مقالات رأي

الانتخابات الإسرائيلية… يتغيّر جلد الأفعى وتبقى لدغاتها!

 

نجحت إسرائيل بفرض انتخاباتها كحدث أساسي على مستوى المنطقة، وجعلت ضحايا توحشها والمتحالفين معها ينتظرون نتائج انتخاباتها أكثر مما كانوا ينتظرون انتخاباتهم الداخلية المعلبة في أكثرها والمعروفة النتائج قبل إجرائها، لينجح العدو الإسرائيلي في معركة الوعي والثقافة بغزو العقل العربي والإسلامي وجذبه لانتظار نتائج صناديق الاقتراع الإسرائيلية، كما جذبه لانتظار جنازير الدبابات الإسرائيلية التي تغزو الأرض العربية والإسلامية على أكثر من جبهة، أو طائراته التي تقصف بعيداً عن الحدود.
إن الأحزاب والقادة السياسيين والعسكريين في إسرائيل هم “جلد الأفعى” الإسرائيلية-الصهيونية، الذي يتبدل وفق مصلحة الكيان والتنافس على التوحش، مما يُوقع البعض من الضحايا والرأي العام في فخ “الوهم” والالتباس واستخلاص النتائج الخاطئة، بأن تغيير جلد الأفعى—اسم القائد السياسي أو الحزب، سواء حزب ‘العمل’ أو الليكود أو أحزاب اليمين المتطرف أو الوسط، ومن قيادة “نتنياهو” إلى “إيزنكوت” إلى “بن غفير” وغيرهم—سيبدل في السياسة التوسعية أو يوقف الحرب والتوحش. وهذه قراءةٌ قاصرة لعقيدة الاحتلال؛ فالدولة الصهيونية قائمةٌ على عقيدة دينية وفكرٍ تلمودي وسياسةٍ استيطانية لا حدود لها إلا ما ترسمه حدود قوتها وقدرتها على إخضاع الآخرين واحتلال أرضهم. فقد تتبدل الأسماء وتتغير الوجوه، وتبقى السياسات والنوايا والأهداف واحدة، وكل ما يختلف ويتغير هو التكتيك والأسلوب؛ فالانتخابات لا تُغيّر العقيدة، بل تستبدل “المُنفّذ” وتُنوّع في طُرق اللدغ ونوعية السم—من الاغتيال إلى القصف، ومن الإبادة إلى التهجير والاحتلال.
تعتمد السياسة الإسرائيلية على عقيدة “دينية–سياسية” تُسخّر الفرد، مواطناً كان أم قائداً، في خدمة الكيان والمشروع، بدلاً من تسخير الدولة والشعب لخدمة الحاكم، ولا تمنح أحداً مرتبة القداسة المطلقة أو الحصانة ضد المحاسبة،- كما في منطقتنا- حتى الآباء المؤسسون أو صناع ‘الانتصارات الاستراتيجية’، وفق خصائص البنية الوظيفية للكيان الصهيوني وقدرة المنظومة المؤسسية والعقائدية على الفصل بين “الأفراد” و”المشروع”. فالقيادات السياسيّة والعسكريّة، مهما عَظُمت إنجازاتها الميدانية أو التوسعية، تبقى مجرد “أدوات وظيفية” في خدمة العقيدة والدولة، ويمكن تنحية وسجن مَن حقق للكيان توسعاً هائلاً وفائض قوة وسيطرة، وأن يُساق إلى المحاكمة بتهم فساد في ذروة الحرب، وإزاحته للتخلص من تبعات أدائه كالملاحقة الدولية أو العزلة العالمية مع الاحتفاظ بكامل المكاسب التي تراكمت في عهده، واستبداله بوجه جديد يتولى حماية وتثبيت ما أنجزه الخاسر في الانتخاب، وتجميل الاحتلال، وشرعنة مكاسبه، وتخفيف العزلة والحصار الدولي، والعمل للنجاة من العقوبات والمحاكم الدولية.
تمثّل الانتخابات الإسرائيلية محطة لالتقاط الأنفاس بعد ثلاث سنوات من الحرب المتوحشة التي حققت فيها إسرائيل انتصارات استراتيجية وألحقت خسائر كبرى بمحور المقاومة مع فشلها بالقضاء عليه وفق المخطط الأمريكي-الإسرائيلي-الخليجي وقد نجا محور المقاومة من الحرب الخاطفة على إيران والحرب المستمرة على المقاومة اللبنانية منذ ثلاث سنوات، ويمكن أن يخرج “نتنياهو” مجرم الحرب من الحياة السياسية الإسرائيلية دون أن يحقق الأهداف الأساسية التي أعلنها في خوض حربه على محور المقاومة؛ فلم يستطع إسقاط النظام في إيران، ولم يُدمَّر المشروع النووي الإيراني، ولم يقضِ على المقاومة اللبنانية رغم كل الخسائر التي ألحقها بها، مع تحقيقه لإنجازات استراتيجية بإسقاط سوريا بالتعاون مع تركيا والدول العربية الخليجية، وإبادة غزة، وتحييد المقاومة الفلسطينية المسلحة مؤقتاً.
لن يتغير وضع الجنوب مهما كان الحزب الحاكم في إسرائيل، ومهما كان القائد السياسي كرئيس حكومة أو رئيس أركان جيش؛ فالاجتياحات الإسرائيلية للجنوب تناوب عليها حزبا العمل والليكود، من “شمعون بيريز” إلى “مناحيم بيغن” إلى “رابين” و”شارون” إلى بقية الأسماء المتوحشة. فإسرائيل كيان توسعي، غاصب، متوحش، يتغيّر قادة مشروعه، لكن عقيدته الدينية والسياسية والعسكرية القائمة على القتل والاغتصاب والاحتلال لا تتغير إلا تحت ضربات وقوة المقاومين؛ فإسرائيل لا تؤمن بالمواثيق والاتفاقات إلا كأحد محاور الحرب، ولا تلتزم بالاتفاقات إلا إذا فرضتها قوة المقاومين عام 2000 وكما كان طوال 20 عاماً في جنوب لبنان. الموقف الأساس عدم انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل إعداد القوة لفرض الانسحاب وتحرير الأرض وعودة أهلنا الشرفاء الصابرين.
هل ينجح الجنوب بكسر رأس نتنياهو على صخرة صمود أهله ومقاومته ودعم إخوته في محور المقاومة، وبفرض انسحاب الاحتلال كما أسقطه عام 1999 أمام “إيهود باراك” الذي بادر لإقرار انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000؟
لا يوجد في إسرائيل “حمائم سلام” بل “وحوش حرب”؛ فلا تنتظروا أصوات الناخبين الإسرائيليين، بل انتظروا رصاصات المقاومين التي تصنع وتفرض القرار.
د.نسيب حطيط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى