معركة على الاسم “الخليج الفارسي” أم “الخليج العربي”؟ العراق يسعى كي يثبت لإيران أنه ليس فناءها الخلفي

د. يوئيل غوزانسكي
فيرون شنايدر
وسط تصاعد التوترات بين إيران ودول الخليج العربي، وفي ظل الحرب بين إيران والولايات المتحدة، عاد أحد أقدم الخلافات بين إيران وجيرانها العرب إلى واجهة الأحداث. خلال زيارة إلى بغداد أواخر أغسطس/آب، نشر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف صورةً له بجانب خريطة للمنطقة كُتب عليها “الخليج الفارسي.” “. وردّ رئيس البرلمان العراقي، هيبت الحلبوسي في اليوم التالي بصورةٍ له بجانب الخريطة نفسها، ولكن مع تعليق “الخليج العربي.” في وقتٍ تتصدر فيه قضايا أكثر إلحاحا أجندة العالم العربي، ولا سيما دول الخليج التي وقعت في قلب العاصفة منذ بداية الحرب مرورا بأزمة هرمز وحتى الآن، يبدو هذا نقاشا هامشيا لا أكثر.
لطالما شكّلت مسألة تسمية المسطح المائي الواقع بين إيران وسواحل العراق والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان، مصدر جدل تاريخي وهوياتي وسياسي لعقود. فبينما يُعدّ مصطلح “الخليج الفارسي” هو المصطلح الدولي والغربي السائد، تستخدم الدول العربية في المنطقة مصطلح “الخليج العربي.”
هذا النقاش ليس بجديد، والحجج التي يطرحها الجانبان العربي والإيراني ليست جديدة أو متغيرة، وكل جانب متمسك بموقفه. فما الذي أعاد هذا الجدل إلى الواجهة الآن تحديدا..؟ تُذكرنا الحادثة التي برزت في مياه هرمز الهائجة، بعنصر الهوية الجماعية لدول المنطقة، ولا سيما الاسم: فاختيار اسم لمكان ما، يُنشئ صلة بينه وبين الهوية الجماعية. وفي هذه الحالة، هي العربية أو الفارسية.
هذا جزء لا يتجزأ من الصراع بين إيران والدول العربية، وعنصر يكاد يكون من المستحيل التوصل فيه إلى حل وسط. فالخليج، في نهاية المطاف، إما عربي أو فارسي. لا توجد صيغة للتسوية. والتنازل في هذه المسألة ليس كالمساومات التجارية أو المفاوضات التي يمكن من خلالها التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين. فمنذ ظهور الإسلام، ترسخ وجود عربي عميق على سواحل الخليج، في ممراته التجارية والملاحية. وأغلب الدول المطلة عليه عربية، وجزء كبير من الساحل ومراكز الطاقة والموانئ والبنية التحتية الاستراتيجية يقع على الجانب العربي. لذا، بالنسبة لهم، يُعبّر اسم “الخليج العربي” عن الهوية والسيادة والانتماء إلى المنطقة. من جهة أخرى، ترى إيران مصطلح “الخليج الفارسي” جزءا من تراثها التاريخي والوطني، وتعارض بشدة أي محاولة لتغييره.
الصراع على الاسم هو في جوهره صراعٌ حول من يُحدد هوية المنطقة، ومن له الحق في ادعاء السيادة عليها. إلا أن هذا النقاش، في توقيته ومكانه، يحمل هذه المرة دلالات أوسع، إذ يتزامن مع مرحلة بالغة الحساسية في العلاقات بين بغداد وطهران. لطالما شكّل العراق أحد أهم مراكز النفوذ الإيرانية، لما له من أهمية استراتيجية اقتصادية وعسكرية. فمنذ سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، عززت طهران نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني هناك، بقيادة الميليشيات الشيعية الموالية لها. إلا أن الحرب الإقليمية تضع مصالح البلدين في مسار متضارب على نحو متزايد.
يدفع العراق ثمناً باهظاً لسياسة إيران، إذ يُشكل النفط نحو ٩٠٪ من دخل الحكومة العراقية، ويمر الجزء الأكبر من صادراتها عبر مضيق هرمز. وقد أثرت الاضطرابات في المضيق بشكل مباشر على شريان الحياة للاقتصاد العراقي. بالتالي، فإن طلب بغداد من طهران منح النفط العراقي وضعاً خاصاً والسماح بعبوره يُظهر مدى تحوّل سياسة الضغط الإيرانية من مشكلة أمريكية أو خليجية إلى مشكلة عراقية أيضاً.
وبالتوازي مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، تسعى الحكومة العراقية إلى تعزيز احتكار الدولة للأسلحة وإخضاع الميليشيات الموالية لإيران لمؤسسات الدولة. ومن جهة أخرى، أصبحت هذه الميليشيات، التي كانت لسنوات أداةً رئيسيةً للنفوذ الإيراني وعملت جنباً إلى جنب مع قوات الأمن للقضاء على داعش، عبئاً في نظر قطاعات متزايدة من المؤسسة الأمنية العراقية التي تعتمد على المساعدة والتشاور مع الولايات المتحدة. فهذه الميليشيات تجرّ العراق إلى صراعات لا يرغب بها (آخرها مع السعودية) وتُشكّك في سيادته. وفي هذا السياق، يكتسب النقاش حول “الخليج العربي” معنىً مختلفاً.
عندما يُصرّ رئيس البرلمان العراقي على الهوية العربية للخليج، وعندما تستدعي وزارة الخارجية في بغداد السفير الإيراني على خلفية مزاعم حول الأصول الفارسية للعراق وبغداد، فإن بغداد تُشير إلى وجود حدود للنفوذ الإيراني. وهذا تعبير عن هوية عراقية تسعى في الوقت نفسه إلى أن تكون شيعية وعربية وسيادية في جوهرها، لا مجرد امتداد لإيران.
من السابق لأوانه استنتاج أن العراق ينفصل عن إيران. فالعلاقات بين البلدين عميقة، والحدود طويلة، والمصالح الاقتصادية كبيرة، ولا يزال نفوذ إيران داخل النظام السياسي والأمني العراقي كبيرا. ومع ذلك، يمكن تحديد عملية موازنة للنفوذ الإيراني: بغداد لا تسعى بالضرورة إلى الانتقال من المعسكر الإيراني إلى معسكر آخر، بل إلى توسيع هامش مناورتها، وتعزيز علاقاتها مع العالم العربي، والحد من قدرة طهران على إملاء سياساتها عليها.
هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية بالنسبة لإيران. قد ترى طهران سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز دليلاً على قوتها وقدرتها على فرض ثمن باهظ على منافسيها. لكن كلما زادت عدوانية استخدامها لهذه النفوذ، زاد الضرر الذي تُلحقه بجيرانها وشركائها العرب. ويُعدّ العراق أبرز مثال على ذلك. فإذا استمرّ تضرر صادرات النفط من الخليج، ونشاط الميليشيات، والتدخل الإيراني في شؤونه، فقد تجد إيران أن استعراضها للقوة يُضعف في الواقع أحد أعظم إنجازاتها الاستراتيجية التي حققتها في العقود الأخيرة، ألا وهو نفوذها في العراق.
لذا، فإن الصراع على اسم الخليج ليس مجرد خلاف على اسم، بل هو جزء من صراع أوسع نطاقا حول الهوية والسيادة وحدود النفوذ الإيراني في العالم العربي. ومن هذا المنظور، يُعدّ اختيار العراق لمصطلح “الخليج العربي” بمثابة بيان سياسي: إذ يسعى العراق إلى تذكير طهران ونفسه بأنه جزء من المنطقة العربية، وليس فناءً خلفيا لإيران.




