لإعادة الإعمار النفسي والاجتماعي والعقائدي لمجتمع المقاومة

تعرَّض مجتمع المقاومة— ولا يزال — لضرباتٍ قاسية وصدمات مادية ومعنوية متتالية، وخيبات وغدرٍ خارج نطاق توقعاته وحساباته، ولا يزال مذهولاً لا يصدق ما حلّ به من ويلات؛ فلأول مرة يتم تهجير طائفة بكاملها وتدمير 70 قرية ومدينة، ويقدّم مجتمع المليون شيعي مقيماً في لبنان 40 ألف شهيد وجريح خلال ثلاث سنوات، ويفقد قياداته السياسية والعسكرية، ويرى نفسه محاصراً من أعداء الخارج وخصوم الداخل، ومنبوذاً يتطاول عليه كل ضعيف وقوي، لتتحوّل الطائفة التي كان يهابها الجميع من الأعداء والخصوم طوال 30 عاماً إلى طائفة مُستضعفة مُهانة مُستباحة، يُمنع عنها استئجار شقة أو شراء عقار في المناطق المسيحية خصوصاً، خلافاً للقانون اللبناني وللأخلاق، فيمنع بعض اللبنانيين ويستنكرون شراء “شيعي” لأرض مسيحية، لكنهم لا يستنكرون احتلال العدو الإسرائيلي لحوالي 1000 كيلومتر مربع، بل يرحبون به ويطالبونه بالاستمرار بالتقدم واحتلال المزيد من الأرض وقتل المزيد من اللبنانيين الشيعة!
يتحدث الجميع عن إعادة إعمار القرى والبيوت والمصانع، وهذا أمرٌ مطلوب وواجب مع الإصرار على التسريع بذلك، لأنه أحد عناصر استقرار أهل المقاومة، لمداواة ما يتعرضون له من انهيارات نفسية ومعنوية واقتصادية واجتماعية، وتشتتٍ أسري وتفكّكٍ اجتماعي بدأ يلامس الثوابت العقائدية والدينية التي بدأت مؤشرات زعزعتها تُنذر بخطر كبير، فالحصن الأساس للمقاومة ليس سلاحها، بل هو احتضان الناس ودعمهم للمقاومين؛ فإذا انفضّوا عنها، صارت سمكةً على الشاطئ الرملي تموت اختناقاً وهذا هو السلاح الناعم البطيء الذي تستخدمه أمريكا وإسرائيل والحكومة اللبنانية وبقية الأدوات بحصار أهل المقاومة وإعدامهم معنوياً واقتصادياً واجتماعياً وصحياً، وسدّ كل المنافذ التي تساعد على بقائهم وصمودهم، ووضعهم بين خيارين: إما الموت جوعاً وذلّاً، أو التخلي عن المقاومة.
يعاني مجتمع المقاومة من انهيارات نفسية ومعنوية واجتماعية واقتصادية على مستوى الأفراد والجماعة، ولا يلتفت أحدٌ إلى هذه الأخطار التي بدأت تُصدّع وتُحدث التشققات الدينية والاجتماعية والأسرية، وتُهدّد بانحرافات أخلاقية وتُزعزع مستوى الصمود. والأسوأ أنها بدأت بهدم الجدار الحاضن للمقاومة في أهلها، حتى صار المقاوم غير مرغوبٍ به حتى داخل مجتمعه، سواء بالاستئجار أو التحركات أو التموضع العسكري. وإذا تطورت هذه الحالة، سيتحول المقاوم إلى غريبٍ في قريته ودخيلٍ عليها، وعندها سينكشف ويخسر أهم سلاح لديه، وهو أقوى من سلاحه العسكري.
بدأت الظواهر والأمراض النفسية والانفعالات تنتشر وتتوسع داخل مجتمع المقاومة بعد ثلاث سنوات من القهر والتهجير والجوع والخوف وخسارة كل ما يملكون، دون وجود المساعدات المناسبة لاحتياجاتهم، مع انسداد الأفق وغياب أي مؤشر على نهاية هذه الجلجلة والحالة الكربلائية. ويزيد الأمر تعقيداً الحرب النفسية التي يتعرضون لها بأن القادم أسوأ، وأن الحرب طويلة، وأنه لا يمكن التصدي للاحتلال ولا يمكن فعل أي شيء لمواجهة هذه النكبة والكارثة والأزمة المصيرية، فيتم إعدام الأمل وتعميم حالة الإحباط، فيزداد الانهيار للجبهة الداخلية للمقاومين قبل انهيار خطوطهم الدفاعية.
إن إهمال معالجة الحالة الحاضرة لمجتمع المقاومة وتجاوزها وإغماض العين عنها يُنذر بأخطار أكبر وأوسع، ولا بد من المبادرة لإعداد مشروع إعادة الإعمار المعنوي والنفسي والديني والاقتصادي لمجتمع المقاومة، لبناء مجتمع الصمود كي يحمي مشروع المقاومة؛ لأنه بدون مجتمع مقاوم آمن وغير خائف، فلا مقاومة مهما كان سلاحها.
إن غياب الأطباء النفسيين، الأخصائيين الاجتماعيين، والمؤسسات الأهليّة ورجال الدين خصوصاً عن مجتمعهم، سواء بحجة منعهم أو تقصيرهم، أمرٌ غير شرعي وغير مقبول، فليبادر علماء الدين — الذين يتجاوز عددهم في لبنان الألفي عالم دين (بمعدّل عالم لكل ألف شيعي) — إلى الميدان الاجتماعي والديني وإعادة إعمار المساجد بالصلاة والمحاضرات وزيارة الناس وإسنادهم ولو بكلمة أو موعظة دون استعراضات على وسائل التواصل الاجتماعي، وليحدد كل عالم دين ميدانه التبليغي في قريته وقرى أخرى، وأن لا يبقى جليس بيته أو سهراته العامة؛ فهو مسؤول قبل أي أحد عندما تطوع لأن يكون عالم دين. وكما يقاتل المقاوم في الميدان بسلاحه ويستشهد، فعلى عالم الدين وكل قادر أن يقاتل في ساحة مواجهة الانهيار النفسي والمعنوي والعقائدي.
مجتمع المقاومة ليس بخير، وعلينا المبادرة لدراسة خطة إعادة التعافي المعنوي والنفسي والعقائدي والاقتصادي بعد ثلاث سنوات من الحرب، ولتأمين الصمود للقادم من الأيام، والتي ندعو الله أن يحفظ أهلنا فيها ويعينهم ويحفظ عزتهم وكرامتهم، وهم الأعزاء الذين يحاول الأعداء والخصوم إذلالهم وإهانتهم.
د٠نسيب حطيط

