استراتيجيات وتقارير

🛑 وثيقة سرية تحمل اقتراح مجلس الأمن القومي إلى ترامب: لائحة الإجراءات ضد الجهازيْن العسكري والأمني في حزب الله

 

قد يكون مُمكِناً الحديث عن قدر من «السذاجة» لدى المشرفين على إعداد هذه الوثيقة، لا لأن بعض أفكارها قد تبدو غير قابلة للتطبيق، بل لأن التجربة الأميركية تؤكّد أن واشنطن لم تعمل يوماً على بناء دول قوية ومستقلّة. بل إن سجلّها في المنطقة يُظهِر تدخلاً أفضى في حالات كثيرة إلى تدمير الدول ومؤسساتها، وهو ما تفعله اليوم في إيران ودول الخليج وسائر المنطقة.

وجود تصوّرات في دوائر القرار الأميركي حول كيفية إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل ليس جديداً، لكن هذه التصوّرات لم تحد يوماً عن المصلحة الإسرائيلية المباشرة. وإذا ظهر تباين بينها، فإنه غالباً ما جاء نتيجة فشل الحروب في تحقيق أهدافها، وهي حقيقة لم يفهمها أهل السلطة في لبنان منذ زمن بعيد.

لكنّ اللافت هذه المرة أن ثمّة، على طاولة القرار الأميركي، من يدعو إلى اختبار مُقاربة مختلفة: ليس التخلّي عن الهدف المُعلن، أي إضعاف حزب الله، بل البحث عن طريق آخر غير الحرب للوصول إليه. وقد يكون أصحاب هذا الاتجاه قد اقتنعوا بلا جدوى الحروب، إلا أن الأهم أنهم يُظهِرون ميلاً إلى البحث عن مخارج تضمن للولايات المتحدة نفوذاً مُستداماً في المنطقة، لأن الحروب تؤدّي إلى تقليص حضورها تدريجياً.

والوثيقة، كما يقول مُعِدّوها، لا تفترض أن الولايات المتحدة ستدفع من جيب المواطن الأميركي كلفة إعادة بناء لبنان، ولن تتجاوز مساهمتها برامج المساعدات المُقرّرة أصلاً، على أن يأتي الجزء الأكبر من التمويل من الدول العربية وبعض العواصم الدولية. في المقابل، تحتفظ واشنطن بدور أساسي في الإشراف على آليات الإنفاق، بما يفتح الباب أمام احتمال أن يُطرح لاحقاً إسناد الجانب التنفيذي من بعض مراحل إعادة الإعمار إلى شركات أميركية. كما أن البرنامج المُقترح يجعل لبنان كله خاضعاً لمنظومة رقابة مستمرة من المؤسسات الأميركية الأمنية والعسكرية والمالية.

كيف يفشل البرنامج؟
يفشل البرنامج أولاً عندما يتحوّل الالتزام به إلى موقف لفظي (تأمين 40 مليار دولار)، أو عندما يكون التمويل مشروطاً بطلبات يستحيل تطبيقها. ويظهر الخطر أيضاً عندما تمر الأموال عبر قنوات الفساد الطائفي القديمة، بما يُثبِت صحة سردية المشروع المسلّح عن عجز الدولة.

ويزداد خطر الفشل إذا رفضت إسرائيل الانسحاب، لأن استمرار الاحتلال يعزّز سردية الحاجة إلى الحماية التي يستند إليها حزب الله. لكنّ الخطر الأكبر يكمن في أن تتعامل واشنطن مع التسوية باعتبارها مناسبة لالتقاط الصور، لا مشروعاً يحتاج إلى تنفيذ طويل النفس. عندها، قد ينتهي البرنامج إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه اتفاق 17 أيار.

ويجب أن يكون واضحاً أنه في حال لم يلمس الجنوبيون مشاريع فعلية على الأرض خلال 90 إلى 180 يوماً، ستجد السردية المُضادّة طريقها سريعاً إلى الجمهور. وإذا استحوذ حزب الله على عملية إعادة الإعمار، فستعود الخدمات إلى الارتباط به، لا بالدولة. والأخطر أن تتحوّل عملية إعادة بناء الدولة إلى خطاب إذلال للجمهور الشيعي، بدلاً من أن تكون مساراً للاحتواء. فالتهديد والإذلال يعزّزان الولاء للجماعة.

كذلك يبرز خطر آخر من الداخل، يتمثّل في تمكّن الطبقة السياسية اللبنانية من السيطرة على هيئة «LSRA». لذلك، يجب أن يكون البرنامج وسيلة لاستعادة سيادة الدولة، لا مجرّد محاولة للتطبيع مع الوضع القائم معه. فأي انحراف في هذا الاتجاه سيقوّض الدعم السياسي له سريعاً. وفي المقابل، ينبغي إزالة الظروف الأمنية التي قد تمنع المستفيدين من الوصول إلى المساعدات أو قبولها علناً. فقد يكون الجمهور راغباً في خدمات الدولة، لكنه يخشى التعبير عن ذلك علناً خوفاً من حزب الله.

ومن جهة أخرى، يجب مسار الإصلاح الداخلي حقيقياً، وأن يستعيد المودعون أموالهم، وإلا لن تقوم ثقة بين المواطن والدولة. أمّا إذا بقي مسار استعادة الودائع وهمياً، فلن يكون من السهل استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة.

والخلاصة أنه لا يمكن إضعاف المنظومة البيئية لحزب الله عبر مُطالبة الناس بالتخلّي عن الحماية والانتقال إلى الفراغ. ولا يمكن إضعاف الحزب إلا إذا أصبحت الدولة اللبنانية، المدعومة بضمانات دولية موثوقة وتنفيذ شفاف، المصدر الأفضل للأمن، والكرامة، وإعادة الإعمار، والانتماء الوطني. كما يجب فهم أنه لا يمكن الطلب من حزب الله أن ينزع سلاحه لينخرط في دولة فاشلة. ولكن لا يمكن للدولة أن تنتظر لتكون مثالية قبل أن يبدأ نزع السلاح. ينبغي أن يسير الأمران بالتوازي، لأن بناء دولة ذات مصداقية يجعل نزع السلاح قابلاً للتحقيق، ويجب أن يكون الشعب اللبناني قادراً على رؤية ما يحصل وتتبّعه.

ومنذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، مرّ الصراع بين لبنان وإسرائيل بخمس مراحل نزاع رئيسية. وفي كل دورة، دُمّرت أرواح وبنى تحتية وقدرات اقتصادية، من دون أن تنتج أيّ منها حلاً دائماً.

تاريخياً، يُعدّ جنوب لبنان من أكثر المناطق التي عانت الإهمال. فبينما تطوّرت بيروت بوصفها عاصمة مالية، بقيت قرى الجنوب تعاني نقصاً في البنية التحتية وفرص العمل والمدارس الحديثة والخدمات العامة المُنتظمة. وأسهمت عقود الاحتلال الإسرائيلي، بين عامَي 1982 و2000، والحروب المتكررة، في عزل الجنوب عن الدورة الاقتصادية الوطنية. كما خلّفت الذخائر آثاراً على الأراضي الزراعية في ما لا يقل عن 17 بلدة. ولم يكن الفقر وضعف البنية التحتية وليدَي مرحلة صعود حزب الله، بل سبقا ظهوره، وهو ما يفسّر سبب تجذّر المنظومة البيئية للحزب.

في المقابل، تُعدّ منطقة الجليل في شمال إسرائيل أكثر المناطق تنوّعاً عرقياً (44% يهود، 46% عرب، 8% دروز وفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD). وتشير بيانات المنظّمة إلى أن إسرائيل تسجّل واحداً من أكبر الفوارق في معدّلات الفقر بين الدول المتقدّمة (نطاق فقر يراوح بين 13 – 43%، بفجوة تصل إلى 30 نقطة)، فيما أظهرت دراسة لمركز «أدفا» عام 2025 أن نسبة العاملين ذوي الأجور المنخفضة في الشمال والجنوب بلغت 28.5%، مقابل 17.5% في الوسط. كذلك يصنّف معهد «رعوت» الجليل ضمن «المحيط الجغرافي» الذي يحتاج إلى «طفرة اقتصادية واجتماعية». وأدّت حرب 2023 – 2026 إلى إجلاء أكثر من 60 ألف مقيم من الشمال، فيما انعكست تداعيات الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يبلغ حجمه نحو 565 مليار دولار، مع تراجع النمو المتوقّع من 4-5% إلى نحو 1%.

ومن هنا، فإن إطاراً للسلام يقوم على أساس دستوري وتنموي يمكن أن يفتح المجال أمام تنمية متزامنة في المنطقتين، بعد عقود من الصراع. والمفارقة التاريخية أن هاتين المنطقتين كانتا مترابطتين اقتصادياً قبل النزاع، حيث كانت التجارة عبر الحدود والروابط الاجتماعية أمراً طبيعياً. وبالتالي فإن تحقيق السلام لا يخلق رابطاً اصطناعياً، بل يستعيد رابطاً طبيعياً. كل ما سبق يعيدنا إلى الأساس، حيث إن السؤال لا يبقى ما إذا كانت الـ 40 مليار دولار كبيرة، بل السؤال هو ما إذا كانت الحرب الدائمة أقل كلفة.

كيف نخاطب الجمهور الأميركي؟
إن حرباً مفتوحة المدة بين الولايات المتحدة وإيران ستكون من أعلى الخيارات كلفة وأكثرها غموضاً. وتُراوِح التقديرات بين مئات المليارات والتريليونات من الدولارات في التكاليف المباشرة وغير المباشرة، من دون ضمان لتحقيق تغيير سياسي في إيران، أو وجود استراتيجية خروج واضحة، فضلاً عن المخاطر الكبيرة التي قد تترتّب على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يمثّل المسار اللبناني سوى جزء محدود من هذه الكلفة. فبرنامج بقيمة 40 مليار دولار، مدعوماً بنفوذ دبلوماسي أميركي، يمكن أن يعيد بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، ويضع إطاراً أمنياً لبنانياً – إسرائيلياً، ويُضعِف المنظومة البيئية لوكيل إيران، ويشكّل نموذجاً يُثبِت أن الحنكة السياسية الأميركية قادرة على الوصول إلى نتائج سيادية من دون تصعيد عسكري. وفي هذا فوز يمكن للرئيس تقديمه كإنجاز. فرغم كل نقاط ضعفه، لبنان ليس دولة ثيوقراطية يحكمها ملالي أيديولوجيون ملتزمون بمحو إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. ومسار لبنان إنجاز دبلوماسي يمكن الإعلان عنه، وهيكلته، وتبنّيه كإنجاز خلال ولاية واحدة. إنه إعادة بناء دولة، وليس تدمير دولة.

كما أن نجاح «برنامج إعادة بناء الدولة» سيخلق نموذجاً قابلاً للأخذ به في ساحات أخرى، حيث يمكن إضعاف مشروع إحلال الميليشيا مكان الدولة. ومع أن التأثير لن يكون تلقائياً، لكنه سيحمل قيمة نفسية واستراتيجية كبيرة. وإذا تصدّعت المنظومة البيئية لحزب الله، واستوعبت الدولة الوظائف التي احتكرها الحزب، عندها تفقد إيران أنجح استثمار لوكيل لها. ويسقط النموذج الذي أمضت طهران 40 عاماً في بنائه بشكل كامل. وبعده، يمكن التوجه إلى العراق، حيث تعتمد بنية ميليشيات إيران هناك المنطق نفسه: دولة غائبة، فتقدّم الميليشيا الخدمات، بينما يؤدي النجاح اللبناني إلى منح الإصلاحيين العراقيين سابقة، ونموذجاً، ودفعة معنوية.
كذلك، فإن تآكل كلا الاستثمارين، في لبنان والعراق، سيُضعِف سردية «محور المقاومة» داخلياً. هذا لا يضمن تغيير النظام في إيران، لكنه يضاعف الضغوط الداخلية التي تجعل تغيير النظام أكثر احتمالاً.

أمّا بشأن الحوثيين في اليمن، فهم يختلفون بنيوياً، وهم معزولون جغرافياً ومُنظّمون قبلياً. ومن غير المُرجّح أن يكون تأثير «لبنان أولاً» فورياً على الحوثيين. ولكن إذا ضعفت بنية إيران الأوسع، وتقلّصت قدرتها على تمويل وكلائها، فسيفقد الحوثيون عمقهم الاستراتيجي مع مرور الوقت. هذا تأثير لاحق، وليس حجارة دومينو فورية. وبالتالي فإن برنامج إعادة بناء الدولة ليس مجرّد سياسة تجاه لبنان، بل سياسة تجاه إيران. فهو يهاجم البنية الإقليمية لإيران عند أقوى عقدها، ويحصل ذلك عن طريق دولة فاعلة وليس عن طريق القنابل.

لم يسقط الاتحاد السوفياتي لأن الولايات المتحدة غزت موسكو، بل لأن الدول التابعة له (بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بلغاريا)، تساقطت واحدة تلو الأخرى بين عامي 1989 و1991. وكل انشقاق حصل أضعف مصداقية المركز، وشجّع الدولة التالية، وأثبت إمكانية الخروج من النموذج الإمبراطوري. وبحلول الوقت الذي سقط فيه جدار برلين، لم يعد السؤال ما إذا كان النظام السوفياتي سينجو، بل ما هي السرعة التي سينهار بها. لقد تماسك المركز حتى جعل المحيط هذا التماسك مستحيلاً.

واضح أن البنية الإقليمية لإيران تعمل بالمنطق البنيوي نفسه. فقد أمضت طهران أربعة عقود في بناء شبكة من استثمارات الوكلاء (لبنان – حزب الله)، (العراق – الحشد الشعبي)، اليمن (الحوثيون)، سوريا (حتى عام 2024)، وهي شبكة عملت كعمق استراتيجي، وأصول للردع، ودعائم لشرعية النظام. وكل وكيل يبرّر وجود الآخر، ما جعل سردية «محور المقاومة» تحتاج إلى ظهور قوس متماسك ومتوسّع من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط. وإذا سقطت عقدة واحدة بشكل مُقنِع، تتصدّع السردية.

لقد خرجت سوريا بالفعل من مدار النفوذ الإيراني. وإذا لحق بها لبنان، وتصدّعت المنظومة التي بنتها طهران حول «حزب الله» على مدى عقود، فقد تجد إيران نفسها أمام خسارة جزء أساسي من استثمارها الإقليمي. وفي الداخل الإيراني، يمكن أن تصبح هذه الخسائر أكثر حضوراً في النقاش العام إذا قورنت الكلفة التي أُنفقت على الوكلاء الإقليميين بالنتائج التي حقّقوها. عندها، قد تضعف سردية أن النفوذ الخارجي يوفّر لإيران عمقاً استراتيجياً، وأن «المقاومة تحمي إيران» عندما تنهار بنية المقاومة نفسها.

وتماماً كما لم يتمكن الاتحاد السوفياتي من البقاء بعد خسارة دول المنظومة الاشتراكية التابعة له في أوروبا، فلا يمكن لإيران أن تنجو من الخسارة المتتالية لسوريا، ولبنان، والعراق في نهاية المطاف. وعندها فإن إسقاط النظام لا يحتاج إلى غزو عسكري؛ بل يحتاج إلى جعله عديم الأهمية بالنسبة إلى محيطه الخاص.

توصيات ضد الجهاز العسكري والأمني
يقترح النص مساراً للقيود القانونية والمالية، يستهدف الجهاز العسكري والأمني لحزب الله، على أن يسير بالتوازي مع عملية إعادة الإعمار. ويُفترض إبقاء هذا المسار بعيداً عن التداول العلني مع الدبلوماسيين والحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية، خشية أن يؤدي تسريب لغته العملياتية إلى تقويض المصداقية السياسية للإطار العام للبرنامج.

وإلى جانب إطار السلام وميثاق إعادة الإعمار، يجب أن يكون هناك مسار موازٍ، يعمل تدريجياً على تضييق مساحة المناورة عند الجهاز العسكري والأمني لحزب الله، والقيام بذلك باستخدام كل أداة قانونية مُتاحة:
أولاً، يجب فرض الملاحقة القضائية الدولية والمحلية لمنع الإفلات من العقوبات، وغسل الأموال، والإتجار بالمسكّرات والمخدّرات، وإحالة الأفراد المُصنّفين إلى المحاكم المختصّة.

ثانياً، يجب فرض عقوبات مُركّزة على مؤسسة «القرض الحسن»، وشبكات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وعائدات الكبتاغون والمخدّرات، وعمليات غسل الأموال التي تتّخذ من دبي مقراً لها.
ثالثاً، يجب حظر السفر، وتجميد الأصول، وإصدار النشرات الحُمْر للإنتربول بحق الأفراد المُصنّفين، والمتورّطين في شراء الأسلحة، أو التسهيلات المالية، أو العمليات العسكرية.
رابعاً، يجب تنفيذ الأوامر المصرفية اللبنانية ضد العمليات المالية غير المُرخّصة، وتعزيز قدرات مصرف لبنان ووحدة الاستخبارات المالية.

خامساً، يجب توفير دعم استخباراتي بهدف اعتراض تدفّق الأسلحة، وتعطيل الشبكات المالية، بالتنسيق مع الأجهزة الأميركية والحليفة.
عملياً، فإن هذا المسار، يعمل بالتوازي مع برنامج إعادة الإعمار، وليس بديلاً عنه، وبالتالي، فإن برنامج إعادة الإعمار سيوفّر الحافز الإيجابي؛ بينما يُضعِف مسار الضغوط قدرة حزب الله على المقاومة، أو تخريب العملية. كلا المسارين ضروريّ، ولا يكفي أيّ منهما بمفرده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى