الدكتور فريد أَبو سليمان الشاهد الأَكبر على نُور الحق الآتي من البعيد! (٢)

ماجد مهدي
كان وجهُه يفيضُ بالنُّور، والبسمةُ لا تُفارقُ شفتَيْه! وكانت الكلماتُ تنسابُ من فمه عابقةً بالحُبِّ الخالص! كلُّ ما كان يتَّصفُ به، وما كان يسعى إلى تحقيقه من أَهداف، وكلُّ ما خلَّفهُ من كتاباتٍ جليلةٍ رفيعة الشأن عن رسالة الروح الخالدة، وما كانت له من وقفاتٍ بطوليَّةٍ في وجه الحُكَّام الظَّلَمة في لبنان، في عهدٍ أَسود أَطلقوا عليه زُورًا وبُهتانًا اسم “العهدَ الإستقلاليَّ الأَوَّل”… كلُّ ذلك ما يزالُ، حتَّى اليوم، يُفصحُ بجلاء عمَّا كان يعتملُ في قلبه من طيبةٍ وصفاءٍ وشُعورٍ إنسانيّ وشجاعةٍ نادرة، وإيمانٍ عظيمٍ راسخٍ باللَّه، وبأَنبيائه ورسالاته، دون استثناء، ونَبْذٍ للطائفيَّة والمذهبيَّة والأَحقاد، وحبٍّ بالتقريب بين البشر على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وإصرارٍ على رَفْع شُعلة الهداية عاليًا أَمام جميع أَبناءِ الحياة، مهما اربدَّت السماءُ بالظُّلُمات وهبَّت الأَنواءُ العاصفة، ومهما اهتاج الطُّغيان وتعاظمَت المظالم!
تلك هي الصورةُ التي ارتسمَت في خيالي عن شخص الدكتور فريد أَبو سليمان، منذ أَن التقيتُه للمرَّة الأُولى، عام ١٩٦٥، إلى أَن انطفأَت شُعلةُ حياته في ٢٠ نيسان (أَبريل) ٢٠٠٣ لتُضيءَ في عالَمٍ آخر! والصورةُ تلك، على مثاليَّتها، ما برحَت تزدادُ إشراقًا مع الزمن، كلَّما تكشَّف لنا المزيدُ من مؤَلَّفاته وأَعماله ونشاطاته الإنسانيَّة ومواقفه البطوليَّة! ويقينًا أَنَّها ستبقى منارة هدايةٍ للأَجيال القادمة، وستخلُدُ خلودَ الدهر!

الدكتور فريد أَبو سليمان
وُلد الدكتور فريد أَبو سليمان في ١٥ أَيلول ١٩٠٨ في بلدة المتَين بلبنان. تلقَّى علومه الابتدائيَّة في مسقط رأسه، ثمَّ انتقل مع أُسرته إلى بيروت حيث واصلَ دراستَه، وانتسب إلى معهد الطبِّ الفرنسيّ.
تخرَّج طبيبًا في تمُّوز ١٩٣٣، وزاولَ الطِّبابة في لبنان قُرابة أَربع سنوات. ثمَّ سافر إلى باريس للتخصُّص بالأَمراض الجلديَّة والتناسُليَّة، فأَقام فيها عامًا. وفي صيف ١٩٣٨، عاد إلى بيروت لاستئناف عمله في الحقل الطبِّيّ.

الدكتور داهش في منزله أواسط الستِّينيَّات من القرن الماضي
تعرَّف في صيف ١٩٤٢، بالدكتور داهش، وعاينَ ظاهراته الخارقة، وآمنَ بمبادئه الروحيَّة. وقد اعتبرَ ذلك “أَهمَّ حَدَثٍ” في حياته. والجديرُ بالذكر أَنَّه قد التقى، خلال زياراته للدكتور داهش، بثُلَّةٍ من فرسان العلم والأَدب والفكر الذين سبقوه بالتعرُّف إليه، وأُعجبوا بالمعجزات والخوارق التي كانت تحدثُ على يديه، وبالغاية المرجوَّة منها، أَلا وهي إثبات حقيقة وجود اللَّه تعالى، ووجود الروح وخلودها، والعدالة الإلهيَّة المُتمثِّلة في مبدإ الثواب والعقاب الإلهيَّين، والتأكيد على صحَّة جميع الأَديان المُنزَلة ووحدتها، في أَصل تعاليمها وجوهرها، وعلى مسؤوليَّة البشر عن أَعمالهم في الحياة، خيرًا كانت أَم شرًّا. أَذكرُ من أُولئك الفرسان الأَديب يوسف الحاجّ، والشاعر العملاق حليم دمُّوس، والطبيب الأَلمعيّ الشهير الدكتور جورج خَبْصا، والأَديب جورج حدَّاد وزوجتُه الأَديبة والفنَّانة المرموقة ماري شيحا حدَّاد، شقيقة ميشال شيحا ولور زوجة رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشاره الخوري. وقد محضَ الدكتور فريد أَبو سليمان حبَّه الكامل ووفاءَه العظيم للدكتور داهش ومبادئه السامية، ولم يتورَّع عن إعلان إيمانه بالدين الإسلاميّ وكافَّة الأَديان الأُخرى المُنزلة، شأنُه في ذلك شأن الدكتور داهش وجميع الداهشيِّين.

لم ينَلْ من إيمانه الاضطهادُ المُجحف الذي أَنزلَه بشاره الخوري، رئيسُ الجمهوريَّة اللبنانيَّة (١٩٤٣-١٩٥٢)، بالدكتور داهش، والذي أَدَّى إلى سَجْنه وتجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة، بالظُّلم والاعتداء، ونَفْيه إلى الحدود السُّوريَّة التُّركيَّة في التاسع من أَيلول (سبتمبر) ١٩٤٤.
حدث ذلك الاضطهاد في زمنٍ كانت الطائفيَّة تنهشُ كيان لبنان، وتبثُّ فيه سُمومها البغيضة، وكان الفسادُ الرهيب يُنشبُ أَنيابه في مؤسَّساته، ورئيسُ الجمهوريَّة، بشاره الخوري، وعائلتُه وأَعوانُه ينهبون مُقدَّرات البلاد وأَموال العباد، ويمارسون الظُّلم والطُّغيان. وقد استحال الدكتور فريد أَبو سليمان، آنذاك، صوتًا صارخًا في وجه الطائفيَّة والظُّلم والفساد، وسيفًا مُسْلَطًا على عُنُق الطاغية بشاره الخوري وأَعوانه من رجال الدين الكاثوليك الذين آزروه في ظلمه للدكتور داهش. وكان هؤلاء الظَّلَمة قد ناصبوا مؤسِّس الداهشيَّة العداء على خلفيَّة الخوارق التي كان يجترحها، والمبادئ الروحيَّة السامية التي كان يُنادي بها، وخوفًا على مؤَسَّساتهم الإكليريكيَّة التي اعتادت أَن تحتكر السيِّد المسيح لمصالحها، وأَن تزرع بذور التفرقة بين الأَديان والمذاهب، دون وازعٍ من ضميرٍ أَو وجدان.
لكنَّ الدكتور أَبو سليمان لم يكن وحده في ميدان المواجهة مع الطاغية، بل كان واحدًا في تلك الثُّلَّة من الفرسان الداهشيِّين الذين سبق ذِكرُهم. وكان على رأسهم جميعًا البريءُ المُضطَهد نفسُه، الدكتور داهش، الذي كان قد شنَّ على الطاغية ومؤَازريه، بُعيد عودته من منفاهُ القسريّ، حملةً قلميَّةً مُزلزلة فضحَت مساوئهم، وكشفَت جرائمهم وانتهاكاتهم لحقوقه وحقوق أَبناءِ الشعب، وأَسهمَت بقسطٍ كبير في سقوطهم وزوال عهدهم. وقد تمكَّن، بُعيد ذلك، من انتزاع حقوقه المُغتصبة التي سلبها منه الطاغية وأَذنابُه. لكنَّ الدكتور أَبو سليمان تعرَّض، بسبب مواقفه المؤيِّدة للدكتور داهش، للملاحقة والتضييق والسَّجن، شأنُه في ذلك شأن إخوانه الداهشيِّين الآخرين.
والجدير بالذكر أَنَّه، قُبيل فترة الاضطهاد، وما بعد خروج الدكتور داهش من مُحتجَبه القسريّ، وفي أَجواءِ انفتاحه ثانيةً على الناس والصِّحافة – وقد بلَغ ذُروتَه في الستِّينيَّات من القرن المنصرم – أَصبح الدكتور فريد أَبو سليمان صِلة الوصل بينه وبينهم، فباتتْ عيادتُه القائمة في قلب بيروت مقصدًا، لا للمرضى فحسب، بل للتوَّاقين إلى التعرُّف بمؤَسِّس الداهشيَّة ومشاهدة خوارقه أَيضًا؛ وكان فيهم عددٌ من رجال الصحافة اللبنانيَّة والعربيَّة والغربيَّة. فكان يُرافقُهم، غالبًا، في زياراتهم له أَو يلتقيهم عنده؛ الأَمر الذي جعله شاهدًا لأَكثر المعجزات التي أَوردَها في كتُبه… وكان الصحفيُّون يأتون إليه، في عيادته، ويُجرون المقابلات معه حول الدكتور داهش وخوارقه ومبادئه الروحيَّة، ولاستفساره عن الاضطهاد الذي تعرَّض له، والحرب القلميَّة التي أَشعلها بوجه مُضطهديه.


ومن جميل ما قرأتُه له حديثٌ أَدلى به إلى جريدة “الهدف” اللبنانيَّة، لصاحبها الأُستاذ زهير عسيران نقيب الصِّحافة، منذ ٦١ عامًا، وبالتحديد في ١٢/١٠/١٩٦٥، تحت عنوان “هكذا أَصبحتُ داهشيًّا: لقائي الأَوَّل بالدكتور داهش أَذهلني فخفتُ من التناقض مع التعاليم الدينيَّة لكنِّي اكتشفتُ حقيقة التوافق بينهما”. فبعد أَن يتحدَّث عن الخوارق التي شاهدها تجري على يدَي الدكتور داهش، وبعد اعترافه بأَنَّ “هناك قوَّةٌ إلهيَّةُ لا شكَّ فيها”، يتابعُ قائلاً:
“لقد أَذعن ضميري إلى حقيقةٍ لا بدَّ من الإقرار بها، وهي أَنَّ للدكتور داهش قدرةٌ روحيَّة خارقة للطبيعة. ولكنَّني كنتُ أَخشى أَن أَجد تناقضًا بين الداهشيَّة ومبادئي الدينيَّة المسيحيَّة الكاثوليكيَّة التي تلقَّيتُها من دروسي لدى الآباءِ اليسوعيِّين، والتي كنتُ مُتمسِّكًا [بها] كتمسُّكِ الغريق بخشبة النجاة. لكنْ عندما تعمَّقتُ بالمبادئ الداهشيَّة، أَدركتُ أَنَّه لكي يكون المرءُ متَّفقًا معها، فعليه أَن يكون مسيحيًّا حقيقيًّا، قولاً وفعلاً، لا بالإسم فقط. ولكي يكون المرءُ داهشيًّا، عليه أَن يُدخلَ تعاليم السيِّد المسيح حيِّز التنفيذ، وأَن يُطبِّقَ هذه التعاليم القُدسيَّة في كافَّة أَعمال حياته اليوميَّة، كبيرها وصغيرها. هكذا فقط يمكنُ للإنسان أَن يكون داهشيًّا.

كتاب “مذكِّرات يسُوع الناصريّ”
“والأَمرُ [هو نفسه بالنسبة] للمُسلم. فلكي يكونَ المُسلمُ داهشيًّا، عليه أَن يُنفِّذَ تعاليمَ القرآن في حياته العمليَّة. وهكذا الأَمرُ بالنسبة لِمَن بنتمون لأَديانٍ أُخرى.”

كتاب محمَّد سيِّد الخلق
“عندما فهمتُ هذه الحقيقة، ارتاحَت نفسي. وأَكثر من ذلك، فقد ظهر لي فيما بعد أَنَّه منذ اللحظة التي انضمَمتُ فيها إلى الداهشيَّة، أَصبحتُ فعلاً مسيحيًّا حقيقيًّا، إذ ْ تجاوزتُ مرحلة الكَثلكة للاتِّصال بالمفهوم الحقيقيِّ للمسيحيَّة.”


ولم يكنْ شهودُ معجزات الدكتور داهش ينتمون إلى فئةٍ مُعيَّنةٍ من الناس، بل كانوا من مختلف طبقات المجتمع وطوائفه. كان فيهم الأُمراء ورؤساء الوزارة والوزراء ورؤساء المجالس النيابيَّة والنوَّاب والأَطبَّاء والشُّعراء والكُتَّاب والمُحامون ورجالُ الدين والتجَّار والضبَّاط ورجال الأَمن والشُّرطة… كما كان فيهم المُتعلِّمُ والأُمِّيّ، الغنيُّ والفقير، الشيخُ والشابّ، المرأَةُ والطفل. فالدكتور داهش لم يكنْ يستثني أَحدًا من مشاهدة ظاهراته، ولم يكن اجتراحُه لها محصورًا بين جدران منزله. كانت الروح تحتلُّه حيثما كان، فتُخاطبُ مُرافقيه وتُجري أَمامهم شتَّى الخوارق، وتُساعدُهم في أُمورٍ كثيرة؛ فهي قادرةٌ على كلِّ شيء، في كلِّ مكانٍ وزمان.

معجزات الدكتور داهش على صفحات مجلة الأسبوع العربي اللبنانية
وكان الشاعر العملاق حليم دمُّوس قد كُلِّف بتدوين “الوقائع الداهشيَّة” التي تضمُّ، في ما تضمُّه، وقائع المعجزات التي كانت تَحدث على يدَي الدكتور داهش، والشروح الروحيَّة التي كانت تُعطى في أَثناء الجلسات الروحيَّة التي كان يعقدُها. وفي أَوائل عام ١٩٦٠، كُلِّف الدكتور فريد أَبو سليمان بمتابعة ما باشره رفيقُ جهاده، الشاعر حليم دمُّوس، بعد أَن وافَته المنيَّة في ٢٧ أَيلول (سبتمبر) ١٩٥٧، فتولَّى تأريخ تلك الوقائع سحابة عشرين عامًا، بقدر ما تسمحُ له تَبعاتُه الداهشيَّة الأُخرى الكثيرة وممارستُه لمهنة الطبّ. فكان أَن خلَّف لنا أَسفارًا عدَّةٌ كتبها بلُغة الصِّدق والأَمانة، حاملاً إليها بعضًا من تلك المعجزات الخالدة التي فاضَت على يدَي الدكتور داهش، مُزيِّنًا صفحاتها المُشرقة بكلِّ ما لَمْلَمَتْه يمينُه، بصبرٍ وأَناة، من كنوز السماء الفريدة ومصابيحها الأَبديَّة النُّور، مؤمِّلاً أَن يكون فيها عِبرةٌ لِمَن شاءَ أَن يَعتَبر.
في ختام الحديث الصحفيّ الذي أَدلى به الدكتور فريد أَبو سليمان إلى جريدة “الهدف”، والذي سبَق ذِكرُه، يقول:
“إنَّني أَعتبرُ الدكتور داهش أَعظمَ حدثٍ في القرن العشرين. إنَّه يحملُ في ذاته المشعلَ الذي سوف يُنيرُ العالَم بأَسره لأَنَّه لم يأتِ لنَفَرٍ من الناس، بل ليقود البشريَّة جمعاء إلى الروحانيَّة الحقَّة.
” وبهذه المناسبة أَقول: بما أَنَّ عصرنا الحاليَّ هو عصرُ إلحادٍ، غارقٌ في مباذله من قمَّة رأسه حتَّى أَخمص قدمَيه، وبما أَنَّ الإيمان قد فارقَ القلوب وحلَّ مكانه الكُفرُ الشنيع، فمنَ المُستبعد أَن يُصدِّق هذا الجيل ما ذكرتُهُ من مُشاهداتي الروحيَّة المُعجزة. أَمَّا أَنا، فإنَّ جوابي لهم سيكون ما يلي:
“وأَمَّا الذين في قلوبهم مرضٌ عُضال، والذين يُحاجُّونَ الحقَّ المعبود، والذين يُجادلونَ بالباطل، والذين يحملونَ الأَسماعَ والأَبصار وهم صُمٌّ عُميٌ بُكمٌ، فهم لا يَسمعونَ ولا يُبصرون؛ ما كان لهم أَن يقرأُوا، ولا يقرأُون!”
ماجد مهدي
كاتب لبناني مقيم في كندا


