انكشاف القواعد وتراجع الردع: معضلة الاستراتيجية الأميركية في المواجهة مع إيران

حسن حردان
تواجه الولايات المتحدة الأميركية تحوّلات عميقة ومقلقة في بيئة الأمن القومي، حيث كشفت المواجهات والتوترات العسكرية الأخيرة مع إيران عن ثغرات هيكلية في العقيدة العسكرية الأميركية القائمة على التفوق المطلق.
أولاً: أسباب التحديات العسكرية
واستراتيجية الضعف الأميركي
1 ـ معضلة القواعد الثابتة مقابل الحرب غير المتكافئة: اعتمدت الاستراتيجية الأميركية لعقود على بناء شبكة واسعة من القواعد العسكرية المتقدمة بالقرب من مناطق النفوذ لفرض ردع سريع. غير أنّ إيران وظفت استراتيجية تعتمد على الردع غير المتكافئ (الاعتماد على الطائرات المُسيّرة رخيصة الثمن، الصواريخ البالستية، وتكتيكات الأسراب)، مما حوّل هذه القواعد من “أدوات لفرض القوة” إلى “أهداف مكشوفة ومكلفة” يصعب حمايتها بشكل كامل.
2 ـ النزيف المالي والخسائر المادية الباهظة: أظهرت التقارير الرسمية وتقييمات البنتاغون تكبّد القوات الأميركية خسائر مادية جسيمة شملت تدمير أو تضرّر عشرات الطائرات المتقدّمة (مثل طائرات الاستطلاع والمقاتلات)، فضلاً عن أضرار بالغة لحقت بالبنى التحتية للمنشآت والمقار الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة بمليارات الدولارات. هذا يبرز الفارق الكبير في التكلفة لصالح إيران؛ حيث تكلف طائرة مُسيّرة أو صاروخ رخيص جزءاً ضئيلاً جداً مقارنة بكلفة المنظومات الأميركية المستهدفة أو صواريخ الاعتراض الباهظة.
3 ـاضطرار واشنطن لإعادة التمركز: لجأ الجيش الأميركي إلى عمليات نقل احترازي للقاذفات الاستراتيجية والمعدات الحساسة لمسافات بعيدة (مثل قاعدة دييغو غارسيا أو الملاذات الآمنة نسبياً) تجنّباً للضربات الإيرانية الدقيقة، وهو ما أدّى إلى إطالة دورات الإمداد اللوجستي وتراجع سرعة وكفاءة الاستجابة العملياتية.
ثانياً: الانعكاسات
على الدور الأميركي العالمي
1 ـ تآكل الردع والمصداقية: أثبتت التطورات أنّ القدرة التدميرية الهائلة لواشنطن لم تعد كافية وحدها لردع الخصوم الإقليميين عن توجيه ضربات مباشرة ومؤلمة للوجود الأميركي، مما خلق حالة من “الشك الإقليمي” لدى الحلفاء بشأن قدرة واشنطن على توفير مظلة حماية موثوقة.
2 ـ تصدّع الثقة لدى الحلفاء الإقليميين: باتت الدول المضيفة للقواعد الأميركية بالمنطقة تعيد حساباتها بجدية؛ إذ أصبحت ترى أنّ استضافة القوافل والقواعد الأميركية تضعها في خط النار وتجعلها عرضة للتداعيات، مما قد يدفعها للحدّ من استخدام أراضيها في أيّ عمليات أميركية مستقبلية.
3 ـ التداعيات على الجبهة الأوروبية والآسيوية: تحذيرات الدوائر الاستراتيجية (مثل ما أشارت إليه “ذا هيل” وغيرها) تتعلق بأنّ استنزاف المخزون العسكري الأميركي، والضغط على منظومات الدفاع الجوي، واستنزاف الموارد في الشرق الأوسط، يقلل من هامش المناورة المتبقي لردع قوى كبرى منافسة أخرى مثل الصين في منطقة الهادي أو روسيا في أوروبا.
ثالثاً: التداعيات على موازين
القوة العسكرية العالمية
1 ـ سقوط تفوّق المنظومات التقليدية المطلقة: أثبتت الحروب الحديثة أنّ التفوق الجوي والبحري التقليدي لم يعد مطلقاً في ظلّ انتشار تكنولوجيا المُسيّرات والصواريخ الموجهة، مما يفرض إعادة هندسة كاملة لمفهوم الدفاع الجوي والصاروخي (التحوّل نحو التدريع الفعلي وإلغاء الاعتماد المفرط على القواعد الكبرى المكشوفة).
2 ـ صعود “تكلفة الحرب” كعامل ردع عكسي: باتت التكلفة الاقتصادية الباهظة للعمليات وطول أمدها تشكل قيداً سياسياً واستراتيجياً داخلياً في الولايات المتحدة، مما يضعف قدرة الإدارات الأميركية المتعاقبة على خوض حروب استنزاف طويلة ومفتوحة.
3 ـ تعزيز تعددية الأقطاب: الاستنزاف الأميركي يمنح قوى منافسة مثل الصين وروسيا ميزة استراتيجية؛ إذ يظهر عجز واشنطن عن حسم الصراعات الإقليمية بالشكل الذي يرسخ هيمنتها المنفردة على النظام الدولي، مما يدفع نحو نظام عالمي أكثر تعدداً وأقلّ خضوعاً للقواعد الأمنية التي تقودها واشنطن…



