السعودية تعود إلى الحرب في اليمن لكن من غير المؤكد أنها ترغب بالوصول إلى صنعاء..

موقع “والا” الإسرائيلي
البروفيسور عوزي رافي
عودة السعودية إلى الحرب في اليمن، لا تعني بالضرورة رغبتها في الحسم، بل لأن ثمن تجنبها بات يفوق ثمن التدخل. فالمملكة، التي سعت إلى الخروج من مستنقع اليمن، وتوجيه مواردها نحو التنمية، وإبعاد الحرب عن مدنها، تكتشف الآن أن السلام الذي اشترته كان مشروطا.
لم يعد الحوثيون يشكلون تهديدا عبر الحدود فحسب، بل إن سيطرتهم على مداخل باب المندب وتدميرهم للبنية التحتية، يهددان طرق التصدير وقدرة الرياض على تحديد أجندتها. وتُعد عملية “فجر اليمن” محاولة لاستعادة مساحة العمل المتآكلة. ويكمن وراء هذا القرار أيضا خيبة أمل من الولايات المتحدة.
المساعدة الأمريكية المُعلن عنها الآن مهمة، لكنها لا تُعادل تحمل مسؤولية الحملة. بالنسبة للسعوديين، باتت الفجوة بين الشراكة الاستراتيجية والاستعداد للقتال نيابةً عنهم واضحةً للعيان. ويبقى قرار خوض المخاطر وتكاليفها قرارهم في المقام الأول. أما واشنطن فلها حساباتها الخاصة. فالمواجهة مع إيران تتطلب اهتماما وموارد، وقد يؤدي فتح جبهة أخرى إلى توسيع نطاق حرب تجاوزت بالفعل وعودها الأولية.
وفي الرياض، تختلف الحسابات: فعندما تكون المنشآت النفطية والمطارات والممرات الملاحية مُهددة، فإن حدود التدخل الأمريكي تستدعي البحث عن دعم إضافي. ويعكس تفعيل الترتيبات الدفاعية مع باكستان وتركيا محاولةً لتوسيع مصادر المساعدة. وفي الوقت الراهن، على الأقل، يبدو أن الفجوة بين الالتزامات السياسية والقدرات العسكرية المتاحة والمنسقة لا تزال قائمة. في غضون ذلك، يتغير المشهد في مضيق هرمز. إذ يُظهر انتعاش صادرات النفط من دول الخليج أن قدرة إيران على تحويل تعطيل الملاحة البحرية إلى خنق اقتصادي طويل الأمد تتضاءل.
يُعدّ التقدم المُعلن على الساحل، مهما، لكن صورة السيطرة لا تزال مثيرة للجدل. فحتى استعادة المواقع لا تُزيل في حد ذاتها خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة. ترى بعض التحليلات، أن سرعة التقدم، تعكس الخداع: ركز الحوثيون على تعز، بينما تقدمت القوات الحكومية من محور كهوب باتجاه المضيق. وهذا يُسلط الضوء على نقطة مهمة: نجاح عنصر المفاجأة ليس بالضرورة دليلاً على انهيار الخصم. حتى مئة ألف جندي لا يضمنون النصر. كتائب العملاق، والحرس الوطني، وقوات طارق صالح، والوحدات الحكومية، تمتلك الخبرة والقوة النارية، ولكن، تاريخاً مختلفاً، وولاءات متباينة، وأحياناً أهدافاً مختلفة، ويواجهها خصم صمد أمام القصف السعودي والأمريكي والبريطاني لعقد من الزمان، ولا يزال يُسيطر على المنطقة التي يقطنها معظم سكان اليمن.
إذن، لا يكمن السؤال في عدد المقاتلين الذين يمكن حشدهم، بل في إمكانية تحويلهم إلى جيش قادر على التقدم، ثم الصمود. وهنا يكمن جوهر التوتر. فقد أعلن رئيس المجلس القيادي الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أن الهدف هو تحرير صنعاء، وإنهاء الانقلاب، واستعادة سلطة الدولة في جميع أنحاء اليمن. أما المصلحة السعودية العاجلة فهي أضيق نطاقا: حماية المملكة، وإبعاد الحوثيين عن باب المندب، وتأمين طرق التصدير.
تلتقي الأهداف عند باب المندب، لكنها تتباعد في الطريق إلى صنعاء. وقد تكون استعادة الساحل كافية للرياض لتغيير موازين القوى والعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة. أما بالنسبة للحكومة اليمنية، فقد تكون هذه مجرد بداية الحملة. لذا، قد تمنح عملية “فجر اليمن”، السعودية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة صياغة شروط المفاوضات.
قد يُعيد ذلك إشراك اليمن في حرب تتسع أهدافها باستمرار لتتجاوز احتياجاتها. استعادة باب المندب قد تُشكّل إنجازا استراتيجيا، أما فتح صنعاء فهو قصة أخرى. ولكي لا يُفضي الفجر الموعود إلى ليل طويل آخر في اليمن، ستحتاج السعودية ليس فقط إلى معرفة كيفية بدء الحملة، بل تحديد نقطة توقفها.



