المشروع الأمريكي لتفكيك العالم الإسلامي.

تستمر الحرب الأمريكية للقضاء على العالم الإسلامي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية ، وفوز أمريكا في الحرب الباردة والساخنة ضد الاتحاد السوفياتي منذ الحرب العالمية الثانية حتى انهياره وتفككه عام 1990، مما أهّلها لتكون القطب الأوحد الذي يقود العالم.
كادت أمريكا أن تثبّت نفسها “ملكاً” على العالم، لولا ظهور قوة خارج التنبؤات الاستخباراتية أو بسبب سوء تقدير حجم وفاعليتها “الثورة الإسلامية في إيران” التي أعلنت المشروع العالمي للمستضعفين، وتحرير فلسطين ونجاحها في مساعدة حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمية، بتأسيسها أو المساهمة في دعمها مالياً وعسكرياً ونجحت بمشاغلة المحور الأمريكي طوال 40 عاماً منذ العام 1979، وأفشلت المشروع الأمريكي المعروف بـ “الشرق الأوسط الجديد” ، ومشروع “إسرائيل الكبرى”
بادرت أمريكا لصناعة حركات إسلامية “سنيّة” متطرفة بالتعاون مع مصر والسعودية بما عرف بـ “الافغان العرب” والقاعدة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي، وبعضها تأسّس ذاتياً ضد بعض الأنظمة، لكن أمريكا استطاعت استيعابها وتدجينها وحوّلتها من عدو إلى أدوات لتنفيذ مشروعها عبر استراتيجية استغلال فساد واستبداد الأنظمة وتأويل النص القرآني والحديث النبوي، بأولوية قتال “الكفّار “من المسلمين والمسيحيين وتأجيل او مهادنة اسرائيل بحجة ان اليهود “أهل كتاب”!
لم يبقَ أمام أمريكا للسيطرة على الشرق الأوسط خزان “النفط والغاز” سوى الحاجز الذي يقيمه محور المقاومة المنتشر جغرافياً في إيران ولبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن كحركات مقاومة شعبية ودول تمتلك الجيوش والامكانيات فبادر للعمل وفق استراتيجية الاستعانة بالبعض “الإسلامي” لقتل البعض الآخر، فحشد الدول والحركات التكفيرية ضد محور المقاومة ، لتكون الذراع “الشقيقة” المتحالفة مع الذراع “الأمريكية – الإسرائيلية” مما أضعف دول الخليج التي استخدمتها أمريكا “أدوات حرب” ضد ايران فاستُنزفت اقتصاديا وخسرت أمنها الوهمي الذي وعدتها به امريكا!
انتقلت أمريكا إلى مرحلة استنزاف الدول الثلاث (السعودية، تركيا، باكستان) آخر الدول الإسلامية التي تمتلك القوة المالية والبشرية والعسكرية، وحشدتها ضد اليمن بديلا عن أمريكا التي تفاهمت مع اليمن بعدم القتال بعد الخسائر التي اصابتها، وربما ضد إيران في مرحلة ثانية، ثم تفجيرها داخلياً بحرب مذهبية سنية- شيعية في باكستان ، وفي تركيا بين العلمانيين والإسلاميين والأكراد والعلويين ضد حكومة أردوغان، والسعودية الدولة التي إذا فقدت نفطها فقدت قوتها ودورها.
تدرّجت الحرب الأمريكية على العالم الإسلامي وفق المراحل التالية:
– زعزعة العقيدة وإحداث التصدعات والانحرافات عبر الحركات التكفيرية ابتداءً من الوهابية وما تبعها من تكفير مسلّح، واحداث الفتن المذهبية السنية- الشيعية وبين التكفيريين والمذاهب السنيّة.
– إشعال “الربيع العربي” لتفكيك العالم العربي المستمر منذ 15 عاماً، الذي استطاع إسقاط سوريا وتقسيم ليبيا والسودان، وسبقهما إنهاك الجزائر في العشرية السوداء، والقضاء على الأحزاب القومية والإسلامية والوطنية.
– تفكيك النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية للشعوب بالفتن المذهبية والطائفية والقومية ، وإعدام الشعوب بالفقر، بسبب الحصار والحروب وحصر اهتمام الشعوب بتحصيل لقمة العيش، وفرض التهجير والهجرة والبطالة وما يتبعها من تفكك أُسري واجتماعي وانتشارٍ للمخدرات والسرقة، بالتلازم مع فرض قوانين لتفكيك الأسرة مثل المثلية واتفاقية “سيداو” وتغيير المناهج التعليمية وضرب كل التقاليد الاجتماعية التي تصون القيم الأخلاقية والسلوكية بعنوان الحداثة والتطور.
– تثبيت منظومة “أنا أولاً” على مستوى الفرد والجماعة والدول لتجزئة الجماعة والأمة وإضعافها وسلبها قوة وحدة الكلمة.
– تعميم ثقافة اليأس وعبثية وعدم شرعية مقاومة المشروع الأمريكي -الإسرائيلي وإيهام الناس بنتائجه الكارثية، وإقناع الناس، كرهاً وطوعاً ، بأن طريق النجاة الوحيد هو التنازل عن العقيدة والحقوق والأرض والاستسلام للعدو.
نحن بمواجهة حرب خبيثة ناعمة وساخنة وذكية، تعتمد على العقل والدراسات واستغلال الثغرات والأخطاء والرهان على الزمن لتحقيق الأهداف دون وضع حد زمني للحرب التي بدأت منذ 30 عاماً وربما تستمر 30 عاماً أخرى، ليقطع “الحبل” الأمريكي “صخرة” المجتمع الإسلامي، فكلما طالت الحرب اتسعت الشقوق والتصدّعات ليستطيع المشروع الأمريكي “بفتوى” او “قانون” ليقتل “الأخ… أخيه” او جاره او شريكه في الوطن ومعاقبة المقاومين ، بتهمة مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق!
المشروع الأمريكي ليس قدراً محسوم النتائج لصالح امريكا،لايمكن مقاومته بل يمكن هزيمته والانتصار عليه، بشرط تطهير الصفوف من الفاسدين والمقاولين والمُسترزقين واعتماد الموضوعية والعقلانية والتخطيط دون مغامرات أو الفرضيات أو إساءة في تقدير قوة الآخرين، وعدم حصر الدفاع عن النفس والعقيدة بالمقاومة المسلّحة بل بما يماثل وسائل العدو الذي يقاتل على جميع المحاور.
لا تنهزموا…لم تنته الحرب وقادرون على الصمود… د.نسيب حطيط

