استراتيجيات وتقارير

شجرة الزيتون في فلسطين ترمز إلى الصمود والإباء والتمسّك بالأرض

 

الفلسطينيون يعيشون في هذه الأيام نكبة جديدة تُضاف إلى سلسلة النكبات والنكسات التي تعرّضوا لها، والتي لا تزال تداعياتها ماثلة أمامهم.
نحن أمام نكبة يمكن تسميتها بنكبة الزيتون، حيث باتت لقمة عيش الفلسطيني مغمّسة بالدم، حيث يجول المستوطنون الهمجيون بأسلحتهم، مهدّدين الفلسطينيين ومتوعّدين إياهم في القرى والمخيمات والبلدات الفلسطينية كافة.
هناك من تمكّنوا من الوصول إلى أشجار زيتونهم لقطف ثمارها بصعوبة بالغة، وتحت تهديدات مخيفة، وهناك من لم يتمكّنوا من الوصول إلى حقولهم وأشجارهم، كما يحدث اليوم في بلدة الطيبة وغيرها من البلدات في الضفة الغربية، حيث حُرم الفلسطينيون من ثمار الزيتون التي سرقها المستوطنون. وكأنهم يقولون للفلسطيني: أنت غريب في هذه الديار، وعليك أن تحزم أمتعتك وتغادر بلدك!
إلى متى سوف تستمر هذه المظالم التي باتت مشهداً يومياً؟ فالضفة الغربية محاصرة بشكل كامل، والبوابات الحديدية والحواجز العسكرية تحيط بها من كل حدب وصوب، فيما باتت المستوطنات ظاهرة تتّسع رقعتها على حساب الأراضي الفلسطينية.
المستوطنون المتطرفون والجهات الداعمة لهم يعتبرون أن سرقة أرض الفلسطيني حلال، وقتل الإنسان الفلسطيني حلال، والاعتداء على أرزاقه وأشجار زيتونه حلال. فكل هذه الممارسات التي لا يجوز أن تحدث انطلاقاً من القيم الروحية والإنسانية، يرتكبها المستوطنون المتطرفون بدعم واضح من جهات معروفة، هدفها النيل من عزيمة الإنسان الفلسطيني والإمعان في تصفية القضية الفلسطينية.
الحلال يبقى حلالاً، والحرام يبقى حراماً، حتى وإن حلّله المستوطنون وآباؤهم الروحيون الذين يعتقدون أن استهداف الإنسان الفلسطيني في مختلف تفاصيل حياته أمرٌ مشروع.
نقدّر عالياً وجود بعض اليهود المسالمين، وهم من دعاة السلام، الذين يذهبون إلى هذه المناطق المستهدفة لمساعدة الفلسطينيين في قطف ثمار زيتونهم. وهذا ما تقوم به أيضاً وفود آتية من مختلف أنحاء العالم للتضامن مع الفلسطينيين، ليس في موسم الزيتون فحسب، بل تعبيراً عن تعاطفها ووقوفها إلى جانبهم في محنتهم وآلامهم وأحزانهم، وفي مواجهة ما يتعرّضون له من مظالم.
الفلسطينيون أوفياء لكل من يتضامن معهم ويقف إلى جانبهم، ولكل من يقول «لا» في وجه هذه السياسات العنصرية الغاشمة التي تستهدف الشعب الفلسطيني المظلوم.
إن القيم الإنسانية توحّد الأحرار في كل مكان، وتدفعهم إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
قبل أيام، تحدّثت في مظاهرة في إحدى المدن الأمريكية، وكان المشاركون فيها من اليهود والمسلمين والمسيحيين، ومن أتباع ديانات وأعراق أخرى، وقد وحّدتهم معاناة الشعب الفلسطيني. وما أحلى وما أجمل أن تتوحّد الإنسانية كلها في الدفاع عن شجرة الزيتون التي ترمز إلى السلام، وفي الدفاع عن الشعب الفلسطيني المنكوب والمظلوم.
العالم كله يتغيّر، وفي مختلف القارات، حيث بات اتساع الوعي بعدالة القضية الفلسطينية ظاهرة تتنامى يوماً بعد يوم، حتى في أوساط لم تكن تعرف عن الفلسطينيين شيئاً سوى ما تبثّه أبواق التحريض، التي تصوّر الفلسطيني وكأنه قاتل وإرهابي ومجرم لا يؤمن بالحياة. فهناك أبواق إعلامية مأجورة في عالمنا تشوّه صورة الشعب الفلسطيني وثقافته ورقيّه وإنسانيته، لكن نفوذ هذه الأبواق آخذ في التراجع، وبات كثيرون يدركون ما تبثّه من أكاذيب وتضليل.
إن دماء الفلسطينيين المسفوكة في غزة، وما يتعرّض له الفلسطينيون في الضفة الغربية، أبلغ من أي خطاب. ولا تستطيع أي قوة في العالم اليوم حجب الحقائق والوقائع، إذ بات الطفل الفلسطيني، بهاتفه المحمول البسيط، قادراً على توثيق الجرائم المرتكبة بحق الإنسان الفلسطيني، وإيصال هذه المشاهد إلى مختلف أنحاء العالم. وقد أصبحت هذه المشاهد عاملاً مؤثراً في الرأي العام العالمي، حيث باتت مناصرة الشعب الفلسطيني والتضامن معه ظاهرة ملموسة في أماكن كثيرة، حتى في الأوساط التي كان اللوبي الصهيوني يتمتّع فيها بنفوذ واسع.
العالم يتغيّر وسوف يستمر في التغيّر، ولعلّنا نحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تصل الشعوب إلى مرحلة تصبح فيها قادرة على التأثير في سياسات الحكام وقراراتهم.
لقد بات واضحاً أن هناك تغيّرات دراماتيكية تحدث في أكثر من مكان في هذا العالم. وإن كنت لا أريد الإفراط في التفاؤل، الا اننا نشهد اليوم اتساعاً في رقعة الوعي والتضامن مع الشعب الفلسطيني في مختلف أنحاء العالم.
لقد وثّقت عدسات المواطنين الفلسطينيين اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون. وربما عجز بعض هؤلاء المواطنين عن الوصول إلى ثمار زيتونهم، لكنهم نجحوا في إيصال معاناتهم إلى سائر أنحاء العالم.
إن لشجرة الزيتون في فلسطين رمزية كبيرة ومهمة؛ فهي ترمز إلى السلام والأصالة والعراقة، كما ترمز إلى جذور الفلسطيني العميقة في تربة هذه الأرض.
إن المستوطنين، من خلال اعتداءاتهم على أشجار الزيتون، يريدون اقتلاع الفلسطيني من جذوره، وكأنهم يقولون له إن السلام ليس مكانه هنا. لكنهم، باعتداءاتهم وممارساتهم الظالمة، إنما يقتلون السلام الذي يتمناه كل انسان حكيم و عاقل في هذا العالم.
لقد قلت سابقاً إن العالم يتغيّر وسوف يتغيّر، ونحن نتمنى أيضاً أن يتغيّر الحال العربي، وأن يتبدّل الواقع العربي إلى ما هو أفضل.
لكن يبقى أمامنا الواقع الفلسطيني الذي يحتاج إلى كثير من الإصلاح والتغيير. فليس من المنطق أن يتغيّر العالم لصالحنا، فيما يبقى الحال الفلسطيني على ما هو عليه، من دون الإصلاحات الضرورية التي تنسجم مع مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
لست بحاجة إلى أن تكون محللاً سياسياً لكي تدرك أن الواقع الفلسطيني، في وضعه الراهن، ليس وضعاً صحياً ولا مقبولاً على الإطلاق. وأنا هنا لا أتحدث بلغة الأحزاب والفصائل، فأنا لا أنتمي إلى أي فصيل أو حزب، بل أنتمي إلى شعب مظلوم يستحق الحياة الكريمة التي يستحقها كل إنسان في هذا العالم.
ليس من اللائق أن يبقى الحال الفلسطيني على ما هو عليه، فقد باتت الإصلاحات مسألة ضرورية وليست ترفاً فكرياً، وعلى جميع الأطراف الفلسطينية أن تتحمّل مسؤولياتها التاريخية. فمن العيب والعار أن يتّسع التضامن في عالمنا مع شعبنا، فيما نبقى نحن في هذا الحال من الترهل والضعف والوهن والخلل.
لقد باتت مسألة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي في غاية الأهمية، وأصبحت مطلباً ملحّاً لدى كثيرين من أبناء شعبنا، وكذلك لدى أصدقائنا في مختلف أنحاء العالم.
نتمنى أن تصل رسالتنا إلى حيث ما يجب أن تصل.
احترموا دماء شعبنا وتضحياته، واحترموا معاناة الإنسان الفلسطيني، واحترموا شجرة الزيتون التي تُستهدف في وضح النهار، وكأنها مُدانة لمجرد أنها متجذّرة في هذه الأرض.
ليس كافياً أن يتضامن العالم معنا إذا لم نتضامن نحن مع أنفسنا. فكما يتغيّر العالم لصالحنا، يجب أن يتغيّر الواقع الفلسطيني لصالح الفلسطينيين وقضيتهم العادلة.
وستبقى شجرة الزيتون رمزاً للسلام والصمود، وسيبقى الفلسطينيون أبناء هذه الأرض، وليسوا غرباء فيها كما يريدهم الاحتلال أن يكونوا.
يا رب، امنح السلام والعدل لأرض تتوق إلى العدالة والسلام.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 16 تشرين الأول 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى