نرفض مظاهر الكراهية والعنصرية أياً كان شكلها ولونها، وأياً كانت الجهة التي تروّج لها.

انعقد في مدينة رام الله، يومي الأربعاء والخميس المنصرمين، مؤتمر في غاية الأهمية، بدعوة من كلية الكتاب المقدس في بيت لحم ومركز جامعة النجاح الوطنية في نابلس للدراسات الدينية، تحت عنوان: «المؤتمرالوطني الأول حول الكرامة والقيم الإنسانية في الأديان». وقد شارك في أعمال هذا المؤتمر ثلّة من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، وشخصيات أكاديمية وعلمية وثقافية. وقد كنت محظوظاً بمشاركتي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، إلى جانب عدد من الشخصيات الدينية والوطنية التي نكنّ لها كل الاحترام والتقدير.
إنه مؤتمر في غاية الأهمية، وينعقد في زمن عصيب، حيث المؤامرات تحيط بنا من كل حدب وصوب، وذلك بهدف تصفية قضية شعبنا والنيل من وحدتنا وأخوّتنا، وإثارة النعرات والفتن في صفوفنا و بين ظهرانينا .
لقد أتت مبادرة عقد هذا المؤتمر في زمن نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى أن نكون معاً وسوياً، مسيحيين ومسلمين، لأن أخوّتنا وتضامننا ولحمتنا هي مصدر قوة لنا جميعاً؛ فهي قوة للمسلم، وقوة للمسيحي، وقوة لشعبنا كله، الذي يعاني من حرب الإبادة ومن مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.
لا أذيع سراً إذا ما قلت إنه مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت و بشكل أوسع ظاهرة التحريض الطائفي، فهنالك من يستغلون هذه الوسائل الإعلامية من أجل بث خطاب يحثّ على العنصرية والكراهية والتكفير وإقصاء الآخر، في حين أن هذه الوسائل المتاحة يجب أن تُستثمر من أجل نشر خطاب المحبة والأخوّة الإنسانية والرحمة، واحترام كل إنسان، حتى وإن اختلف عنا في معتقده أو دينه أو لون بشرته.
نرفض خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض الطائفي، أياً كان مصدره، وأياً كانت الجهة التي تقوم بهذه الممارسات القذرة، لأن مجتمعاتنا اليوم بحاجة إلى الخطاب الذي يقرّب ولا يفرّق، وإلى الخطاب الذي يكرّس التسامح والأخوّة والمحبة، بعيداً عن الكراهية والبغضاء والعنصرية.
أما نحن في هذه الأرض المقدسة، فنحن بحاجة إلى هذا الخطاب الوحدوي الذي يرفض ويلفظ مظاهر العنصرية والكراهية بكافة أشكالها وألوانها.
ففي الوقت الذي يُستهدف فيه أبناء شعبنا في هذه البقعة المباركة من العالم، يجب أن تُكرّس الجهود من أجل الدفاع عن إنساننا المظلوم والمتألم والمنكوب، ولا يجوز على الإطلاق أن تُحرّف البوصلة نحو اتجاهات غير إنسانية أو وطنية. فأي خطاب يحرّض على الكراهية والفتن لا يستفيد منه إلا أعداء الأمة وأعداء شعبنا، الذين ينتهجون سياسة «فرّق تسد».
أن تكون متديناً، فهذا أمر حسن، ولكن التدين شيء، والكراهية والعنصرية شيء آخر.
وبصفتي أسقفاً في الكنيسة الأرثوذكسية، فإنني أفتخر بانتمائي إلى كنيستي العريقة، وأفتخر بانتمائي إلى المسيحية والأرثوذكسية، ولكنني أعتقد أن المسيحية والأرثوذكسية ليستا سوراً يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان. فالمحبة عنصر أساسي من العناصر التي يجب أن يتحلّى بها كل إنسان مؤمن. وعندما تغيب المحبة، فعن أي دين نتحدث، وعن أي إيمان نتحدث أيضاً؟
لا تجعلوا من الإيمان فكرة طائفية مقيتة تحرّض على الكراهية والفتن، بل اجعلوا من إيمانكم وانتمائكم الديني رسالة محبة وأخوّة ورحمة في هذه الأرض التي تنزف دماً، والتي يُستهدف فيها الإنسان الفلسطيني، مسيحياً كان أم مسلماً.
كثيرة هي المؤتمرات التي عُقدت حول مسألة التسامح والتلاقي بين الأديان والشعوب، ونحن في فلسطين لدينا مركز اللقاء، الذي نظّم خلال عشرات السنوات المنصرمة مؤتمرات ولقاءات كثيرة، كان هدفها تكريس الأخوّة واللحمة والوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد، ورفض مظاهر الطائفية والكراهية.
إن المؤتمر الذي عُقد في رام الله كان في غاية الأهمية، وقد بُذلت جهود في إعداد دراسات علمية للمشاركين فيه، ويستحق كل من أسهم في إعداد هذه الدراسات الثناء والشكر.
ولكننا اليوم لسنا بحاجة إلى الدراسات فحسب، وإن كنا لا نقلّل من أهميتها، بل نحن بحاجة إلى المبادرات الخلّاقة والعملية على الأرض، التي تعالج ظاهرتَي العنصرية والكراهية من جذورهما.
فخطاب الكراهية والعنصرية بات يتغلغل في مجتمعاتنا بشكل مقلق، لأنه يهدد وحدتنا وتضامننا وأخوّتنا التاريخية، التي هي أمانة في أعناقنا، ويجب أن نحافظ عليها.
هنالك قواسم مشتركة بين الأديان، وإن كنا نختلف في بعض العقائد، التي قد يكون بعضها جوهرياً وأساسياً. فنحن نختلف في أمور عقائدية، ولكننا نعتقد في الوقت نفسه أن اختلافنا لا يجوز أن يؤدي إلى البغضاء والكراهية والتباعد. فلكل مؤمن خصوصيته وعقيدته التي يجب أن يحافظ عليها، ولكن يجب علينا، في الوقت نفسه، أن نحب بعضنا بعضاً، ذلك لأن الله محبة. ويجب أن نتعامل مع بعضنا البعض كإخوة ننتمي إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، وننتمي إلى أرض مقدسة مباركة تنزف دماً، ويجب أن نكون موحّدين من أجل الدفاع عن فلسطين وشعبها المظلوم والمنكوب.
إن الذين يؤجّجون الخطاب الطائفي إنما يقدمون هدية مجانية للاحتلال، وربما لا تكون هذه الهدية مجانية بل مدفوعة الاجر ، لأننا نعلم جيداً أن الاحتلال يسعى إلى تأجيج الخطاب الطائفي، لأنه المستفيد من هذا الخطاب، الذي يستثمره من أجل إضعاف بنيتنا وجبهتنا الداخلية وتضامننا ووحدتنا.
إن الأخوّة الإسلامية المسيحية، ولا نستثني من ذلك اليهود الذين لا يتبنون الفكر العنصري الصهيوني، هي أساس التلاقي الإنساني والتعايش المشترك.
أقول إن وحدتنا وأخوّتنا، نحن المسيحيين والمسلمين في هذه الديار، ليست ترفاً فكرياً، وليست شعاراً نتغنّى به، بل هما ثقافة وفكر يجب أن نسعى إلى تكريسهما على الأرض، لكي نكون أقوياء في مواجهة التحديات.
أقول، في هذا اليوم المبارك، إننا نرفض خطاب الكراهية والعنصرية، ونتمنى أن يُواجَه هذا الخطاب بالوعي، بدءاً من دور العبادة والمؤسسات التعليمية، وصولاً إلى المنازل، حيث يجب على الآباء والأمهات أن يعلّموا أبناءهم منذ الصغر أن الاختلاف في الدين لا يجوز أن يقودنا إلى كراهية الآخر أو النظر إليه بعنصرية وقلة احترام.
أتذكر جدتي، رحمها الله، عندما كنت طفلاً في قريتي الرامة قبل خمسين عاماً، حيث كانت تقول لنا بلهجتها العامية القروية: «كل واحد على دينه، الله يعينه». فقد تعلّمنا منذ الصغر أن نحب الآخر ونحترمه. وفي مدرستنا التي تعلّمنا فيها في الرامة، كان الطلاب المسيحيون والمسلمون والدروز عائلة واحدة، يعيشون معاً في السراء والضراء. تلك هي المدرسة التي ننتمي إليها: مدرسة المحبة والأخوّة، وليست مدرسة البغضاء والكراهية والعنصرية.
شكراً للقائمين على مؤتمر رام الله، ولكافة المتحدثين فيه، ونتمنى أن تستمر مثل هذه المبادرات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها.
ننتمي إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، فكلنا ننتمي إلى هذه العائلة، ولا يوجد إنسان خلقه الله، وإنسان آخر خُلق بطريقة مختلفة.
كلنا نؤمن بأن الخالق هو الله تعالى، ونؤمن بانتمائنا إلى الإنسانية والعائلة البشرية الواحدة، ولكننا في فلسطين ننتمي جميعاً إلى فلسطين. إن دماء شهدائنا وتضحيات شعبنا وآلام الإنسان الفلسطيني ومعاناته، يجب أن تجعلنا جميعاً أكثر وعياً ورصانة وحكمة ومسؤولية وانتماءً، وأكثر سعياً إلى الأخوّة والوحدة والتضامن، بعيداً عن لغة الطائفية والكراهية والعنصرية.
نسألك يا رب أن تحفظ أرضنا المقدسة، وأن تصونها من كل الشرور، وأن تتحنّن على شعبنا في غزة وفي فلسطين كلها، وأن تنير العقول والضمائر، لكي تعمل من أجل الخير للإنسانية كلها، ولهذه الأرض المقدسة والمباركة بشكل خاص.
أعطنا يا رب سلاماً يبدأ بسلام القلوب، ويتحقق بتحقيق العدالة المغيّبة في هذه الديار.
أعطنا يا رب أن نكون جميعاً كارزين بالمحبة ونابذين لمظاهر الكراهية، فرسالة الإيمان في مجتمعاتنا وفي أرضنا هي رسالة محبة لا حدود لها، ورحمة لكل إنسان، واحترام لكل إنسان، حتى وإن اختلف عنا في دينه أو معتقده.
علّمنا يا رب أن نحب بعضنا بعضاً، لكي نكون موحّدين وأقوياء في دفاعنا عن الحق الذي ننادي به، وفي دفاعنا عن شعبنا المظلوم وقضيته الوطنية العادلة.
المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 23 تشرين الأول 2026

