الاغتراب اللبناني في ألمانيا (2/2) تعاقب الأجيال ورأس المال البشري والاندماج

د. علي فاعور، عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
د. تانيا علي فاعور، أستاذة في قسم الجغرافيا – الجامعة اللبنانية وباحثة في مركز السكان والتنمية.
مقدمة
تتناول هذه المقالة الثانية ملامح المجتمع المرتبط بالهجرة من لبنان بعد الاستقرار في ألمانيا: تعاقب الأجيال، والروابط الثقافية، والتعليم والعمل والاندماج، ثم توزيعات اللبنانيين داخل الولايات وبعض المدن الكبرى.
المحور الرابع: تعاقب الأجيال والهوية الثقافية
1- من المهاجرين الأوائل إلى الأجيال المولودة في ألمانيا
وفق بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني Destatis لعام 2025، يمكن تقدير حجم الفئة السكانية التي لديها تاريخ هجرة مرتبط بلبنان 171 ألف شخص، منهم 92 ألفًا هاجروا بأنفسهم و79 ألفًا من نسل المهاجرين (1) ، أي نحو 46%. ويشترط تعريف نسل المهاجرين أن يكون الشخص مولودًا في ألمانيا، وأن يكون كِلا والدَيْه قد هاجر إليها منذ عام 1950؛ لذا لا يشمل كلّ من له والد واحد مرتبط بلبنان.
أما بحسب أرقام صدرت عام 2021 عن مكتب الإحصاءات الفيديرالي الألماني، فيتواجد في ألمانيا 155 ألفاً من اللبنانيين والمسجّلين في الدوائر الرسمية الألمانية: 87 ألفاً هم من الجيل الأول، و68 ألفاً من الجيل الثاني، أي الذين ولدوا في ألمانيا لأهل من أصول لبنانية. هذه الأرقام لا تتضمّن اللبنانيين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية، ولا الفلسطينيين الذين قَدموا إلى ألمانيا من المخيّمات الفلسطينية في لبنان (2).
وهذا التحوّل هو المدخل السكاني لقراءة المراحل التاريخية، فالجيل الأول يحمل تجربة الانتقال والاستقرار، بينما ينشأ جزء كبير من الجيل اللاحق في المدارس والمجتمع الألماني، مع استمرار صلات متفاوتة بلبنان داخل الأسرة. ولا تكفي أعداد الأجيال وحدها للحكم على قوة تلك الصلات أو على درجة اندماج كل فرد.
2- اللغة والذاكرة والروابط مع لبنان
تصف دراسة ريان ماجد الميدانية لعام 2023، القائمة أساسًا على مقابلات في برلين أو عبر الإنترنت، أثر المدرسة وتعلم الألمانية لدى بعض أبناء المهاجرين، إلى جانب حضور العربية وذكريات لبنان وشبكات القرابة في أسر شملتها، كما تتناول أنشطة جمعيات في نقل اللغة والروابط الاجتماعية إلى الأبناء، وهذه شواهد نوعية محلية، لا صورة موحدة لجميع الأجيال والمدن.
ويتباين معنى الارتباط بلبنان من شخص إلى آخر: فقد يكون لغةً مستخدمة في المنزل، أو صلات قرابة وزيارات، أو اهتمامًا بما يجري في البلد. وفي المقابل، تتشكل حياة الأجيال المولودة في ألمانيا أيضًا من تعليمها وعملها وعلاقاتها اليومية هناك. ويقتضي تحليل هذا التداخل دراسة الجيل ومكان النشأة وتجربة الأسرة، بدل افتراض هوية واحدة للجالية كلها.
3- تتابع الأجيال وتجدّد الموجات داخل الجالية
تتجاور في المدن نفسها أسر استقرت منذ عقود ووافدون أحدث قدموا بخبرات تعليمية واجتماعية مختلفة. وقد تتقاطع علاقاتهم العائلية والثقافية أو تتباعد؛ وتساعد مقابلات برلين على وصف بعض هذه الحالات من دون افتراض قطيعة عامة أو انسجام كامل بين الموجات (3).
ويلاحظ داخل الأسر التي استقرت منذ عقود، أن “تتابع الأجيال” يتخذ مساراً مميزاً: الأبناء والأحفاد ولدوا في ألمانيا، وتحدثوا الألمانية كلغة أولى، وانخرطوا في نظام التعليم بكفاءة.. وهؤلاء يمثلون اليوم الجسر الثقافي؛ فهم يفهمون عقلية الوافد اللبناني الجديد لأنهم يعرفون جذور عائلاتهم، وفي الوقت نفسه يملكون أدوات الاندماج الكاملة التي تساعد المهاجرين الجدد على فهم البيروقراطية الألمانية.
لقد حصلت موجات الهجرة واللجوء، الثانية والثالثة من لبنان، خصوصاً من الجنوب والبقاع والمخيمات الفلسطينية، بعد الاجتياح الإسرائيلي ابتداءً من عام 1982 وبعد حرب المخيمات، في العامين 1986 و1987، ولغاية 1990 (4).
وهكذا يمكن التمييز بين “موجة الحرب” وبعدها “موجة الانهيار“
- الموجة القديمة (من السبعينيات إلى التسعينيات): هؤلاء فرّوا من أتون الحرب الأهلية اللبنانية، ووصل معظمهم كلاجئين (بدون وثائق رسمية أحياناً أو عبر ما كان يُعرف بـ “المكتومين”). حيث واجهوا قوانين إقامة معقدة (مثل الإقامة المؤقتة)، واضطروا للبدء من الصفر في قطاعات الأعمال الحرة، التجارة، والمطاعم، لعدم اعتراف ألمانيا بشهاداتهم أو لضعف خلفيتهم الأكاديمية حينها.
- الموجة الحديثة، بدأت مع تفاقم الأزمة الاقتصادية ما بعد عام 2019، وهؤلاء هم “مهاجرو الانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ”، حيث أن الغالبية العظمى من هذه الموجة قدمت عبر تأشيرات عمل نظامية، عقود للأطباء والمهندسين، أو منح دراسية. وهم أيضاً يملكون خلفيات تعليمية واجتماعية مختلفة تماماً؛ ولكونهم يتقنون اللغات (الإنكليزية والألمانية)، ويمثلون “الهجرة النخبوية” أو “هجرة الأدمغة”.
ويتجاوز تعاقب الأجيال تغيّر مكان الولادة إلى اختلاف اللغة والتعليم وطرق الارتباط بلبنان، وهو ما يفسر تنوع الهوية الثقافية داخل الجالية.

- جغرافية الأصل اللبناني أوسع بكثير من جغرافية الجنسية.
يلاحظ من البيانات المتوفرة أهمية الانتشار اللبناني في الولايات الكبرى:
- في برلين، على سبيل المثال، ان سجل السكان يسمح بالحصول على معطيات أوسَع، بما في ذلك الألمان ذوو الخلفية الهجرية والأجانب، وعلى مستوى الأحياء أيضًا.
- في هامبورغ: تُظهر البيانات أن الاقتصار على الجنسية اللبنانية يُخفي جانبًا كبيرًا من الحضور المرتبط بلبنان؛ فقد قُدّر عدد السكان ذوي الخلفية الهجرية المرتبطة بلبنان بنحو 2,573 شخصًا في نهاية عام 2019، وكان 78.1% منهم يحملون الجنسية الألمانية، وفق تقديرات Statistik Nord المستندة إلى سجل السكان (5)..
- وفي سكسونيا السفلى تكشف بيانات التعداد عن الظاهرة نفسها بصورة أقوى تاريخيًا: كان هناك 540 ألمانيًا ذوي خلفية هجرية لبنانية في تعداد 2011، ما جعل لبنان خامس أكبر بلد منشأ بين الألمان ذوي الخلفية الهجرية في الولاية.
أما على مستوى المدن التي أمكن الحصول على بيانات منها، فنجد التوزيعات الآتية:
- إيسن: يوجد في سجل المدينة في نهاية 2024 نحو 191 شخصًا مرتبطين بلبنان ضمن جدول السكان بحسب بلد/مرجع الأصل،. أما بالنسبة لحاملي الجنسية وحدها، فقد بلغ عددهم نحو 1.744 حاملًا للجنسية اللبنانية في منتصف 2024.
- وفي دورتموند لدينا 905 حاملي الجنسية اللبنانية في 2025، ارتفاعًا من 500 فقط عام 2000.
هكذا يتبيّن أن الانتشار اللبناني في ألمانيا هو أكثر اتساعًا مما تظهره خريطة حاملي الجنسية؛ فالتجنس وتعاقب الأجيال جعلا جزءًا كبيرًا من المجتمع اللبناني–الألماني يختفي من إحصاءات الجنسية، مع استمرار تركّزه في برلين وحوض الرور وشمال غرب ألمانيا.
المحور الخامس : رأس المال البشري والعمل والاندماج
1- التعليم الجامعي وتوزيع التخصصات
تعرض بيانات الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) لعام 2023 وجود 1.926 طالبًا من لبنان في الجامعات الألمانية، منهم 1.105 في الهندسة (نحو 57%)، و369 في الحقوق والاقتصاد والعلوم الاجتماعية، و218 في الرياضيات والعلوم الطبيعية، و77 في الطب البشري.
ويصف المؤشر الطلاب بحسب بلد المنشأ الوارد في المصدر، ولا يحدد عدد الخريجين الذين دخلوا سوق العمل أو استقروا في ألمانيا (6).
2- الأطباء والكفاءات المهنية وحدود القياس
وتبرز الكفاءات الطبية بوصفها أحد المؤشرات المباشرة على الحضور المهني اللبناني في ألمانيا؛ فقد سجلت الغرفة الاتحادية للأطباء في نهاية عام 2025 نحو 445 طبيبًا وطبيبة يحملون الجنسية اللبنانية، منهم 406 مزاولين للمهنة و346 يعملون في المستشفيات، أي نحو 85% من المزاولين. ويظل هذا الرقم أدنى من الحجم الفعلي للأطباء ذوي الأصل اللبناني، لأن الإحصاء مصنّف بحسب الجنسية ولا يشمل تلقائيًا من اكتسبوا الجنسية الألمانية (7).
3- تجارب العمل ومسارات الاستقرار
تصف المقابلات الميدانية في برلين تجارب عمل متباينة بين من وصلوا في ظروف الحرب ومن قدموا لاحقًا للدراسة أو بحثًا عن عمل مؤهل. وقد واجه بعض الوافدين الأوائل سنوات من عدم استقرار الإقامة وصعوبات اللغة، بينما دخل وافدون أحدث إلى مسارات جامعية ومهنية مختلفة. ولا تسمح هذه المقابلات، التي تركزت في برلين، بحساب معدل تشغيل اللبنانيين في ألمانيا أو ترتيب المهن الأكثر شيوعًا بينهم؛ لكنها توضح لماذا تختلف فرص العمل بين الأشخاص والأجيال بحسب وقت الوصول، ووضع الإقامة، والتعليم، والاعتراف بالمؤهلات.
لقد أحدث قانون عام 2000 ثورة قانونية في مفهوم المواطنة الألمانية عبر الانتقال الجزئي من “مبدأ الدم” إلى “مبدأ الأرض”، كما أن قوانين الجنسية في ألمانيا قد شهدت تحديثات وتغييرات كبرى حيث تم بموجب قانون 2024، تقليص المدة المطلوبة لإقامة أحد الأبوين في ألمانيا ليحصل طفلهما المولود هناك على جنسية من ثمانية الى خمس سنوات، وأصبح بإمكان المهاجرين (بمن فيهم اللبنانيون) الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية دون الحاجة للتنازل عنها عند الحصول على جواز السفر الألماني.
4- شبكات المساندة والاندماج الاجتماعي
تُظهر الدراسات النوعية القائمة على المقابلات (Interviews)في برلين (8)، أن الأسرة والمعارف ساعدت بعض الوافدين في العثور على السكن وفهم إجراءات الاستقرار وبناء صلات مهنية أولية. وتفاوتت فرص الاستفادة من هذه الشبكات تبعًا لظروف الأشخاص؛ فلا يمكن قياس مستوى اندماج اللبنانيين في ألمانيا أو تعميم تجربة مدينة واحدة انطلاقًا من تلك الشهادات.
كما سكن معظم المهاجرين من لبنان في أحياء يسكنها أتراك أتوا قبلهم، وهي أحياء عمّالية، تقع عند الحدود الفاصلة بين غرب برلين وشرقها، وذات بنى تحتية ضعيفة.. وقد عَمل من استطاع منهم بشكلٍ خاص في تجارة السيارات والحدادة والنجارة وفي المطاعم.
أما تعديلات شروط الاندماج والمدد القصيرة: رغم أن قانون 2024 أتاح فرصة التجنيس السريع بعد 3 سنوات لمن يملك لغة ممتازة، وإنجازات اندماج استثنائية، إلا أن التحديثات اللاحقة قد ألغت هذه التدابير، لتركز السياسة الألمانية بشكل أكبر على استقرار الإقامة لـ 5 سنوات كمقياس للاندماج.
ورغم التباين الثقافي والطبقي أحياناً، تظل اللغة، والمطبخ، والمناسبات الوطنية، والمشاعر العاطفية المشتركة تجاه لبنان (لا سيما في أوقات الأزمات والحروب) بمثابة الرابط المشترك والجامع الثقافي الذي يلم شتات هذه المجموعات في فضاء واحد.
خاتمة
يكشف تعاقب الأجيال تنوعًا في اللغة والذاكرة والروابط بلبنان، فيما تُظهر بيانات الطلاب والأطباء حضورًا قابلًا للقياس في مجالات محددة. وتساعد شهادات برلين على فهم تباين مسارات الوصول والعمل والمساندة الاجتماعية، ضمن حدود مجالها المحلي. وهكذا تُقرأ تجربة اللبنانيين في ألمانيا بوصفها مسارات متعددة لا تختزلها جنسية قانونية واحدة أو مهنة بعينها.
الهوامش والملاحظات
(1) المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني (ديستاتيس Statistisches Bundesamt (Destatis). السكان في الأسَر الخاصة حسب تاريخ الهجرة وبلد المنشأ، 2025. ألمانيا، النتائج الأولية، تحديث 13 نيسان/أبريل 2026.
(2) ريان ماجد: الجالية اللبنانية في ألمانيا: من الحرب الأهلية الى انفجار المرفأ، في مبادرة الاصلاح العربي، تاريخ 3 آب/أغسطس 2023, مقابلات نوعية تركزت في برلين وشملت الجالية-اللبنانية-في-ألمانيا-من-الحرب.
(3) المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني (ديستاتيس (Destatis. مصدر سابق.
[1](4) – ريان ماجد، نفس المصدر السابق.
(5) تظهر بيانات هامبورغ أن الاقتصار على الجنسية اللبنانية يُخفي جانبًا كبيرًا من الحضور المرتبط بلبنان.
(6) الهيئة الألمانية للتبادل الثقافي (وتُعرف Deutscher Akademischer Austauschdienst (DAAD)… بالنسبة لعدد المهندسين. تقرير غلوبوس الخاص بلبنان، الملحق الإحصائي، ص. 15.
(7) البيانات المتعلقة بأعداد الأطباء اللبنانيين ومزاولتهم للمهنة في المستشفيات مستخرجة من إحصاءات الأطباء الرسمية في ألمانيا الصادرة عن الغرفة الاتحادية للأطباء.. إحصاءات الأطباء لعام 2025.. الجدول 10: الأطباء الأجانب بحسب بلد الجنسية، ألمانيا، في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.
(8) في الأبحاث الأكاديمية (مثل الأطروحات أو التقارير الاجتماعية التي تدرس الجالية اللبنانية في ألمانيا)..
المصادر العامة
- المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني (Statistisches Bundesamt – Destatis)، السكان في الأسر الخاصة بحسب تاريخ الهجرة وبلدان الميلاد المختارة، نتائج Mikrozensus 2025، ألمانيا، النتائج الأولية، تحديث 13 نيسان/أبريل

