النظام الديكتاتوري “البعثي” المجرم إلى النظام الديمقراطي، لكنها مارست الديكتاتورية ولا زالت، واستهزأت بالعراقيين وأصواتهم بعدما عملت على تصفير نتائج الانتخابات وارتكبت مجزرة “سبايكر سياسية”، وفرضت على الأحزاب العراقية استبدال مرشحها بمرشح فرضته عليهم، والغوا الأصوات العراقية بعدما أسبغوا الشرعية على عملية تنصيبه الإكراهي.
استطاع المقاومون العراقيون إلحاق ضربات قاسية بالاحتلال الأمريكي أجبرته على القبول بتقليص تواجده في قواعد عسكرية محددة والتفاوض لمغادرة القوات الأمريكية، فعاقبتهم أمريكا بغزوة “داعش” لإعادة السلطة إلى الطرف “السنّي” المتطرف التكفيري كما فعلت في سوريا ضد النظام البعثي والذي يصر الجميع على وصفه بالنظام “العلوي” السابق، ولولا الرحمة الإلهية باستجابة العراقيين لفتوى الدفاع الكفائي للمرجع السيد السيستاني لكانت وُلدت ولاية سوريا والعراق الداعشية التكفيرية بطرفيها “داعش” و”جبهة النصرة” وأعلنت دولة “الخلافة الأمريكية” في قلب العالم العربي، وحاصرت إيران بين “طالبان” في أفغانستان و”داعش” في العراق وسوريا.
يعيش العراق كذبة الاستقلال والقرار الوطني، فلا يملك العراقيون القرار السياسي ولا العسكري ولا حتى أموال صادرات النفط التي تتحكم بها أمريكا، واجبرتهم أمريكا على المشاركة بحصار إيران التي ساندتهم في حربهم ضد داعش، ولولا إسناد إيران والمقاومة اللبنانية ونخوة العراقيين وشجاعتهم لما كانت هناك حكومة عراقية تشارك فيها الأحزاب الشيعية الإسلامية ولاعتبات مقدسة ولاحوزات كما هو حال سوريا الآن!
والسؤال..
هل أن الأحزاب الشيعية التي تمسك برئاسة الحكومة، صارت ضعيفة حتى تتنازل عن مرشحها ثم تؤيد رئيساً للحكومة يأمر بنزع سلاح فصائل المقاومة العراقية في مهلة حددها بأشهر، ثم يشارك في الحصار على الجمهورية الإسلامية، بل ويحاصر العتبات المقدسة ويمنع عنها الزوار الإيرانيين وكان قد سبق ذلك التزام الحكومة العراقية بتصنيف “حزب الله” في لبنان بالإرهابي.
فكيف يمكن تفسير تأييد الأحزاب الشيعية لحكومة ترتكب خطايا الحصار على إيران ونزع سلاح المقاومة وحصار العتبات المقدسة في مقابل الشراكة في الحكم ومغانمه؟
هل إن هدف الأحزاب والعمل السياسي الإسلامي هو الشراكة في السلطة والتخلي عن المبادئ والأهداف ؟
إن السياسة الذكية لأمريكا والتي تمارسها في لبنان والعراق وإيران ،لزعزعة الثقة بالمشروع السياسي الشيعي الإسلامي وإسقاط شعاراته وإغراقه بالفشل وعدم الثبات الميداني وإظهار فشله وتخبطه في السياسة والاجتماع والاقتصاد، لإقامة حاجز أمام الأجيال الجديدة وإقناعها أن مشروع المقاومة المسلحة مشروع فاشل لا يؤدي إلا إلى خراب الأوطان وخسارة الأرواح، وإقناعها أن المشروع السياسي الإسلامي اثبت فشله في العراق وفي لبنان وفي إيران، وأن نجاة الأجيال القادمة هي الانخراط في مسار السياسة الأمريكية الغربية ومبايعة لأمريكا “أميراً” مطلق الصلاحية، له ما على الأرض وما تحتها، ويتكرم على عبيده ببعض المكرمات.
نحن أمام خطر إسقاط المشروع الفكري والديني الإسلامي بالتلازم مع إسقاط المشروع المقاوم والتحرري لمواجهة الشرق الأوسط الأمريكي وإسرائيل الكبرى والديانة الإبراهيمية، ويبدو أن أمريكا على مشارف نجاح خطتها بـإحداث التصدع والتشقق العقائدي والفكري في المجتمع المقاوم و”تجريف الهوية الثقافية” وتغيير المفاهيم والمعايير لصناعة شخصية إسلامية جديدة وفق المواصفات الأمريكية خلاف الشخصية الإسلامية القرآنية والنبوية.
إن مسؤولية الشرفاء الوطنيين العراقيين هي المبادرة لإسقاط المشروع الأمريكي السياسي الناعم قبل أن يمسك بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية في العراق، وهو الذي يرتكز على اختراقات عقائدية وسياسية وعسكرية للمجتمع الشيعي خصوصاً بعد ما أحكم سيطرته على المكوّن الكردي والسني، وإذا نجح سيسقط العراق نهائياً في القبضة الأمريكية دون الحاجة إلى قواعد عسكرية، وفق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المرتكزة على منظومة قيادة العالم بدل السيطرة عليه ،لعدم دفع أثمان الاستعمار الأمريكي الجديد.
نجحت أمريكا بتجزئة ساحات وحدة المقاومة وانتقلت إلى مرحلة تحشيدها ضد بعضها البعض، كساحات متفرقة وإحداث الخلافات والفتن داخل كل ساحة، بالتلازم مع إلزام قوى المقاومة بالمشاركة في حكومات تصدر قرارات قطع رأس المقاومة وثم تمنحها الثقة والموافقة على سياساتها، وهذا أسوأ أنواع الإذلال السياسي والانفصام العقائدي.
والسؤال…متى ستطلق أمريكا سجناء “داعش” الذين نقلتهم من سوريا ، لبدء الغزوة الثانية للعراق وتسليم الحكم “لداعش” بعد تغيير اسمها ،كما في سوريا ؟
جمع الغنائم سبب كل هزيمة ،فليبادر العراقيون لاستعادة الحكم من أمريكا…قبل تسليمه لداعش!
د.نسيب حطيط



