لبنان في زمن الأزمات فوضى الواقع وانكسار التوازن الاجتماعي والنفسي…

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
يعيش لبنان على وقع أزمات متلاحقة أنهكت الإنسان في معيشته ونفسيته وعلاقاته، حتى لم تعد تداعيات الحروب والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية محصورة في الواقع بل امتدّت إلى السلوك والوعي وأضعفت الثقة والتضامن وعمّقت الشعور بالقلق والإحباط وفقدان الأمان.
في هذا المناخ المضطرب تتضخّم الأنا ويتسابق البعض إلى استعراض القوّة وفرض الرأي وكأن الاعتراف بالآخر ضعف والتراجع عن المواجهة هزيمة. يتحوّل الاختلاف إلى صراع والحوار إلى مواجهة فيما قد يخفي التشدد في المواقف هشاشة داخلية خلّفتها الضغوط والخيبات المتراكمة.
المفارقة أن مجتمعا أنهكته الأزمات بات بعض أفراده يستنزفون بعضهم بعضا بدل أن يتكاتفوا في مواجهة ما يهدّدهم جميعا. فحين تصبح الأنانية وسيلة دفاع، والقسوة سلوكا مألوفا، وانعدام الثقة قاعدة للعلاقات، لا تعود الأزمة اقتصادية أو سياسية فحسب، بل تصبح أزمةً في الوعي والتوازن الاجتماعي والإنساني.
إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس دمار الحجر وحده، بل تصدّعات النفوس وتآكل الروابط بين الناس. فالأوطان لا تنهار فقط حين تفقد استقرارها، بل حين يفقد أبناؤها القدرة على التفاهم والعيش المشترك.
ولبنان أكثر من أي وقت مضى يحتاج إلى استعادة الوعي والمسؤولية وإلى إدراك أنّ القوّة الحقيقية ليست في إخضاع الآخر بل في احترامه، وأنّ النجاة الفردية لا تصنع مجتمعا قادرا على النهوض.
فالمأساة ليست أن نعيش وسط الفوضى بل أن نعتادها حتى تتسلّل إلى نفوسنا، فننجو من الأزمات بأجسادنا ونخسر في الطريق إنسانيتنا.

