الاغتراب اللبناني في ألمانيا (2/1) من موجات الهجرة إلى الحجم الديموغرافي وجغرافية الانتشار

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
د. تانيا علي فاعور: أستاذة في قسم الجغرافيا – الجامعة اللبنانية وباحثة في مركز السكان والتنمية.
مقدمة
تتناول هذه الدراسة الوجود اللبناني في ألمانيا وخصائصه الديموغرافية والجغرافية والاجتماعية عبر ثلاثة محاور مترابطة: (1) تكوّن الوجود اللبناني في ألمانيا وحجمه الديموغرافي، (2) التحوّلات في الهجرة من الحرب واللجوء إلى بداية الأزمة عام 2019، (3) جغرافية الانتشار اللبناني في ألمانيا.
أولاً : تكوّن الوجود اللبناني وحجمه الديموغرافي
1- البدايات والهجرة التعليمية في الخمسينيات
تعود الجذور الأولى للعلاقات بين المجالين اللبناني والألماني إلى القرن التاسع عشر؛ فقد عُيّن القنصل البروسي فيها قنصلًا لاتحاد شمال ألمانيا عام 1868، ، وشكّلت زيارة القيصر فيلهلم الثاني (Wilhelm II) للمنطقة محطة بارزة في تطور العلاقات بين الجانبين، ويوثّق معهد غوته في لبنان وصوله إلى بيروت في تشرين الثاني/نوفمبر 1898 وزيارته بعلبك.. غير أن هذه المرحلة بقيت أساسًا في نطاق العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية، من دون أن تكشف المصادر البحثية عن حركة هجرة لبنانية أو تجمع سكاني ذي حجم ملموس في ألمانيا (1) .
أما الحضور اللبناني القابل للتوثيق المباشر، فتظهر معالمه بصورة أوضح في خمسينيات القرن العشرين، وكان التعليم إحدى قنواته الأساسية. ففي عام 1957 تسجل الإحصاءات الرسمية في ألمانيا وجود طلاب لبنانيين في مدارس الهندسة في ألمانيا الغربية، فيما توثّق صورة محفوظة لدى الأرشيف الاتحادي الألماني (Bundesarchiv) في العام التالي، طلابًا لبنانيين في دريسدن بألمانيا الشرقية. وهي أرقام محدودة، لكنها تكشف أن الهجرة التعليمية سبقت موجات الحرب واللجوء بنحو عقدين (2).
2- الحرب وموجات الهجرة في الثمانينيات
أحدثت الحرب اللبنانية منذ 1975 تحولًا جذريًا في طبيعة الهجرة إلى ألمانيا. فبعد أن كان الحضور محدودًا وغلب عليه الطابع التعليمي والمهني، اتسعت الهجرة خلال سنوات الحرب وأصبحت تشمل بصورة متزايدة طالبي اللجوء والأسر الباحثة عن الاستقرار.
وتكشف الأرقام في البيانات الألمانية حجم هذا التحول بوضوح. فقد بلغ عدد حاملي الجنسية اللبنانية في ألمانيا نحو 10.3 آلاف عام 1980 ، وارتفع إلى 13.2 ألفًا عام 1985، قبل أن يقفز إلى نحو 47.1 ألفًا عام 1990. وهذا يعني أن العدد ازداد بنحو 34 ألف شخص خلال خمس سنوات فقط، أي بحوالي 258%، وأصبح في نهاية العقد نحو 3.6 أضعاف مستواه عام 1985(3).
وهكذا، كانت الحرب نقطة التحول التاريخية، لكن القفزة الديموغرافية الأكبر تركزت في النصف الثاني من الثمانينيات. واستمر العدد في الارتفاع بعد انتهاء الحرب ليبلغ نحو 54.1 ألف حامل للجنسية اللبنانية عام 2000.
3- من مؤشر الجنسية إلى قياس الوجود متعدد الأجيال
لا يكفي رصيد حاملي الجنسية اللبنانية وحده لقياس الوجود المرتبط بلبنان. فقد بلغ عددهم نحو 35.8 ألفًا عام 2010 و41.3 ألفًا عام 2019. وفي سلسلة نهاية السنوات الحديثة، سجل 41.090 شخصًا في 2020، و 47.205 في 2023، و 48.025 في 2024، ثم 47.860 في 2025؛ أي بزيادة 6.770 شخصًا، أو 16.5%، قياسًا بعام 2020. وهذا التغير في رصيد الجنسية، لا في عدد الوافدين: يتأثر بالتجنس والولادات والمغادرة، ولا يشمل المتجنسين من أصل لبناني (4).
لذلك يُقرأ مؤشر الجنسية إلى جانب مؤشرات تاريخ الهجرة والخلفية الهجرية، مع بيان تعريف كل فئة وسنة قياسها. وتقدّر بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني لعام 2025 عدد المقيمين في الأسر الخاصة ممن يرتبط تاريخ هجرتهم بلبنان بنحو 171 ألف شخص؛ منهم 92 ألفًا هاجروا بأنفسهم، و79 ألفًا من نسل المهاجرين. وهذه نتائج مسح إحصائي، وليست تعدادًا فرديًا للبنانيين بحسب الجنسية.
يمثل نسل المهاجرين نحو 46% من هذه الفئة، ما يتيح قراءة الوجود المرتبط بلبنان بوصفه مجتمعًا متعدد الأجيال. وبحسب تعريف الخلفية الهجرية بالمعنى الأوسع، يبلغ التقدير نحو 189 ألف شخص في عام 2025. وهو مؤشر مختلف عن رقم 171 ألفًا، فلا يُضاف أحدهما إلى الآخر، كما لا يتطابق أي منهما تلقائيًا مع عدد اللبنانيين بحسب الجنسية.
ثانياً: التحوّلات في الهجرة من الحرب واللجوء إلى بداية الأزمة 2019.
1- الهجرة من لبنان خلال الحرب: مسارات اللجوء والاستقرار
وسّعت الحرب اللبنانية منذ 1975 دوافع الخروج ومسارات الوصول إلى ألمانيا، وتعرض دراسة ريان ماجد الميدانية، المنشورة عام 2023، شهادات عن اللجوء وظروف الإقامة والعمل في برلين خلال تلك المرحلة. وتفيد هذه الحالات في فهم التجربة التاريخية، مع التمييز بين اللبنانيين وغير اللبنانيين الذين قدموا من لبنان؛ كما أنها لا تمثل قياسًا إحصائيًا لحجم كل مسار. [7]

2- الهجرة منذ 2019*: تنوّع الدوافع ومسارات الوصول
أضافت الأزمة اللبنانية منذ 2019 أسبابًا جديدة للانتقال، بينها الدراسة والعمل والبحث عن الاستقرار. وتشير المقابلات الميدانية في برلين إلى تنوع التجارب الفردية للوافدين الجدد، بينما توثق بيانات الطلاب والأطباء حضورًا قابلًا للقياس في مجالين محددين؛ وتُعرض أرقام هذين المجالين في المحور الخامس. [7]
ولا تكشف الزيادة في رصيد حاملي الجنسية اللبنانية، الواردة في المحور الأول، عدد الوافدين بعد 2019 أو نسبة من انتقل من الدراسة إلى العمل. ومن ثمّ يبقى وصف هذه المسارات نوعيًا حيث لا تتوافر سلسلة مباشرة لتدفقات اللبنانيين بحسب سبب الهجرة.
3- الترابط بين الموجات القديمة والوافدين الجدد
يصل بعض الوافدين إلى مدن توجد فيها أسر ومعارف ومؤسسات لبنانية أقدم. وتُظهر مقابلات برلين كيف ساعدت هذه الروابط بعض الأشخاص في خطوات الوصول الأولى، مع اختلاف ظروف الإقامة والتعليم والعمل بين الموجات؛ ولا يصح تعميم هذه الشهادات على جميع اللبنانيين في ألمانيا. [7]
تُظهر المقارنة بين المرحلتين استمرار الهجرة وتنوّع دوافعها، من اللجوء والاستقرار خلال الحرب إلى مسارات الدراسة والعمل في المرحلة الحديثة. ويظل قياس حجم كل مسار مرتبطًا ببيانات مستقلة عن رصيد الجنسية.
ثالثاً- جغرافية الانتشار اللبناني في ألمانيا
1- التوزيع التقديري بحسب الولايات ومركزا الثقل الرئيسيان
ينتقل التحليل من المؤشرات الوطنية المعرّفة في المحور الأول إلى تقدير توزيع الوجود المرتبط بلبنان داخل ألمانيا. ولا يتوافر في المادة المعتمدة جدول رسمي يماثل تعريف الرقم الوطني ويوزعه على الولايات.
لذلك تعتمد المقالة جدول عمل تقديريًا مجموعه 173 ألف شخص؛ تُحسب حصص الولايات من هذا المجموع وحده، وتُعرض الأرقام الرسمية المحلية بصورة مستقلة مع تعريفها وتاريخها[1].
وفق جدول التوزيع التقديري، تتقدم شمال الراين وستفاليا بنحو 72 ألف شخص، أو 41.6%، تليها برلين بنحو 48 ألفًا، أو 27.7%. ويبلغ مجموعهما 120 ألفًا، أي 69.4% من تقدير الانتشار في ألمانيا. وهكذا تشكلان مركزَي الثقل الرئيسيين، فيما يتوزع نحو ثلاثة أعشار الحجم المقدّر خارجهما (5)..
وتأتي بريمن بنحو 14 ألفًا، أو 8.1%، ثم سكسونيا السفلى بنحو 12 ألفًا، أو 6.9%، وبادن فورتمبيرغ بنحو 9 آلاف، أو 5.2%، وهامبورغ بنحو 7 آلاف، أو 4%. ويُقدَّر حضور سائر الولايات بنحو 11 ألفًا، أو 6.4%. وتبين هذه الأرقام أن التركز في منطقتين لا يلغي امتداد الحضور اللبناني على نطاق ألماني أوسع (6).
وتختلف طبيعة هذا التركز بين ولاية وأخرى. فشمال الراين وستفاليا (North Rhine-Westphalia) تضم شبكة مدن متجاورة، في حين تُعد برلين وبريمن (Bremen) وهامبورغ مدنًا وولايات في الوقت نفسه. لذا ينبغي قراءة أرقام الولايات إلى جانب توزيعها داخل المدن.
2- شبكة الانتشار في المدن: الرور وبرلين وبريمن والامتداد جنوبًا
في شمال الراين وستفاليا، تضع تقديرات العمل إيسن بين 18 و22 ألف شخص، وكولونيا (Cologne) ودورتموند (Dortmund) بين 6 و8 آلاف لكل منهما. ويظهر الحضور أيضًا في دوسلدورف (Düsseldorf) وبوخوم (Bochum) وغيلسنكيرشن (Gelsenkirchen)، بما يوضح الرور مجالًا حضريًا متعدد المراكز. وهذه النطاقات لا تشكل تعدادًا شاملًا للولاية (6).
وتضع التقديرات بريمن عند نحو 14 ألفًا، وهامبورغ (Hamburg) عند نحو 7 آلاف، وهانوفر وشتوتغارت (Stuttgart) بين 4 آلاف و 5.500 شخص لكل مدينة. وتمتد بذلك شبكة الوجود شمالًا ووسطًا وجنوبًا؛ ولا تسمح هذه التقديرات بإسناد كل تجمع إلى مهنة أو موجة هجرة بعينها (6).
3- برلين وإيسن: ماذا تضيف السجلات المحلية؟
تسجل إحصاءات مدينة إيسن (Essen) 1.726 شخصًا في خانة الجنسية اللبنانية في أيلول/سبتمبر 2024. وهذا مؤشر قانوني أضيق من فئة تقدير الانتشار، فلا يثبت وحده نطاق 18-22 ألفًا الوارد لمدينة إيسن في جدول العمل.
وفي برلين (Berlin)، مركز الثقل الثاني للجالية اللبنانية نحو 48.000 شخص، أي 27.7% من إجمالي الانتشار التقديري في ألمانيا. كما سجل الإحصاء المحلي 34.350 مقيمًا ضمن فئة الخلفية الهجرية المرتبطة بمنطقة المنشأ لبنان في 30 حزيران/يونيو 2025، و 9.779 حاملًا للجنسية اللبنانية في التاريخ نفسه. ويختلف تعريف المؤشرين.
4- حدود التوزيع الجغرافي واختلاف المصادر الإحصائية
تظل الجالية اللبنانية وحدة التحليل في المقالة؛ فحامل الجنسية اللبنانية، ومن يُنسب منشؤه إلى لبنان، ومن يرتبط تاريخ هجرته به، فئات لا تتطابق تمامًا. تُستخدم مؤشرات المنشأ والهجرة لتقريب بعض أبعاد الانتشار مع التصريح بحدودها، من دون إدراج غير اللبنانيين القادمين من لبنان تلقائيًا ضمن أعداد اللبنانيين.
خاتمة
تبيّن السلاسل الوطنية اتساع الوجود المرتبط بلبنان وتعدّد تعريفاته، فيما يرسم توزيع العمل التقديري مركزَي ثقل في شمال الراين وستفاليا وبرلين وامتدادًا إلى ولايات ومدن أخرى. وتساعد بيانات برلين وإيسن الرسمية على ضبط حدود المقارنة، من دون أن تثبت تقديرات المدن.
هذا الانتشار يمهد لفهم تعاقب الأجيال وتجارب التعليم والعمل والاندماج، وهي موضوع المقالة الثانية من هذه الدراسة.
المصادر الأساسية وملاحظات التعريف
– راجع السجل المركزي للأجانب AZR، السكان الأجانب بحسب الجنسية والسنوات (Destatis.).
[1] Norddeutscher Bund. “Ernennung zu Deutschen Bundeskonsuln,” 20 March 1868, Bundesgesetzblatt des Norddeutschen Bundes, 1868, no. 6, p. 24.
[3] Destatis.. https://www.destatis.de/DE/Themen/Gesellschaft-Umwelt/Bevoelkerung/Migration-Integration/Tabellen/einwanderungsgeschichte-staatsangehoerigkeit-staaten.html
[4] Destatis.. https://www.destatis.de/DE/Themen/Gesellschaft-Umwelt/Bevoelkerung/Migration-Integration/Tabellen/migrationshintergrund-staatsangehoerigkeit-staaten.html
[5] Amt für Statistik Berlin-Brandenburg، Einwohnerregisterstatistik Berlin، 30.6.2025.. https://download.statistik-berlin-brandenburg. _BE.pdf ؛ https://download.statistik-berlin-brandenburg.de/ec90088784595c22/bee037711ba4/SB_A01-05-00_2025h01_BE.pdf
[6] Stadt Essen، Menschen in Essen 9/2024 : https://media.essen.de/media/wwwessende/aemter/12/ _2024_09.pdf..
7- ريان ماجد : “الجالية اللبنانية في ألمانيا: من الحرب الأهلية إلى انفجار المرفأ“، مبادرة الإصلاح العربي، 3 آب/أغسطس 2023؛ مقابلات نوعية تركزت في برلين حول الجالية–اللبنانية–في–ألمانيا– .
[1] المصدر والمنهج: جدول عمل تقديري؛ حُسبت حصص الولايات من مجموعه البالغ 173 ألفًا. ولا تمثل أعداد الولايات نتائج رسمية منشورة من بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني.


