كابوس القاهرة سيناريو سيناء الذي قد يُشعل مواجهة عسكرية مع إسرائيل

جاكي هوجي
تُثير الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قلق القيادة المصرية، وكذلك حكومات المنطقة، من إيران إلى السعودية ولبنان والأردن ورام الله. الجميع يترقب بشغف الحكومة التي ستُشكّل في اسرائيل، ومصير المنطقة بأسرها.
في السعودية، يُثبت الحوثيون أنهم خصم عنيد. وقد عرضت مصر على السعودية المساعدة في اعتراض الصواريخ. قال السيسي إنه منذ توليه السلطة عام ٢٠١٣، أجرى عدة محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. وكشف قائلاً: “في اجتماعاتنا، قلت له إن إقامة دولة فلسطينية فرصة ستجلب الاستقرار لنا جميعاً، وتتيح اندماج إسرائيل الحقيقي في المنطقة.” واختتم السيسي حديثه بخيبة أمل قائلاً إن بنيامين نتنياهو لم يقتنع، لكن اللحظة اللافتة في حديثه جاءت لاحقاً.
بدأ السيسي حديثه قائلاً: “يعلم نتنياهو جيداً أن مصر لا تشكل تهديداً لإسرائيل. قال لي ذات مرة: قل لي، لماذا تتسلح، ولماذا أشتري الأسلحة. فأجبته: لم أفكر يوماً أن قوة إسرائيل تشكل تهديداً لي. وأعتقد أنه يجب عليك أيضاً أن ترى في قوة مصر شيئاً لا يهددك. نحن نعيش في منطقة مضطربة، وعلينا أن نكون أقوياء للحفاظ على السلام، ليس فقط مع إسرائيل، بل مع المنطقة بأسرها.”
كانت تلك لحظة نادرة للاطلاع على حوار دار بين زعيمين من قوى إقليمية تتشارك حدوداً مشتركة. أعرب نتنياهو عن مخاوف العديد من الإسرائيليين في ضوء تسليح الجيش المصري بأسلحة متطورة وتعزيز قواته في سيناء.
لم يطرأ أي تغيير جوهري على العلاقة منذ ذلك الحين، بل ربما ازدادت حدة. شراكة من جهة، وشكوك من جهة أخرى. وقد ورد جزء من إجابة نتنياهو على سؤاله في كلمات السيسي، كما وصفها في ذلك الخطاب. أما الجزء الآخر فيكمن في “القدس”، أو بالأحرى في تل أبيب. صحيح أن إسرائيل حليف لمصر من الناحية الأمنية، لكن سياستها الإقليمية تولي استخدام القوة العسكرية أهمية قصوى تفوق الخيار الدبلوماسي. ولا يمكن لدولة ذات نفوذ ومكانة كمصر أن تتخلف عن الركب في ظل وجود قوة عسكرية طموحة تجاورها. فإسرائيل لا تملك جيشا متطورا وأسلحة متطورة فحسب، بل إن الأمن يأتي في ميزانيتها السنوية على رأس الأولويات، حتى أنه يسبق التعليم.
من منظور القاهرة، بل ومن منظور أوسع، يُعتبر المجتمع الإسرائيلي برمته مجتمعا عسكريا قائما على التجنيد الإجباري. هذا واقع مختلف تماما عن الواقع الذي اعتاده المصريون في حياتهم اليومية. كل بضع سنوات، تجد إسرائيل نفسها متورطة في حرب ما، ويصدر متحدثون باسمها أحيانا تصريحات يصعب تقبّلها، حتى أمام الأصدقاء. فعندما يصدر تصريح من عضو في الكنيست أو وزير بأن الأردن دولة فلسطينية، ترى دول المنطقة في ذلك تمهيدا لسقوط القصر في عمّان.
قبل أسبوعين، قال الوزير بتسلئيل سموتريتش، إن مصر لن تخوض حربا ضد إسرائيل، لأنها تعلم أنها ستخسر سيناء إلى الأبد. وأضاف: “لكن لا، لن نعود إلى حقبة بيغن. الكلمات الأخيرة، حظيت باهتمام كبير في القاهرة. فعبارة “لن نعود إلى حقبة بيغن” تعني من وجهة نظر مصر أن سياسة إسرائيل تغيرت. فاليوم، لن نسعى إلى عقدٍ مماثلٍ لما أبرمته حكومة الليكود عام ١٩٧٩، حين انسحبت من سيناء لصالح اتفاق سلام شامل.
الخوف من طرف ثالث: إسرائيل لن تهاجم مصر، والقاهرة تدرك ذلك، لكن عالمنا متغيّر، ولا يُعرف كيف ستتصرف حكومةٌ مستقبليةٌ يرأسها مرشحٌ من اليمين المتطرف إذا ما نجحت في تشكيل ائتلاف. وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن هذا السيناريو واقعي. لا يقتصر خوف المصريين على التطرف الحاد في السياسة الإسرائيلية وسياستها الأمنية، بل يرون أيضا احتمال نجاح الفلسطينيين في جرّ الطرفين إلى صراعٍ عسكري. وأحد السيناريوهات التي يخشونها منذ عهد حسني مبارك، يتعلق بسيناء، حيث سيقتحم آلاف اللاجئين من غزة، الجدران ويعبرون الحدود، ما سيحوّل وجهة العديد من القوات المصرية إلى منطقة رفح، ويزجّ بها، رغماً عنها، في مواجهة مع جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين على الجانب الآخر من الجدار.
حتى سنواتٍ قليلةٍ مضت، بدت هذه السيناريوهات ضرباً من الخيال. واليوم، لا يستطيع أحد استبعادها بشكل قاطع. يُعدّ الخوف من هجوم إسرائيلي عليهم، سببا رئيسيا لتسليح الجيش المصري، ولكنه ليس السبب الوحيد. ففي عام ٢٠١١، أُطيح بحسني مبارك بعد ٣٠ عاما في الحكم. ومنذ تلك اللحظة، دخلت مصر في فترة مضطربة مليئة بالتهديدات والاضطرابات، شهدنا خلالها ثورات وإراقة دماء. واكتشفت الحكومة في القاهرة ما كانت تعرفه دائما، وهو أن جيرانها لم يكونوا داعمين لها، بل إن بعضهم قد يزيد من الخطر داخل صفوفهم.
كانت ليبيا مُمزقة بسبب حربها الداخلية، وكذلك السودان. وتخلّت الولايات المتحدة، بقيادة باراك أوباما، حليفها المفترض، عنها في لحظة الحقيقة، ووقفت مكتوفة الأيدي. وأرسلت قيادة حماس في قطاع غزة مندوبين عنها لمساعدة جماعة الإخوان المسلمين في نضالها من أجل تغيير النظام. وقدّمت السعودية والإمارات العربية المتحدة مساعدات للبلاد عبر مِنح وقروض دعمت خزائنها العامة المنهكة.
وقفت إسرائيل إلى جانبهم أيضا، لا سيما من خلال تقديم مساعدات عسكرية للقضاء على الجماعات الجهادية في سيناء. لكن لا يوجد عدو أشد خطورة من العدو الداخلي. لقد انطبعت الصدمة في وعي نظام الضباط. تعلموا عن كثب، أن اللحظة التي قد تهتز فيها الأرض، ويُتركون لمواجهة الخطر وحدهم، هم ومئة مليون مواطن ينتظرون منهم إطعامهم يوميا، قد تأتي في يوم ما.
في سعينا للتساؤل عما إذا كانت مصر تُحضّر لمهاجمة إسرائيل يوما ما، علينا أن نبحث عن دوافعها. لقد صرّح السيسي بالحقيقة. فهو ورجاله لا يملكون مثل هذه الدوافع في هذه الأيام. إنهم يدركون القدرات العالية للجيش الإسرائيلي، وحتى لو أقدموا على إشعال حرب، فإن نتائجها ستنقلب عليهم حتما. بالنسبة للقاهرة تحت قيادة السيسي، تُعدّ إسرائيل المستقرة حجر الزاوية لأمنها. ليس لمصلحة إسرائيل نفسها، بل لمصلحة مصر. فعدم الاستقرار على حدود إسرائيل، يُهدد الأمن القومي لجيرانها. وقد أثبتت اتفاقيات السلام الموقعة مع مصر والأردن جدواها خلال حرب غزة. فقد حافظ القصر الأردني على هدوء الحدود، وحافظت مصر، رغم الخسائر المالية والقلق البالغ على حدودها، على الاستقرار في سيناء ونسّقت مع إسرائيل التحركات والمهام المتعلقة بالقطاع.
ماذا عن المستقبل..؟ طالما أن الحكومة في إسرائيل عاقلة ومعتدلة وملتزمة بالاتفاق، وطالما يسود الاستقرار في مصر، فإن إرث بيغن والسادات سيستمر في إثبات نفسه. لن يأتي الخطر من المعتدلين هنا وهناك، بل سيأتي، إن وُجد، من الأوساط المتطرفة، أو عندما تُقوّض النزعة المتطرفة النظام القائم.



