فشل نظام ما بعد الطائف… هل لبنان بلد قابل للإصلاح؟ (1) المحاصصة وتعطيل الإصلاح ومسؤولية تحمّل الخسائر

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية ورئيس مركز السكان والتنمية.
مقدمة
«هذا البلد غير قابل للإصلاح»… بهذا التصريح، الذي نقلته صحيفة «الأخبار» عام ٢٠١٨، انتقد السفير بيار دوكان، المكلّف متابعة تنفيذ مقرّرات مؤتمر «سيدر»، تعثّر الإصلاحات التي التزم بها المسؤولون اللبنانيون.
ويطرح التصريح سؤالاً أساسياً: لماذا تعاقبت الخطط والقوانين والمبادرات الدولية، بينما استمر تعطيل المعالجة؟ تبحث الدراسة دور المحاصصة في توزيع السلطة والموارد وإضعاف التنفيذ والمساءلة، بمقارنة الالتزامات بنتائجها، استناداً إلى الوثائق المتاحة حتى ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
أولاً ـ نظام ما بعد الطائف: المحاصصة وتعطيل مؤسسات الدولة
1 ـ التوافق السياسي بين الدستور والممارسة
أعاد اتفاق الطائف توزيع الصلاحيات داخل السلطة، لكن الممارسة اللاحقة جعلت التوافق السياسي يتجاوز، في حالات عديدة، حدود المشاركة إلى اشتراط موافقة القوى الحاكمة قبل اتخاذ القرار. فالمادة ٦٥ من الدستور تمنح التوافق الأولوية داخل مجلس الوزراء، وتتيح التصويت عند تعذّره، بأكثرية الحاضرين، مع اشتراط موافقة ثلثي أعضاء الحكومة في المواضيع الأساسية. وبذلك، لا تفرض إجماعاً دائماً على جميع القرارات.
وتكمن المشكلة في تحويل موافقة الأطراف إلى شرط يقيّد عمل المؤسسة؛ فتعليق القرار بسبب المعارضة السياسية يضيّق مساحة التصويت والمحاسبة، ويربط العمل بتسويات بين القوى.
2 ـ تقاسم الوزارات والتعيينات والموارد
تكتسب المحاصصة أثرها الاقتصادي عندما يتحوّل الموقع العام إلى وسيلة للتحكم بالتعيينات والتعاقدات وتوجيه الإنفاق. عندئذ تتداخل وظيفة المؤسسة في خدمة المجتمع مع دورها في تثبيت نفوذ القوى التي تتحكم بها، وتتراجع معايير الكفاءة والحاجة العامة أمام اعتبارات الولاء والتوازن السياسي.
ويمتدّ تشابك السياسة والأعمال إلى المؤسسات الاقتصادية. فقد عرضت دراسة منشورة عام ٢٠١٩ أن ٤٤٪ من الشركات التي يزيد عدد العاملين فيها على خمسين شخصاً كانت مرتبطة سياسياً، وفق معيار وجود قريب أو صديق مقرّب لأحد أفراد النخبة السياسية في مجلس إدارتها.
3 ـ الأداء البرلماني وحدود المساءلة
تقدّم حصيلة العمل البرلماني خلال ٢٠١٨–٢٠٢٢ شاهداً على هذه الفجوة: فقد عقدت اللجان الدائمة في مجلس النواب ٨٣٠ اجتماعاً، واللجان المشتركة ٨٢ اجتماعاً، بمجموع ٩١٢ اجتماعاً. ومع ذلك، لم تُنجز اللجان المشتركة تسوية بشأن «الكابيتال كونترول»، ولم يعقد مجلس النواب سوى جلسة رقابية واحدة خلال الولاية المدروسة، بحسب المرصد البرلماني التابع للمفكرة القانونية، وهو مبادرة مستقلة ترصد التشريع والرقابة وأداء مجلس النواب.
4 ـ حق الوصول الى المعلومات وتطبيق القوانين
تتّضح حدود الإصلاح حين يُقرّ القانون، ثم تُعرقل الحقوق التي ينشئها. ومن الأمثلة رفض الأمانة العامة لمجلس الوزراء، في حزيران ٢٠١٩، تزويد جمعيتَي «المفكرة القانونية» و«كلنا إرادة» بمستندات متعلّقة بمعمل دير عمار، متذرّعة بعدم صدور المرسوم التطبيقي لقانون حق الوصول إلى المعلومات وعدم تشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. فحجب المستندات يضعف إمكان مراجعة أسس التعاقد واستخدام المال العام.
ويتكرّر انفصال التشريع عن التنفيذ في ملف النفايات؛ إذ وُثّق استمرار الحرق المكشوف في مواقع خلال تشرين الأول ٢٠١٨، بعد إقرار قانون إدارة النفايات في أيلول من العام نفسه. فتطبيق القانون يحتاج رقابة وعقوبات.
ثانياً ـ خطط الإصلاح: الالتزامات وأسباب التعثر
1 ـ رؤية ماكنزي: تطوير الانتاج وشروط التنفيذ
أُعدّت رؤية لبنان الاقتصادية بواسطة ماكنزي (McKinsey & Company) عام ٢٠١٨، وأعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة نشرها في كانون الثاني ٢٠١٩. وشملت تطوير الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات المالية واقتصاد المعرفة، إضافة إلى البنية التحتية وبيئة الأعمال وآليات مأسسة التنفيذ.
وتربط الرؤية النمو بتطوير الإنتاج والتصدير وفرص العمل. ثم غياب التخطيط وعدم تنظيم استخدامات الاراضي في مختلف المناطق اللبنانية ( الخريطة المرفقة من كتاب د. علي فاعور: سنوات الانهيار الكبير 2019-2025، صفحة 480).
|
2 ـ مؤتمر «سيدر»: التعهّدات المالية وشروط الإصلاح
انعقد مؤتمر «سيدر» في ٦ نيسان ٢٠١٨، لدعم الاقتصاد اللبناني وتمويل تطوير البنية التحتية، مقابل التزام الحكومة بإصلاحات مالية وإدارية وقطاعية. وتجاوزت التعهّدات التمويلية ١١ مليار دولار، معظمها قروض؛ وهي موارد معلنة لتمويل مشاريع وإصلاحات، ولا تعادل هذه المبالغ أموالاً صُرفت أو مشاريع أُنجزت.
وتضمّن الإعلان المشترك التزاماً بتصحيح مالي مقداره خمس نقاط مئوية من الناتج المحلي خلال خمس سنوات، من خلال إجراءات على الإيرادات والنفقات، ومنها تقليص التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان. كما شملت الالتزامات تحسين الحوكمة والمشتريات العامة وإدارة الاستثمار، وإصلاح الكهرباء والمياه والنفايات.

3 ـ خطط التعافي وإصلاح الإدارة والمالية العامة
بعد الانهيار، انتقلت الأولوية إلى الاعتراف بالخسائر ومعالجة الدين وإعادة هيكلة القطاع المالي، لكن الخلاف حول تقدير الخسائر وتوزيعها أعاق بلورة خطة تعافٍ مشتركة. وقد انتقد تقييم العمل البرلماني للفترة ٢٠١٨–٢٠٢٢ اعتراض لجنة تقصّي الحقائق المالية على تقديرات الخطة الحكومية وتقارب موقفها مع مواقف مصرف لبنان وجمعية المصارف.
وفي موازاة المعالجة المالية، يتطلّب التعافي إصلاح الإدارة التي ستنفّذ الخطة: ضبط الحسابات، وتحسين التحصيل، وإدارة الإنفاق والاستثمار، وتفعيل الرقابة على المؤسسات العامة.
4 ـ أسباب التعثّر: تضارب المصالح وتشتّت المسؤوليات
تكشف التجارب أربع حلقات للتعثّر: تنازع المصالح حول كلفة الإصلاح ومنافعه، وضعف تحويل الأهداف إلى برامج مموّلة، وتشتّت المسؤوليات، وقصور المتابعة والتصحيح.
فالتكليف غير المحدّد يسمح بتبادل مسؤولية التأخير، وضعف البيانات يحجب النتائج، وتبدّل الحكومات يقطع استمرارية البرامج إذا لم تُثبَّت موازناتها وآليات متابعتها.
ثالثاً ـ الكهرباء والمصارف: اختباران لجدّية الإصلاح
1 ـ الكهرباء: كلفة مرتفعة وخدمة غير كافية
تكشف أزمة الكهرباء الفجوة بين الإنفاق العام ومستوى الخدمة. فقد بلغ متوسط التحويلات السنوية إلى مؤسسة كهرباء لبنان، بما فيها سلفات الخزينة، ٣٫٨٪ من الناتج المحلي خلال ٢٠١٠–٢٠٢٠، بينما بقيت التغذية غير كافية. ومع الانهيار، تراجعت إلى ساعة أو ساعتين يومياً عام ٢٠٢٢، قبل أن تتحسّن إلى نحو أربع أو خمس ساعات منذ مطلع ٢٠٢٣، وفق البيانات المنشورة عام ٢٠٢٤.
وتشير هذه المقارنة إلى أن استمرار التمويل لم يضمن معالجة الاختلالات التشغيلية. فقد قُدّر فاقد الشبكة، بشقّيه الفني وغير الفني، بنحو ٤٠٪ عام ٢٠٢٣. ويضع هذا الفاقد، إلى جانب انتظام الفوترة والتحصيل، حدوداً لقدرة المؤسسة على تحويل إنتاج الكهرباء إلى إيرادات وخدمة مستدامة.
لذلك، تحتاج زيادة الإنتاج إلى شبكات وإدارة وتحصيل أكثر كفاءة؛ فتمويل الوقود أو تعديل التعرفة وحدهما لا يعالجان أسباب الهدر
وفي المقابل، أدّى نقص التغذية إلى توسّع الاعتماد على المولدات والتجهيزات الشمسية الخاصة، ونقل جزء من كلفة تأمين الكهرباء إلى الأسر والمؤسسات.
.
2 ـ الهيئة الناظمة: تأخر التعيين وتحدّيات العمل
صدر قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم ٤٦٢ عام ٢٠٠٢، لكن تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لم يتمّ إلا في ١١ أيلول ٢٠٢٥، بعد نحو ثلاثة وعشرين عاماً. ويشكّل هذا التأخّر شاهداً على الفجوة بين التشريع وبناء المؤسسات اللازمة لتطبيقه.
ويمثّل التعيين خطوة فعلية، يتوقّف أثرها على الاستقلال والموارد وممارسة الصلاحيات. وفي تحديث رسمي بتاريخ ١٥ أيلول ٢٠٢٦، أعلنت الوزارة العمل على تدقيق حسابات مؤسسة الكهرباء للسنوات ٢٠٢٣–٢٠٢٥ وتقييم أصولها، وعلى إعداد تنظيم قطاع التوزيع بالتعاون بين الهيئة الناظمة والبنك الدولي.
3 ـ المصارف: تقدير الخسائر ومسؤولية تحمّلها
تتمحور الأزمة المصرفية حول الاعتراف بالخسائر وتوزيعها وإعادة بناء قطاع قادر على العمل. وقد قدّرت تقارير عام ٢٠٢٣ خسائر النظام المالي بنحو ٧٠ مليار دولار، مع تأكيد الحاجة إلى مراجعة أصول المصارف واستكمال إعادة هيكلة الدين لتحديد الحجم الدقيق.
ويكشف تداخل ميزانيات الدولة ومصرف لبنان والمصارف سبب حساسية المعالجة؛ إذ يؤثّر تقدير خسائر كل جهة في حقوق الجهات الأخرى والتزاماتها. لكن تأخير الحسم أبقى المودعين تحت القيود على السحب، وأضعف قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.
وقد أكّد صندوق النقد في أيلول ٢٠٢٦ ضرورة ألّا يتحمّل المودعون خسائر قبل المساهمين والدائنين ذوي المرتبة الأدنى، وأن تكون ترتيبات السداد متّسقة مع قابلية القطاع المصرفي للاستمرار واستدامة الدين العام.
4 ـ صندوق النقد: شروط الاتفاق والمعالجة المالية
أُعلن في ٧ نيسان ٢٠٢٢ اتفاق على مستوى الخبراء لبرنامج محتمل بنحو ٣ مليارات دولار على مدى ٤٦ شهراً، مشروطاً بإجراءات مسبقة وموافقات لاحقة. ولم يكن الإعلان اعتماداً نهائياً للبرنامج أو بدءاً بصرف التمويل.
وفي آذار ٢٠٢٥، رحّب صندوق النقد بطلب السلطات برنامجاً جديداً، وهو مسار ينبغي تمييزه عن اتفاق الخبراء لعام ٢٠٢٢. ثم اعتبر في أيلول ٢٠٢٦ تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف تقدّماً مهماً، مع ضرورة استكمال إطار الاستقرار المالي واسترداد الودائع.
وفي ١ تشرين الأول ٢٠٢٦، ظلّ التوصّل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مرتبطاً بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ، وإطار مناسب للفجوة المالية، وموازنة ٢٠٢٧ وإطار مالي متوسط الأجل متّسقين مع استدامة الدين، إلى جانب إصلاحات الحوكمة والإدارة المالية العامة.
خلاصة: من إقرار الإصلاح إلى تنفيذ نتائجه
تكشف هذه الملفات أن الخلل يتجاوز نقص الخطط إلى تعطيل تنفيذها، بفعل تشابك المصالح وتأخير الحسم. وتتيح الخطوات التشريعية والمؤسسية اختباراً عملياً: هل تتحسّن خدمة الكهرباء وتُستعاد حقوق المودعين، أم تستمر الفجوة بين القرار ونتائجه؟
وتبحث الحلقة الثانية الأعباء التي يتحمّلها اللبنانيون، وتفاعلها مع النزوح وحدود التمويل والصدمات المتلاحقة.



