مقالات رأي

متى تفكيك سوريا … ؟!

نبيه البرجي
أصوات , بل صرخات , من كل المناطق , ومن كل الطوائف , السورية تتصل بي وتسأل “بعد كل ذلك الضجيج حول سقوط نظام عشنا أهواله حتى الثمالة , أين أنتم , ولماذا هذا الغياب المروع عن تغطية الأهوال التي تحدث الأن ؟ لا في الأقبية ولا في الكهوف , وانما في المنازل , وفي الشوارع , كما لو أن أبو محمد الجولاني ورجاله هبطوا من السماء , لا من الغرف السوداء لكي يحولوا سوريا الى جهنم ؟
سيرة غرائبية لرجل , من “القاعدة” , الى تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) , الى “جبهة النصرة” التي تحولت , وداخل الغرف السوداء اياها , الى “هيئة تحرير الشام” . والآن الى ذلك النوع الهجين من الديمقراطية بثقافة تورا بورا , وبلحى تورا بورا ؟ . “حالة أفغانية” في قلب العالم العربي . من الطبيعي التساؤل عما ينتظر لبنان , وعما ينتظر العراق , بل سائر بلدان المشرق العربي اذا ما عرفنا أي نوع من الثعابين يقف وراء ذلك السيناريو الذي ينفذ حلقة حلقة على الأرض .
أين اختفت كل تلك الوجوه المدنية التي ملأت الشاشات على امتداد سنوات “الثورة” , لنرى أمامنا نظاماً ثيوقراطياً يحاول , على نحو كاريكاتوري , اظهار حداثته ؟ ما حصل هو ابدال نظام الأقبية بنظام القبور . دائماً أصحاب الأدمغة الميتة , والقلوب الميتة , هم من يمتطون ظهور الرعايا . حقاً لما نحن هكذا .؟ حين دخل الجنرال هنري غورو الى دمشق على متن عربة تجرها الأحصنة , بلغ الحماس ببعض الجمهور أن فك الأحصنة , وراح يجر عربة المندوب السامي الفرنسي . هكذا نحن في وداعنا للأنظمة البائدة , وفي ترحيبنا بالأنظمة البديلة !!!
شاهدنا الفصائل بثياب الميدان , وهي تمارس أرقى أنواع الديمقراطية , وتختار أحمد الشرع رئيساً للدولة . تأملنا في الوجوه المسننة , وفي اللحى المسننة , ليقال لنا أن ما يحصل هو فصل من فصول الخطة الخاصة بتصنيع ذلك النوع من الاسلام (اسلام الخنادق واسلام القبور) لتفجير البنية السوسيولوجية للمجتمع السوري , كمدخل ديالكتيكي الى تفكيك سوريا , بعدما أدت الحرب , ناهيك عن الضغوط الاقتصادية الهائلة , الى احداث تلك الحالة السيكولوجية القابلة للتفاعل مع أي تغيير على الأرض حتى لو كان يقود الى الانفجار الجغرافي , والدستوري , للدولة .
بالضرورة كلام عن “غباء بشار الأسد الذي لم يكن مؤهلاً لادارة عربة خضار , فاذا به , بالرأس الفارغ , على رأس دولة هي نقطة التقاطع بين صراع الأمم وصراع القبائل” .
كثيرون بعثوا اليّ بالصور , وبالأسماء . اذ يتجول الدعاة في الأحياء , والبلدات , المسيحية , لهدي الناس الى الطريق المستقيم (وهو كما قلنا طريق تورابورا) , ثمة من يفرض الجزية على نصارى حلب , باعتبارهم أهل ذمة , ولم يهتدوا الى الحق . هذه الانتهاكات الصارخة تنسحب على السنّة الذين يبحثون عن موطئ قدم في القرن , لا العودة الى القرون الوسطى .
مقابل ذلك ثمة مناطق , وبرعاية خارجية , بما فيها الرعاية الاسرائيلية , ما زالت تحتفظ بسلاحها , دون أن يتجرأ “رجال الهيئة” من الاقتراب منها . هذا لا ينطبق على الأقلية الشيعية المحدودة العدد التي تتعرض للقتل , ثم القتل , ثم القتل . زارني أحدهم الذي قارب الستين , وقال أنه هرب من الداخل السوري الى لبنان عبر وادي خالد , ليفاجأ بثلاثة حواجز لسوريين داخل الأراضي مجهزين بالسواطير . انتزعوا منه المبلغ الذي يحمله , لينجو باعجوبة من الذبح ,
المشكلة الأساس تبقى : العلويون .هؤلاء كانوا ضحايا ما دعي “النظام العلوي” , والآن ضحايا “النظام اللاعلوي” . لا شك أن هناك ضباطاً علويين , شاركوا ضباطاً , من طوائف أخرى , في ورشة الفساد , ناهيك بالقمع والتنكيل وحتى القتل . لكن المؤكد أنهم لم يلتفتوا , يوماً , لتطوير مناطقهم التي تبقى الأكثر بؤساً بين كل المناطق السورية .
واذا كان معظم الذين تورطوا في تلك الأعمال المشينة قد تمكنوا من الفرار , تركز الثأر على كل ضابط أو جندي أو رجل أمن علوي , وحتى على كل شخص علوي . فظاعات ان في الاذلال أو في الضرب والركل , أو في الرصاصة على الرأس . هذا طاول ايضاً شخصيات أكاديمية بعيدة كل البعد عن الوحول السياسية . كل علوي هو جثة مع وقف التنفيذ أو مع التنفيذ . حتى قناة “الحرة” الأميركية تتوجس من “عودة العهد المظلم” , وتنقل عن “المرصد السوري لحقوق الانسان” , وقائع عن الانتهاكات اليومية , وحتى الفظاعات اليومية , ذات المنحى الطائفي .
أكثر من ارتكبوا الفظاعات في مناطق الساحل هم من الأوزبك . ربما كانوا أحفاد الفرقة الأوزبكية التي شاركت في حملة هولاكو على بغداد (عام 1258 ) , وحيث كانت الرؤوس تقطع اما أن تلقى في الطرقات أو توضع على النصال في أجواء من الرقص والابتهاج فوق أنهار الدم .
معلومات موثوقة تتحدث عن لقاء عقد بين قيادات علوية سورية وأخرى تركية (حيث الأقلية التي تتجاوز الـ 15 مليوناً) لينتهي بانذار بالتحرك للمواجهة . وهذا كان السبب في سحب العناصر الآتية من آسيا الوسطى والقوقاز , ومع اعتبار أن هناك الآلاف الذين بعث بهم راشد الغنوشي من جبال الجنوب التونسي لمؤازرة اخوانهم الاسلاميين في سوريا .
مظاهر , وظواهر , سورية تشي باحتمالات خطيرة . بالرغم من خطوات منسقة من قوى خارجية لضبط الايقاع (في اطار الصراع الجيوسياسي بين هذه القوى) , ساعة التفجير والتفكيك آتية لا محالة …

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى