الصحف

الانتخابات الإسرائيلية قد تُنهي العلاقة مع الولايات المتحدة

 

دان بيري

إذا بقي بنيامين نتنياهو في السلطة بعد انتخابات 27 أكتوبر، ستكون العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، في خطر. إنه خطر وجودي. فالأسس السياسية التي بُني عليها أهم تحالف لإسرائيل، تتآكل بسرعة مذهلة. والسبب هو المجازر المروّعة في غزة، والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، والكاهانيين المنحرفين في الحكومة، وبسبب نتنياهو، الذي جر الولايات المتحدة إلى حرب فاشلة مع إيران، وينظر إليه الجميع تقريبا على أنه أسوأ من بوتين.
هل هؤلاء معادون للسامية ومسلمون وتقدميون فقط..؟ لا. بلا أدنى شك، نتنياهو يُدمر العلاقات الطيبة مع أمريكا. بدون أمريكا، لن يكون هناك وجود لإسرائيل على المدى البعيد. من الصعب تجاهل التغير في المواقف تجاه إسرائيل. فهو ملموس بين اليهود وغير اليهود، والديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، أولئك الذين لطالما شكّلت إسرائيل جزءا طبيعيا من نظرتهم للعالم. وتؤكد استطلاعات الرأي هذا الواقع: إسرائيل تفقد بسرعة جزءا كبيرا من الدعم الشعبي والسياسي الذي اعتمدت عليه لأجيال. بات الإسرائيليون ينظرون إلى هذا الدعم الأمريكي وكأنه أمرٌ طبيعي. لكن، تتغير الإدارات، ويرحل الرؤساء، وتندلع الخلافات حول المستوطنات وإيران والفلسطينيين، وفي النهاية تبقى أمريكا. فهي توفر الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والمساعدات المالية والحماية الدبلوماسية، وردعا لا يُقاس بالمال.
تدرك إيران وحزب الله والدول العربية وأوروبا والأمم المتحدة، أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل. لكن هذا التحالف هو نتاج السياسة الأمريكية، والسياسة الأمريكية تتغير بسرعة، والبيانات صادمة. ففي ربيع عام 2026، وجد مركز بيو للأبحاث أن 60% من الأمريكيين يحملون رأيا سلبيا تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ 42% في عام 2022، بينما لم تتجاوز نسبة من يحملون رأيا إيجابيا 37%. وبين الديمقراطيين وأنصارهم، لم تتجاوز نسبة من يحملون رأيا إيجابيا تجاه الحكومة الإسرائيلية 16% في مايو/أيار. كما تدهورت المواقف تجاه الإسرائيليين أنفسهم: انخفضت نسبة الديمقراطيين الذين أعربوا عن موقف إيجابي تجاههم من 62% في عام 2022 إلى 43% في عام 2026.
من السهل إلقاء اللوم على غزة. لكن تحليلا أجرته مؤسسة غالوب يُظهر أن التفوق الكبير الذي كانت تتمتع به إسرائيل على الفلسطينيين في الرأي العام الأمريكي، بدأ يتضاءل منذ عام 2019. ففي فبراير/شباط 2026، قال 41% من الأمريكيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقارنةً بـ 36% مع الإسرائيليين. كانت الحرب في غزة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لكنها سرّعت من وتيرة اتجاه قائم. حكم نتنياهو إسرائيل خلال معظم الفترة التي تدهورت فيها العلاقات، وفي السنوات الأخيرة ربط إسرائيل بشكل متزايد بأحد طرفي النظام السياسي الأمريكي. وفي هذا الطرف، الجمهوريون، يوجد معادون للسامية بشدة. ومن المرجح أيضا أن يخسروا مقاعد في الكونغرس.
من المسؤول عن ذلك..؟ في نظر العديد من الأمريكيين، نتنياهو. لا يزال دونالد ترامب يدعم إسرائيل. لكن الشباب الذين يدخلون معترك السياسة الأمريكية اليوم نشأوا بصورة مختلفة تماما عن إسرائيل، مقارنةً بالجيل الذي تشكّلت صورته بفعل حرب الأيام الستة، واتفاقية السلام مع مصر. بالنسبة للكثيرين منهم، فإن الصور النمطية هي غزة، والمستوطنات، ونتنياهو، وإيتامار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش. يعرف عامة الناس في الولايات المتحدة هذان الشخصان جيدا، والكراهية تجاههما هائلة. إنه تحوّل في الوعي له تداعيات طويلة الأمد. ويظهر هذا بوضوح أكبر بين اليهود الأمريكيين، الذين شكلوا على مرّ الأجيال، أحد أهمّ الأصول الاستراتيجية لإسرائيل، وقد ساهموا في جعل دعم إسرائيل موقفاً طبيعياً حتى في أمريكا الليبرالية.
النموذج الذي يتآكل: للمال دورٌ في هذه القصة. تشير تحليلات كبار المانحين إلى تورط يهودي هائل في تمويل السياسة الأمريكية على كلا الجانبين. فقد تبرعت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) وحدها بنحو 25 مليون دولار للديمقراطيين و17 مليون دولار للجمهوريين في عام 2024. ووفقا لتحليلٍ لأكبر 100 مانحٍ فيدرالي في انتخابات 2024، كان المانحون الذين عرّفوا أنفسهم كيهود مسؤولين عن نحو 68% من الأموال التي قدّمها هؤلاء المانحون الكبار للحزب الديمقراطي، ونحو 31% من الأموال التي قدّموها للحزب الجمهوري. باختصار: اليهود مسؤولون إلى حد كبير عن دعم أمريكا لإسرائيل، والذي لولاه لما كان هناك سلاح جو اسرائيلي.
ساعدت هذه القوة، لسنوات، إسرائيل في الحفاظ على علاقة ثنائية الحزب. دافع عنها اليهود الليبراليون داخل الحزب الديمقراطي، بينما بنى اليهود المحافظون والمنظمات المؤيدة لإسرائيل نفوذهم في الحزب الجمهوري. وهكذا، تمتعت إسرائيل بنفوذٍ لدى كلا المعسكرين. لكن هذا النموذج يتآكل. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته اتحادات اليهود في أمريكا الشمالية عام 2025 أن 37% فقط من اليهود الأمريكيين يُعرّفون أنفسهم كصهيونيين. وفي استطلاع آخر أجراه معهد الناخبين اليهود في مارس 2026، بلغت النسبة 34% فقط، على الرغم من أن أغلبية أكبر بكثير لا تزال تدعم حق إسرائيل في الوجود. أما بين الديمقراطيين اليهود، فلم يُعرّف سوى 30% أنفسهم كصهيونيين. وأعرب نحو 60% عن رأي سلبي تجاه نتنياهو، بينما أبدى 56% قلقا بالغا من أن السياسات الإسرائيلية في ظل قيادته تُفاقم معاداة السامية والعداء تجاه إسرائيل.
هؤلاء من تحتاجهم إسرائيل: محامون ورجال أعمال ومحاضرون وصحفيون ومتبرعون ونشطاء وناخبون يهود قادرون على شرح لماذا يُعدّ أمن إسرائيل مصلحة أمريكية. فعلى مدى عقود، جعلوا إسرائيل جزءا من الوسط السياسي الأمريكي. لكن نتنياهو يُصعّب هذه المهمة. فحكومة يسيطر فيها بن غفير وسموتريتش على السلطة المركزية، إلى جانب عنف المتطرفين اليهود في الضفة الغربية، وتوسع المستوطنات، والدمار الهائل في غزة، خلق صورة لإسرائيل يصعب على العديد من حلفائها القدامى في الولايات المتحدة الدفاع عنها.
يردّ الإسرائيليون بأن أمريكا بحاجة إليهم أيضاً، وأن إسرائيل قوية بما يكفي. صحيح أن إسرائيل قوة عسكرية وتكنولوجية إقليمية، وبإمكانها زيادة إنتاج الأسلحة محلياً وبناء قدرات مستقلة. لكن ليس لديها بديل حقيقي عن الولايات المتحدة. لا يوجد بلد آخر يستطيع أن يزوّد إسرائيل بمزيج من الأسلحة المتطورة، والاستخبارات، والقوة العسكرية، والحماية في مجلس الأمن، والنفوذ على الدول الأخرى، والردع. فمنذ قيام الدولة، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات أمنية بلغ مجموعها حوالي 174 مليار دولار. وتنص مذكرة التفاهم الحالية وحدها على مساعدات أمنية بقيمة 38 مليار دولار حتى عام 2028.مع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تعكس القيمة الحقيقية لأمريكا. فعندما تحسب إيران حدود الصراع، فإنها تحسب أيضاً الولايات المتحدة. وعندما تُعيد الدول العربية النظر في علاقاتها مع اسرائيل، تُدرك أن إسرائيل تتمتع بنفوذ استثنائي في النظام الأمريكي. وعندما تُعزل إسرائيل على الساحة الدولية، تمنحها واشنطن ثقلاً دبلوماسياً لا تملكه هي نفسها. لكن، إذا بقي نتنياهو في السلطة، فسيتوالى التغيير ككرة الثلج: شرط آخر للمساعدات، ومواجهة أخرى في الكونغرس بشأن الأسلحة، ومرشح ديمقراطي آخر يكتشف أن النأي بالنفس عن إسرائيل، يُفيده، ومزيد من الشباب اليهود الذين يشعرون بانفصال أكبر عن إسرائيل. كل حدث له تفسيره، لكن تراكمها سيُشكّل أمريكا مختلفة.
قد يختفي حق النقض في مجلس الأمن، ويتبعه ضغط دولي وعقوبات. وفي أوروبا أيضاً، قد يتآكل الوضع الخاص لإسرائيل، وقد تتضرر التجارة. المال يكون مؤُرا عندما يُعزز الإجماع، لكنه أقل تأثيرا عندما يُطلب منه استبدال إجماعٍ، يتلاشى. لا يُمكن لأي لجنة عمل سياسي أن تشتري إلى الأبد موافقة جمهور بدأ ينظر إلى إسرائيل نظرة مختلفة. لذا، فإن انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول تتجاوز بكثير كونها استفتاءً على أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، وغزة، وإيران، وتجنيد الحريديم، ومحاكمة نتنياهو. إنها أيضاً انتخاباتٌ تُعنى بمكانة إسرائيل في أمريكا.
لن تمحو حكومة جديدة بين عشية وضحاها سنوات الحرب، ولن تُحوّل إسرائيل إلى دولة يحبّها اليسار الأمريكي. سيظل الإسرائيليون مُرتابين من القيادة الفلسطينية، قلقين على سلامتهم، ومُتأثرين بصدمة أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول. لكن بإمكان حكومة جديدة أن تكون حازمة للغاية في ملف الأمن، وأن تُغيّر بشكل جذري نظرة واشنطن واليهود الأمريكيين إلى إسرائيل. سيكون بإمكانها إزاحة المتطرفين من مراكز السلطة، والتصدي للإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، ووقف الحرب على مؤسسات الدولة، وتقديم إسرائيل لأمريكا بصورة تسعى من جديدٍ إلى أن تكون جزءاً من الغرب الليبرالي الديمقراطي. وبإمكانها إعادة فتح الباب أمام اليهود الأمريكيين الراغبين في دعم إسرائيل، والبدء في إعادة بناء التحالف الأمريكي الذي يقوم عليه جزءٌ كبيرٌ من أمنها.
إذا بقي نتنياهو في منصبه، ستكون الرسالة التي ستُستقبل في أمريكا، أن إسرائيل أدركت الثمن، ومع ذلك اختارت الاستمرار في المسار نفسه. قد تتسع الفجوة مع الديمقراطيين، وقد يستمر تآكل العلاقات مع اليهود الأمريكيين، وقد تجد إسرائيل نفسها مُعتمدة بشكل متزايد على الحزب الجمهوري ورئيس مُعيّن. وإذا كانت إسرائيل اعتادت البحث عن الأخطار الوجودية في طهران وبيروت وغزة، فينبغي عليها أيضا أن تبدأ بالبحث في واشنطن ونيويورك والجامعات والمجتمعات اليهودية في الولايات المتحدة. لقد بُني التحالف مع أمريكا على مدى أجيال على قاعدة سياسية أوسع بكثير من مجرد شخص أو حزب واحد، وإسرائيل الآن تُقوّض هذه القاعدة بمعدل ينذر بالخطر. لذا، إذا فاز نتنياهو مجددًا في 27 أكتوبر، فسيكون ذلك خطرا وجوديا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى