لا مكان للخيال

آفي يسخاروف
في مايو/أيار 2023، عقب الهجوم على مفترق مجدو الذي نفّذه حزب الله، اجتمعت النخبة السياسية والأمنية لمناقشة ملابسات الحادث. وخلال الاجتماع، صرّح رئيس قسم الأبحاث في جهاز المخابرات العسكرية آنذاك، العميد عميت ساعر، بأن “المفهوم حدّ من الخيال”، في إشارة إلى فشل إسرائيل في إحباط الهجوم رغم المعلومات الاستخباراتية المُبكرة التي كانت بحوزتها حول نوايا حزب الله.
لم يُدرك ساعر، الذي يُعدّ من أبرز خبراء الاستخبارات في القضية الفلسطينية، والذي أمضى معظم حياته المهنية ضابط مخابرات يُعنى بشؤون غزة والضفة الغربية، مدى أهمية تصريحه بالنسبة للساحة التي أتى منها، ومدى عجزه هو نفسه، شأنه شأن العديد من زملائه في الاستخبارات والسياسة، عن فهم حجم التهديد الهائل الذي كان يلوح في الأفق لإسرائيل، وتحديدا في قطاع غزة، في مواجهة ما كان يُعتبر أضعف خصومها – حماس. كان هناك شركاء عديدون للمفهوم الذي اعتبر حماس مردوعة وخصما مُفضلا لإسرائيل، في مقدمتهم، النخبة السياسية بقيادة حكومات بنيامين نتنياهو، الذي شرّع حكم حماس في قطاع غزة، وسمح لها، عبر سياسات واستراتيجيات تبدو اليوم قاتمة، بالنمو ومراكمة القوة، بل وحتى الحصول على دعم من إسرائيل في تعزيز نفوذها، من خلال تحويل الأموال القطرية إلى القطاع.
هذا المفهوم، الذي صاغه وزير المالية في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش، بعبارة “حماس مكسب”، يرى أن من الأفضل لإسرائيل التعامل مع حماس في قطاع غزة، بدلا من احتمال سيطرة السلطة الفلسطينية وحركة فتح على غزة، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب وجهة النظر هذه، إلى ممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل للمضي قدما في اتفاق سلام مع الفلسطينيين. أتيحت لإسرائيل فرص عديدة للقضاء على حماس في العقد الذي سبق أحداث 7 أكتوبر، لكنها اختارت عدم القيام بذلك. كان من الممكن أن تُعطي عملية “الجرف الصامد” عام 2014 أو عملية “حارس الجدار” عام 2021، إسرائيلَ ذريعة حقيقية لمهاجمة حماس وقطاع غزة والقضاء عليها عسكريا، في ظل عدم وجود رهائن أحياء لديها. لكن نتنياهو كان دائما يُفضّل وقف إطلاق النار، وإبقاء حماس في السلطة.
ادّعى نهج نتنياهو السياسي، الذي شجّعته المؤسسة الأمنية وقاده هو شخصيا، أن حماس لا ترغب في المواجهة، وأنها مُترددة في خوض حرب مع إسرائيل، وأنها مهتمة بتحسين الأوضاع المدنية والاقتصادية في قطاع غزة لترسيخ سيطرتها هناك. ولذلك، من الأفضل لإسرائيل دفع “أموال الحماية”، أي تحويل أموال إلى غزة لتهدئة الأوضاع، ولتكون بمثابة حافز لإسكات حماس.
دعمت المؤسسة الأمنية هذا التوجه لفترة، لكن خلال عام ٢٠١٩، بدأت الأدلة تتراكم لدى الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) على أن هذه الأموال كانت تصل إلى الجناح العسكري للمنظمة وتُستخدم لتقويته. ورغم هذا الكشف المُقلق، واصل نتنياهو نهجه وأمر باستمرار تحويل الأموال إلى غزة. لكن فشل القيادة السياسية لا يتوقف عند هذا الحد. فقد سمحت حكومات نتنياهو لحزب الله وحماس، بتعزيز نفوذهما قرب حدود إسرائيل وخلق تهديد دائم ومباشر لها. يُضاف إلى ذلك الفشل العسكري والاستخباراتي – خطيئة الغطرسة والغرور – الذي يفترض أنه لا توجد فرصة لأن تُقدم حماس أو حزب الله على أي تحرك عسكري واسع النطاق ضد إسرائيل دون علم الاستخبارات الإسرائيلية به مسبقا.
وفي الوقت نفسه، ولا سيما فيما يتعلق بالوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة، واصلت الحكومة الإسرائيلية اتخاذ إجراءات استفزازية ضد الفلسطينيين، وخاصة فيما يتعلق بتغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وهي إجراءات شجّعت حماس على شن هجوم. إذ تشير الوثائق التي تم الاستيلاء عليها في غزة إلى أن ما اعتبره الفلسطينيون وحماس هجمات متكررة على المسجد الأقصى، دفع حماس إلى إعلان الحرب على إسرائيل.
لقد لعبت حكومة نتنياهو بالنار، ظنا منها أنها قادرة على التحكم بها، تماما كما اعتقدت أن تقديم الدعم المالي لحماس سيجلب السلام. بالتالي، لم تسمح إسرائيل لحماس بالنمو فحسب، بل سمحت لها أيضا بتنفيذ خطة احتيالية ضخمة، مما عزز هذا المفهوم.
على مدى سنوات، رسّخت حماس في إسرائيل انطباعا بأنها لا تسعى إلى المواجهة: حتى عندما هاجمت إسرائيل حركة الجهاد الإسلامي، امتنعت حماس عن القتال، وحرصت على إيصال رسائل لا حصر لها تُفيد برغبتها في الحصول على المزيد من الأموال من قطر و/أو المزيد من العمال من غزة للعمل في إسرائيل، كل ذلك لإيهام القيادات السياسية والعسكرية بأن لديها جهة تتفاوض معها داخل حماس.
على الصعيد العملياتي، لم يكن التضليل أقل أهمية: أوهمت حماس الجانب الإسرائيلي بأنها تُركز على محاولات حفر أنفاق داخل إسرائيل، بينما كانت تُعدّ خطة غزو مُرعبة فوق الأرض. ركزت إسرائيل على خطر الأنفاق، بينما كانت حماس تُخطط لاختراق السياج.
يُعدّ فشل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فشلاً عسكرياً واستخباراتياً غير مسبوق، ولكنه نتاجٌ لمفهوم سياسي راسخ. فبعد مرور ثلاث سنوات، تتضح صورة ما حدث ليلة السابع من أكتوبر/تشرين الأول والليلة التي سبقتها: لم تكن هناك أعمال مُتعمّدة أو مؤامرة، كما يدّعي أنصار نتنياهو. بل ارتكب القادة، كباراً وصغاراً، أخطاءً فادحة، نابعة أساساً من ذلك المفهوم. ولعلّ أكبر إخفاقات الحكومة الإسرائيلية هو استمرار حكم حماس في غزة.
مسؤولية نتنياهو وحكومته عن أكبر كارثة في تاريخ الشعب اليهودي منذ المحرقة، مسؤولية مطلقة وكبيرة. ويُضاف إلى ذلك الإخفاق الذريع: استمرار حكم حماس في غزة بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر/تشرين الأول.




