الاغتراب اللبناني في كندا: قرن ونصف من الهجرة تحوّلات الانتشار الجغرافي والخصائص الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية ورئيس مركز السكان والتنمية.
د. تانيا علي فاعور: أستاذة في قسم الجغرافيا – الجامعة اللبنانية، وباحثة في مركز السكان والتنمية.
المقدمة
كندا في خريطة الانتشار اللبناني
تحتلّ كندا موقعًا بارزًا في جغرافية الانتشار اللبناني، ليس فقط بسبب حجم الجالية اللبنانية فيها، بل أيضًا لقِدم الهجرة اللبنانية إليها وتراكم موجاتها وتنوّعها عبر الزمن. فمِن بدايات محدودة في أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بالموجات الكبرى خلال الحرب اللبنانية (1975-1990) وما بعدها، تطوّر الوجود اللبناني في كندا تدريجيًا من تجمّعات مهاجرة إلى مجتمع لبناني – كندي راسِخ ومتعدّد الأجيال.
تتناول هذه الدراسة الاغتراب اللبناني في كندا من خلال أربعة أبعاد مترابطة: (1) مراحل الهجرة ونموّ الجالية اللبنانية، (2) جغرافية الانتشار داخل كندا بين كيبيك وأونتاريو وألبرتا، (3) التحوّل من جماعة مهاجرة إلى مجتمع لبناني – كندي متعدّد الأجيال، (4) رأس المال البشري والإندماج الاجتماعي والاقتصادي. والسؤال المركزي في هذه الدراسة هو: كيف تحوّلت الهجرة اللبنانية، عبر أكثر من قرن، من تدفقات بشرية متعاقِبة إلى مجتمع يعيد إنتاج نفسه ديموغرافيًا واجتماعيًا داخل كندا؟
ومن الناحية المنهجية، تميِّز الدراسة بين فئتَيْن من “اللبنانيين” في كندا: المولودين في لبنان (بوصفهم أقرب إلى قياس الجيل المهاجر المباشر) وذوي الأصل اللبناني (وهي فئة أوسع تشمل أيضًا أبناء المهاجرين وأحفادهم والأشخاص الذين يذكُرون الأصل اللبناني منفردًا أو إلى جانب أصول أخرى). وهذا التمييز ضروري لقراءة الأرقام بصورة صحيحة وفهم الانتقال من هجرة اللبنانيين إلى تشكّل مجتمع لبناني–كندي متعدّد الأجيال.
1- مراحل الهجرة ونموّ الجالية اللبنانية في كندا
من مهاجر أوّل عام 1882 إلى جالية راسِخة.
يعود الحضور اللبناني المنظم في كندا إلى أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ تشير المصادر الكندية إلى وصول إبراهيم أبو نادر، من زحلة، إلى مونتريال عام 1882، ويُعدّ من أوائل المهاجرين العرب إلى كندا. ومن تلك البداية المحدودة، أخذت الهجرة تتوسّع تدريجيًا عبر التجارة والاستقرار العائلي وشبكات الأقارب، ثم اكتسبت زخمًا أكبر بعد الحرب العالمية الثانية مع إعادة فتح أبواب الهجرة وتطوّر سياسات الاستقبال الكندية.
لكن التحوّل الأكبر جاء مع الحرب اللبنانية (1975-1990). وتظهر بيانات Statistics Canada أن الفترة الممتدّة بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات شكّلت ذروة الهجرة من لبنان، وكانت سنوات 1989-1992 من أبرز سنوات الوصول بين المهاجرين المولودين في لبنان والمقيمين في كندا عام 2021. وهكذا انتقل الوجود اللبناني من تجمّعات تاريخية محدودة إلى جالية واسعة ومتجدّدة بفِعل موجات الحرب والهجرة الاقتصادية ولمّ الشمل.
الحرب دفعت الهجرة… لكنّها لم تكن هجرة لجوء فقط
تكشف دراسة “فئات القبول” (Admission categories) عن تركيب أكثر تعقيدًا من ربط الهجرة اللبنانية بالحرب وحدها. فمن بين المهاجرين العرب المولودين في لبنان الذين قُبِلوا للهجرة الى كندا بين عامَيْ 1980 و2021، دخل 52.1% ضمن الفئة الاقتصادية (economic immigrant)، مقابل 32.2% عبر الكفالة العائلية (immigrant sponsored by family)، فيما شكّل اللاجئون (refugees) 14.6%، وفئة “مهاجرين غير ذلك” (other immigrant) 1.1%.
وتوضِح هذه التركيبة أن الحرب كانت عامِل دَفع رئيسيّ، ولكنّ استمرار الهجرة اعتمد أيضًا على الإنتقاء المهني وشبكات الأسرة والجالية التي كانت قد ترسّخت في كندا. وحتى خلال ذروة 1989–1992، كان 57.8% من المهاجرين من لبنان إلى كندا في تلك الفترة من الفئة الاقتصادية. وبذلك تداخلت عوامل الحرب والعمل والأسرة في تشكيل الحجم الحالي للجالية اللبنانية في كندا.
من نحو 144 ألفًا إلى أكثر من 210 آلاف خلال عشرين عاماً
تظهر الأرقام بوضوح أن الهجرة اللبنانية لم تنتِج مجرّد تجمّع من المهاجرين الوافدين، بل مجتمعًا أخذ ينمو داخل كندا نفسها. وفق تعداد عام 2001 في كندا، بلغ عدد من صرّحوا بأصل لبناني نحو 144 ألف شخص، وكان 51% منهم مولودين في كندا مقابل 49% مولودين خارجها. وكان عدد اللبنانيين في كندا قد ارتفع بنحو 9% بين 1996 و2001، أي بأكثر من ضُعف معدّل نموّ السكان الكنديّين إجمالًا خلال الفترة نفسها.
وبحلول تعداد عام 2021، بلغ عدد من صرّحوا بأصل لبناني 210,605 شخص. ويكشف الانتقال من نحو 144 ألفًا إلى أكثر من 210 آلاف شخص خلال عشرين عامًا نموًا يقارب 47%، لكنه يعكس أكثر من تدفقات الهجرة وحدها؛ إذ يدخل فيه أبناء وأحفاد المهاجرين المولودين في كندا، بمن فيهم من يجمَعون الأصل اللبناني مع أصول أخرى.
وهكذا لم يؤدِّ نموّ الهجرة إلى زيادة الحجم الديموغرافي فقط، بل مهّد أيضًا لتشكّل مجتمع لبناني–كندي متعدّد الأجيال، رافقه تحوّل واضِح في جغرافية الانتشار داخل كندا.
2- جغرافية الانتشار بين كيبيك وأونتاريو وألبرتا
82% في مقاطعتَيْ كيبيك وأونتاريو: قطبان شبه متساويان
يتميز الانتشار اللبناني في كندا بدرجة مرتفعة من التركّز الجغرافي. ففي عام 2021، كان 41.0% من السكان العرب المولودين في لبنان يقيمون في كيبيك، مقابل 40.9% في أونتاريو؛ أي أن المقاطعتين وحدهما تستقطبان 81.9% من هذه الفئة. وتأتي ألبرتا في المرتبة الثالثة بنسبة 12.3%، بينما لا تتجاوز حصّة بقية المقاطعات والأقاليم مجتمِعة 5.7%، وبذلك يتركز 94.2% في كيبيك وأونتاريو وألبرتا وحدها.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في شدّة التركز فقط، بل في التوازن شبه الكامل بين كيبيك وأونتاريو؛ فالفارق بينهما لا يتجاوز 0.1 نقطة مئوية، وهي سِمة لافتة بالمقارنة مع جماعات عربية أخرى أكثر ارتباطًا بإحدى المقاطعتين، وتكشف الأرقام أن الانتشار اللبناني تشكل داخل المجالَيْن الرئيسيَيْن للهجرة في كندا: المجال الفرنكوفوني في كيبيك والمجال الأنغلوفوني في أونتاريو.
من تفوّق أونتاريو إلى توازن جغرافي
تكشف بيانات تعداد 2001 صورة مفيدة لتطوّر الانتشار اللبناني في كندا، فقد كان في كندا آنذاك نحو 143.6 ألف شخص من أصل لبناني، منهم 59.2 ألفًا في أونتاريو، و49.0 ألفًا في كيبيك، و17.7 ألفًا في ألبرتا. وكانت أونتاريو تستحوذ على 41.2% من السكان من أصل لبناني، مقابل 34.1% لكيبيك و12.3% لألبرتا.
وتشير المقارنة، مع مراعاة اختلاف التعريف الإحصائي بين المصدرين، إلى ثبات ثلاثة أقطاب رئيسية للانتشار اللبناني، لكن مع تغير في الوزن النسبي داخلها: احتفظت أونتاريو بموقع مركزي، في حين تعزز ثقل كيبيك حتى أصبحت حصّتها في بيانات 2021 مساوية تقريبًا لحصة أونتاريو، بينما حافظت ألبرتا على موقعها الثالث.
مونتريال في الصدارة… وأوتاوا ذات وزن خاص
على مستوى المدن، كانت مدينة مونتريال (في مقاطعة كيبيك) أكبر مركز لبناني في كندا منذ بداية القرن الحالي على الأقلّ. ففي عام 2001، كان يعيش فيها نحو 44 ألف شخص من أصل لبناني، أي قرابة 30% من مجموع ذوي الأصل اللبناني في كندا. وفي المقابل، كان يعيش في مدينة تورونتو أقل من 20 ألفًا، أي نحو 14%، مع عدد مماثل تقريبًا في مدينة أوتاوا.
لكن أوتاوا تبرز بمؤشر مختلف، فقد شكّل ذوو الأصل اللبناني نحو 2% من مجموع سكان منطقة العاصمة عام 2001، وهي أعلى حصّة لبنانية من سكان أي منطقة حضرية كبرى في كندا آنذاك. وهذا يعني أن حجم التجمّع وحده لا يكفي لقياس ثِقله؛ فمونتريال كانت الأكبر عددًا، بينما كان الحضور اللبناني أكثر وزنًا نسبيًا في أوتاوا.
ألبرتا: قطب تاريخي للهجرة اللبنانية
ولا ينبغي النظر الى ألبرتا، التي تضمّ اليوم نحو 12% من السكان العرب المولودين في لبنان، باعتبارها وجهة حديثة فحسب، فجذور الحضور اللبناني فيها تعود إلى أوائل القرن العشرين، ثم تعززت خلال الفترة من الخمسينيات إلى السبعينيات. وتكشف بيانات تعداد 2001 أن 21.2% من المهاجرين العرب المولودين في لبنان الذين وصلوا إلى كندا بين 1950 و1979 كانوا يعيشون في ألبرتا.
وهكذا تكشف الخريطة عن بنية مكانية مستقرة نسبيًا (قطبان رئيسيّان شبه متساويان في كيبيك وأونتاريو، وقطب ثالث تاريخي في ألبرتا) تشكلت عبر تراكم موجات الهجرة وشبكات الاستقرار العائلي واللغوي والاقتصادي..
3- التحوّل من جماعة مهاجرة إلى مجتمع لبناني – كندي متعدّد الأجيال
منذ 2001… أكثر من نصف ذوي الأصل اللبناني مولودون في كندا
لا يقتصر التحوّل الذي شهده الوجود اللبناني في كندا على زيادة عدد المهاجرين، بل يتمثل بصورة أعمق في انتقاله التدريجي من جماعة مهاجرة إلى مجتمع يتجدّد ديموغرافيًا داخل كندا. فقد أظهر تعداد عام 2001 أن 51% من السكان الذين صرّحوا بأصل لبناني كانوا مولودين في كندا، مقابل 49% مولودين خارجها. وبالتالي، ان أبناء الهجرة وأجيالها اللاحقة كانوا قد أصبحوا، منذ مطلع القرن الحالي، أكثر من نصف المجتمع اللبناني–الكندي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند مقارنتها بتاريخ الهجرة، ففي الوقت الذي كانت فيه موجات كبيرة من اللبنانيين لا تزال حديثة نسبيًا، ولا سيما موجات الثمانينيات والتسعينيات، كان قد نشأ بالتوازي جيل كندي المولِد يحمل الأصل اللبناني. وهذا يعني أن نموّ الجالية لم يعد يعتمد على تدفقات الهجرة وحدها، بل أصبح يرتبط أيضًا بالتجدّد السكاني داخل كندا.
الأصول اللبنانية تتجاوز حدود الجيل المهاجر
تتضح هذه الظاهرة أكثر في تعداد 2021، عندما بلغ عدد من صرّحوا بأصل إثني أو ثقافي لبناني 210,605 شخصاً، وهذا الرقم لا يعني أن 210 آلاف شخص هاجروا من لبنان؛ بل يشمل من ذكروا الأصل اللبناني سواء كان أصلهم الوحيد أو واحدًا من عدّة أصول.
وهنا يكمن الفرق المنهجي والديموغرافي الأساسي بين “المولود في لبنان” و”من أصل لبناني“: الأول يقيس بصورة أقرب السكان الذين ولدوا في بلد المنشأ، بينما يمتدّ الثاني إلى الأبناء والأحفاد والأجيال اللاحقة. إن اتساع الفارق بين المفهومَيْن يصبح في ذاته مؤشرًا على رسوخ المجتمع اللبناني داخل كندا وانتقاله عبر الأجيال.
الهوية اللبنانية تتّسع… من الأصل المنفرد الى الانتماء المتعدّد
من بين جميع من صرّحوا بأصل لبناني في عام 2001، ذكر 65% أن اللبناني هو أصلهم الإثني الوحيد، مقابل 35% ذكروا الأصل اللبناني إلى جانب أصل أو أصول أخرى. وهذه النسبة مهمة، لأنها تكشف مبكرًا نموّ الهويّات المركّبة الناتِجة عن الولادة في كندا والزواج والاختلاط بين الجماعات وانتقال الهوية إلى الأجيال اللاحقة.
ان تعدّد الأصول لا يعني بالضرورة تراجع الانتماء اللبناني، بل يعكس تحوّل طبيعته: من هويّة مرتبطة أساسًا بمهاجر قادِم من لبنان إلى هوية لبنانية–كندية يمكن أن تتعايش مع أصول وانتماءات أخرى.
اللغة: من لغة الهجرة إلى لغة تراثية عبر الأجيال
يظهر التحوّل بين الأجيال بوضوح أيضًا في المجال اللغوي. وفي عام 2001، كان 97% من الكنديين من أصل لبناني قادرين على التحدّث بالإنكليزية أو الفرنسية، وكان 37% يتحدّثون اللغتيْن الرسميتيْن؛ وهي نسبة مرتفعة تعكس قدرة كبيرة على الاندماج في المجاليْن اللغويَيْن الكنديَيْن. وفي المقابل، كان 51% قد ذكروا لغة أم غير الإنكليزية والفرنسية، و29% كانوا يستخدمون لغة غير رسمية وحدها في المنزل.
وتؤكد بيانات السكان العرب لعام 2021 الاتجاه العام نحو تراجع استخدام العربية عبر الأجيال، من دون جواز إسقاط هذه النسب مباشرة على اللبنانيين.
وهكذا تكشف التجربة اللبنانية تحولًا يتجاوز نموّ الأعداد: من جيل مهاجر أسّس التجمّعات الأولى إلى أجيال وُلِدت في كندا، تحمِل هويّة أكثر تركيبًا وتندمج بصورة متزايدة في المجتمع الكندي.
4- رأس المال البشري والإندماج الاجتماعي والاقتصادي
تعليم مرتفع… ورأس مال بشري يتجاوز المتوسط الكندي
لا يكتمل تفسير رسوخ المجتمع اللبناني في كندا من خلال نموّ العدد وانتشار الأجيال وحدهما، بل يرتبط أيضًا بخصائصه التعليمية والمهنية. وتظهر البيانات اللبنانية المباشرة في تعداد 2001 أن 21.4% من الكنديين من أصل لبناني بعمر 15 سنة فأكثر كانوا يحمِلون شهادة جامعية، مقابل 15.4% من مجموع السكان الكنديين. وكان التفوّق أوضح في الدراسات العليا؛ إذ بلغت النسبة 7.3% بين اللبنانيين مقابل 4.8% على المستوى الكندي.
وتشير البيانات كذلك إلى أن الجامعيين من أصل لبناني كانوا أكثر حضورًا في المجالات العلمية والتقنية، وهو ما يعكس قاعدة مهمة من رأس المال البشري. وتكتسب هذه القاعدة التعليمية دلالة إضافية في ضوء الوزن الكبير للهجرة الاقتصادية ضمن التدفقات اللبنانية إلى كندا، كما سبق الإشارة.
60% في العمل… ولكن فجوة واضحة بين الرجال والنساء
لم يكن المستوى التعليمي المرتفع منفصلًا عن سوق العمل، ففي عام 2001 كان 60% من السكان البالغين من أصل لبناني يعملون، مقابل 62% من مجموع السكان الكنديين؛ أي أن الفارق الإجمالي كان محدودًا.
لكن المتوسط يخفي تفاوتًا واضحًا بحسب الجنس: بلغت نسبة العاملين 70% بين الرجال من أصل لبناني مقابل 50% بين النساء، بفارق 20 نقطة مئوية. كما ظهر العامِلون من أصل لبناني أكثر من غيرهم نسبيًا في الإدارة والمهن العلمية والتقنية والمبيعات والخدمات.
وهكذا تكشف البيانات صورة مزدوجة: اندماج مرتفع نسبيًا في سوق العمل، يقابله تفاوت داخلي بين الرجال والنساء، بما يجعل الاندماج الاقتصادي عملية غير متجانسة داخل المجتمع اللبناني نفسه.
الدخل: اندماج اقتصادي لا يلغي الفجوات
يكشف الدخل جانبًا آخر من الصورة. فقد بلغ متوسط دخل الكنديين من أصل لبناني 27,700 دولار كندي عام 2001، أي أقل بقليل من المتوسط الكندي العام الذي كان يزيد عليه بحوالي ألفَيْ دولار. وهذا يعني أن ارتفاع المستوى التعليمي واقتراب معدل التشغيل من المتوسط الوطني لم يترجما آنذاك إلى مساواة كاملة في الدخل.
وكانت الفجوة أكثر وضوحًا لدى بعض الفئات؛ كما بلغت نسبة من كانوا دون حدود الدخل المنخفض 28% من السكان من أصل لبناني، وارتفعت إلى 33% بين الأطفال من أصل لبناني. ولذلك لا ينبغي قراءة الاندماج من خلال التعليم أو العمل وحدهما، بل من خلال العلاقة بين المؤهلات وفرص العمل والعائد الاقتصادي.
من جيل مهاجر إلى اندماج متعدّد الأبعاد
تكشف هذه المؤشرات أن المجتمع اللبناني في كندا دخل القرن الحادي والعشرين بقاعدة تعليمية مرتفعة نسبيًا، ومشاركة في سوق العمل قريبة من المتوسط الكندي، وحضور في عدد من المهن العلمية والتقنية والإدارية، لكنه كان يواجه في الوقت نفسه فجوات في الدخل (مقارنة بإجمالي الكنديين) وتفاوت في العمل بين الجنسين.
وتكشف هذه المؤشرات أن الاندماج اللبناني لا يسير في اتجاه واحد: فارتفاع المستوى التعليمي ونسبة المشاركة في سوق العمل يترافق مع تفاوتات في الدخل والعمل بين الجنسين. ومع تعاقب الأجيال، لم يعد الاندماج مجرّد تكيّف للمهاجر الجديد، بل أصبح مسارًا يجمع بين المشاركة الاقتصادية والاجتماعية واستمرار عناصر الهوية اللبنانية.
خاتمة: من الهجرة التاريخية إلى مجتمع لبناني–كندي راسِخ
تكشف تجربة الهجرة اللبنانية إلى كندا مسارًا امتدّ لأكثر من قرن، انتقل خلاله الوجود اللبناني من هجرة أفراد وموجات متعاقبة إلى مجتمع راسخ ومتعدّد الأجيال. فقد أسّست الهجرة القاعدة الأولى، فيما رسّخت الأجيال المولودة في كندا هذا الحضور وحوّلته إلى جزء من النسيج السكاني والاجتماعي الكندي.
وهكذا تمثل كندا نموذجًا واضحًا لتحوّل الاغتراب اللبناني من حركة هجرة إلى مجتمع جديد في بلد الاستقبال، ومن جيل مهاجر إلى أجيال لبنانية–كندية مندمِجة في مجتمعها، مع استمرار روابط الأصل والهوية اللبنانية.
المراجع
Statistics Canada. (2007). The Lebanese Community in Canada. Catalogue no. 89-621-X, based on the 2001 Census of Canada. Retrieved from https://www150.statcan.gc.ca/n1/pub/89-621-x/89-621-x2007015-eng.htm
Statistics Canada. (2022). Ethnic or cultural origin by generation status: Canada, provinces and territories, census metropolitan areas and census agglomerations with parts. 2021 Census of Population, Table 98-10-0338-01. Retrieved from https://www150.statcan.gc.ca/t1/tbl1/en/tv.action?pid=9810033801
Statistics Canada. (2025). Portrait of the Arab Populations in Canada: Diversity and Socioeconomic Outcomes. Catalogue no. 89-657-X, based primarily on the 2021 Census of Population. Retrieved from https://www150.statcan.gc.ca/n1/pub/89-657-x/89-657-x2025005-eng.htm
Ottawa: Statistics Canada. Based on the 2001 Census of Population and the 2002 Ethnic Diversity Survey.




