مقالات رأي

هل استيقظ “معسكر الاستقرار”..؟ دلالات اللقاء في الإمارات العربية المتحدة

 

العميد المتقاعد عران ليرمان

يحمل انعقاد اجتماع بين الدول التي كانت تُصنف سابقا ضمن “معسكر الاستقرار” الإقليمي، أي معارضي الشمولية الإسلامية بمختلف تياراتها، بمشاركة الولايات المتحدة، دلالة استراتيجية بالغة الأهمية. فحتى وقت قريب، بدا أن تركيا، المعروفة بدعمها لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وقطر وباكستان إلى جانبها، تنجح في تفكيك هذا المعسكر وجذب السعودية، ومصر إلى حد ما، إلى دائرة نفوذها. بل إن “اتفاق مكة” حظي بمباركة الرئيس دونالد ترامب، الذي يُبدي ترددا في مساعدة السعودية في حملتها ضد الحوثيين.
مع ذلك، غيّرت إنجازات الحوثيين في جولة القتال الحالية، مع التركيز على السيطرة على مضيق باب المندب، مجريات الأمور، أولاً وقبل كل شيء بالنسبة للسعوديين، ولكن أيضاً بالنسبة لمصر ودول أخرى. فقد بات واضحاً للقيادة في الرياض أن مساهمة تركيا وباكستان في دفاع السعودية ضد تهديد كبير، كانت ضئيلة ورمزية إلى حد كبير، وأن الخلاف بينها وبين الإمارات، كلّف ثمنا باهظا تمثل في تشتيت القوات التي تقاتل الحوثيين في اليمن، وأن إسرائيل قادرة على مساعدة السعوديين في جوانب حساسة.
بطبيعة الحال، لا يزال من السابق لأوانه اعتبار حدث واحد نقطة تحول حاسمة. لكن هوية المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم حفتر، نجل حاكم شرق ليبيا، تُشير، إلى حد ما، إلى توقف تصاعد النفوذ التركي في النظام الإقليمي. ففي ظل استخدام إيران لوكلاء متطرفين، واستعداد تركيا لنشر عناصر سورية ذات خلفية جهادية (في الصومال، والآن في اليمن)، تتشارك الجهات الرئيسية المشاركة في الاجتماع (بما فيها المغرب والأردن ومصر، وفي مقدمتها الإمارات بصفتها الدولة المضيفة) عداءً تجاه الإسلام السياسي بمختلف أشكاله. نظرياً على الأقل، قد يُفاقم حادث رحلة “فلاي دبي” هذا العداء، نظراً لتداعياته، مع أن إصرار السعودية على منع الطائرات الإسرائيلية من الهبوط في المملكة، ورفضها المشاركة في الاجتماع، يُشيران إلى وجود عقبات ما زالت تعترض سبيل تحقيق هذا الوعد وتحويله إلى واقع ملموس.
بالنسبة للولايات المتحدة، فحتى لو أبدى ترامب تعاطفاً مع أردوغان، فإن المؤسسة العسكرية الأمريكية – أي مقر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) – ملتزمة التزاماً راسخاً بالشراكة التاريخية مع جهات الاستقرار الإقليمي، بما فيها إسرائيل. لذا، فإن سلوك إسرائيل السياسي المدروس في الوقت الراهن قد يُعيد فتح آفاق سياسية كانت تبدو حتى وقت قريب مسدودة. تداعيات إنجازات الحوثيين على السياسة السعودية:
يكمن مفتاح فهم التغيرات الأخيرة في سلوك القيادة السعودية ورؤيتها للعالم – بعد فترة وجيزة من تفضيلها، على ما يبدو، بناء توجهها الاستراتيجي على الشراكة مع تركيا وباكستان، في إطار “اتفاق مكة” – في الإنجازات الكبيرة التي حققها الحوثيون على الأرض، بعد أن اختارت السعودية استئناف القتال البري: احتلال جزء كبير آخر من الساحل اليمني، والسيطرة الفعلية على مضيق باب المندب. يضاف إلى ذلك، إعلان الحوثيين أنهم لن يسمحوا للسفن السعودية بالمرور عبر البحر الأحمر.
ففي ظل رسالة أمريكية واضحة تُعبّر عن عدم رغبتها في مساعدة السعوديين في محنتهم، بينما تُركّز الإدارة الأمريكية على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة ضد إيران، ازدادت المعضلة التي تواجه محمد بن سلمان حدة. نظرياً، كان من المفترض أن يُقدّم شركاء السعودية الاستراتيجيون في “اتفاق مكة” المُوقّع مؤخراً، وهما تركيا وباكستان، حلاً في ضوء الضعف العسكري الكبير للسعودية، الذي انكشف مراراً، على الرغم من جودة وكمية المعدات العسكرية التي راكمتها على مرّ السنين.
عملياً، وباستثناء المساهمات الرمزية في الغالب، والتي تُعتبر في حالة تركيا إشكالية، وإرسال عناصر سورية ذات خلفية جهادية، لم يسبق لها أن برعت في القتال في الصومال. كما أنه لم يكن بإمكان تركيا وباكستان، تقديم مساعدة فعّالة في الأزمة المتصاعدة. لذا، هناك ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن القيادة السعودية تواجه ثلاثة استنتاجات، تتجلى في عقد الاجتماع في الإمارات:
أثبت “اتفاق مكة” أنه مجرد كلام فارغ، لا يتجاوز مجرد التصريحات، وإرسال قوات رمزية واستعداد تركيا “للمساهمة” بعناصر من الميليشيات الجهادية السورية في القتال الدائر في اليمن، وقد كلّف الخلاف الذي نشأ في السنوات الأخيرة بين السعودية والإمارات، ولا سيما دعم القوى المتنافسة في اليمن، مصحوبا بتوترات شخصية بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، السعودية ثمنا باهظا، ويعود ذلك أساسا إلى تحييد القوى التي كان ينبغي أن تتحد ضد الحوثيين.
على الرغم من الموقف السعودي الثابت بأن التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية، شرط أساسي للتطبيع مع اسرائيل، فإن إسرائيل لديها ما تقدمه ردا على التهديدات التي تواجه المملكة، بما في ذلك نشر منظومات دفاع صاروخي.
بالنسبة لإسرائيل، تُعدّ المشاركة الأردنية مهمة أيضاً: فقد أبرزت الأحداث الأخيرة خطورة التهديد الإيراني، لا سيما مع استهداف القواعد الأمريكية في الأردن، وبالتالي أهمية تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل. ومن الجدير بالذكر مشاركة المغرب، الذي تربطه علاقات أمنية وثيقة مع إسرائيل، في الاجتماع.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإلى جانب تصريحات الرئيس ترامب (المقلقة) التي أعرب فيها عن تعاطفه مع “اتفاق مكة”، فإن النظام العسكري الأمريكي – أي مقر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) – تربطه علاقة وثيقة ومنتظمة بدول معسكر الاستقرار، وبإسرائيل أيضاً.
مكانة إسرائيل:
تشير زيارة رئيس الوزراء إلى الإمارات، في هذا التوقيت وبالتزامن مع الاجتماع، إلى إمكانية عودة شراكة إقليمية أعمق، في ظل خطورة أزمة الحوثيين، فضلاً عن احتمال تجدد التصعيد مع إيران. وعلى المستويين العسكري والأمني والاستخباراتي، ثمة أساس متين لتعاون متنوع.
أمّا فيما يتعلق بالبعد السياسي، فإن حدثا استثنائيا كالاجتماع، لا يُنذر بتغيير جذري، خاصةً أنه لم يُعلن عنه رسميا من الجانب العربي، ولكنه يُشير إلى اتجاه مُحتمل، إذا ما استغلت إسرائيل الفرصة وتصرفت بحذر وتكتم في القضايا الحساسة للنظام العربي. في حين يبقى الاعتبار الأساسي، بكل تداعياته طويلة الأمد، هو الصراع ضد إيران والرغبة في تقويض النظام في طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى