استراتيجيات وتقارير

يتزايد الضغط على بن سلمان: هل استقرار السعودية في خطر..؟

 

د. يوئيل غوزانسكي: خبير في شؤون دول الخليج، وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب.

تواجه المملكة العربية السعودية حاليا، مزيجا غير مسبوق من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وهي من أشدّ ما واجهته في العقود الأخيرة. فالحرب مع إيران ووكلائها تكشف عن مواطن ضعفها الأمنية، وتُلحق الضرر ببنيتها التحتية وصادراتها من الطاقة، وتُثقل كاهل اقتصادها، وتُشكّك في الافتراضات الأساسية التي بُنيت عليها سياستها في السنوات الأخيرة، ولا سيما قدرتها على ضمان بيئة إقليمية مستقرة ودعم أمني أمريكي موثوق.
تأتي هذه الأزمة في خضمّ تحوّلات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، تتمحور حول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وفي هذا السياق، يبرز سؤال لم يكن مطروحا: هل يُمكن أن يُقوّض تراكم الضغوط على المملكة استقرار آل سعود..؟ الإجابة تتطلب التمييز بين خطورة الأزمة وقدرة النظام على التعامل معها. على مرّ السنين، أظهر آل سعود قدرةً مُذهلةً على الصمود والتكيّف، وحتى اليوم، لا تزال معظم مصادر صمودهم قوية. يمتلك بن سلمان سلطة سياسية غير مسبوقة، ولا تظهر على الأجهزة الأمنية أيّ بوادر انقسام، ولا توجد معارضة منظمة قادرة على تحدّي الحكومة، ولا تزال المملكة تمتلك موارد اقتصادية كبيرة. لذا، لا يوجد حاليا ما يُبرّر استنتاج أن النظام يواجه خطرا وشيكا بالانهيار.
مع ذلك، لا يقتصر الاستقرار في على القدرة بمنع سقوط السلطة فحسب، بل يشمل أيضا القدرة في الحفاظ على تماسك النخبة، وثقة الشعب، وقدرة الدولة على توفير الأمن والازدهار على المدى البعيد. تكمن فرادة الأزمة الراهنة في أنها تختبر في آنٍ واحد الوعدين الأساسيين اللذين بنى عليهما بن سلمان النظام السياسي الجديد: الأمن والازدهار. رؤية 2030 ليست مجرد خطة اقتصادية، بل هي جزء من عقد اجتماعي جديد، يعد الشعب السعودي بالنمو والتوظيف والانفتاح الاجتماعي وتحسين مستويات المعيشة مقابل القبول بمركزية سياسية صارمة. إلا أن الحرب تقوّض الظروف التي جعلت هذه الرؤية ممكنة. فالضرر الذي لحق بالبنية التحتية، واضطرابات صادرات الطاقة، وتزايد الإنفاق الدفاعي، كلها عوامل تُجبر الرياض على تغيير أولوياتها.
مع تزايد الحاجة للاختيار بين الأمن والتنمية الاقتصادية والرفاه، قد تظهر بؤر استياء جديدة. كما أن وعد الأمن يخضع للاختبار. فرغم الاستثمارات الضخمة في الجيش، تكافح السعودية لحماية أراضيها الشاسعة وجميع أصولها الاستراتيجية من التهديدات من عدة جهات. وتزيد الشكوك حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل للدفاع عنها في أي سيناريو، إلى جانب المساعدات المحدودة من باكستان وتركيا، من اتساع الفجوة بين وعد توفير الأمن والقدرة على تحقيقه. قد تُلحق هذه الفجوة ضرراً بثقة المستثمرين وشعور العامة بالأمان، مع أن الهجمات الخارجية قد تُعزز الوحدة الوطنية حول النظام الملكي على المدى القصير.
ربما ينبع التحدي الأكبر لاستقرار النظام من التغييرات التي أدخلها بن سلمان على هيكل الحكم. فخلال العقد الماضي، أضعف مراكز القوى المتنافسة، وقلّل من استقلالية المؤسسة الدينية، واستبدل إلى حد كبير نظام الضوابط والتوازنات الأسري بنظام مركزي مرتبط به شخصياً. وقد منحته هذه الخطوات سيطرةً وقدرةً تنفيذيةً استثنائية، لكنها في الوقت نفسه قلّصت آليات التوازن الداخلي: فكلما ازداد نفوذ بن سلمان، ازداد اعتماد استقرار النظام على نجاحه الشخصي. بالتالي، بينما تُنسب إليه الإنجازات، قد تُنسب إليه الإخفاقات أيضاً.
لا يكمن الخطر السياسي الحقيقي بالضرورة في انتفاضة شعبية، بل في احتمال أن تُتيح أزمة طويلة الأمد، فرصة للعناصر الساخطة داخل العائلة المالكة والنخب التقليدية التي أُجبرت على الخروج من السلطة. حاليا، لا يوجد أي دليل على وجود مثل هذه المنظمة، لكن تآكل الأمن والازدهار، لا سيما إذا اقترن بأزمة خلافة أو توترات في أعلى الهرم، قد يُغيّر موازين القوى الداخلية.
خلاصة القول، أن ثمن الحفاظ على الاستقرار في المملكة، أصبح أكبر. لا ينبع الخطر من تهديد واحد، بل من تراكم ضغوط قد تغذي بعضها بعضا: فالاختراق الأمني يُثني المستثمرين، والتباطؤ الاقتصادي يُقلل من القدرة على تخصيص الموارد، وخيبة الأمل من وعود الحكومة قد تُعمّق التوترات داخل النخبة.
لا توجد حاليا أي مؤشرات على انهيار وشيك، لكن كلما طالت الحرب، ازداد خطر تحول الأزمة الخارجية إلى أزمة سياسية داخلية. والسؤال، ليس فقط ما إذا كان آل سعود سيصمدون في الحرب، بل أي آل سعود سينبثقون منها، وما هو وضع بن سلمان فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى