ديبلوماسية الدوران حول حائط المبكى

نبيه البرجي
على احدى الشاشات دعوة الى “العلاقات الخلاقة بين لبنان واسرائيل” , الاقتداء بالنموذج الفرنسي ـ الألماني بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها . مقارنة في منتهى الغباء . ثمة رجل ألماني شهد عن كثب كيف تم اذلال ضباط بلاده وهم يوقعون صك الاستسلام في فرساي , أطلق الايديولوجيا النازية لتأثره بالفلسفة النيتشوية , فيما كانت عظامه تضج بموسيقى ريتشارد فاغنر , “… وحيث وقع أقدام الآلهة” !
المانيا سقطت , وسقطت معها النازية , لتغدو دولتين , ودون أي دور عسكري , ما أتاح للودفيغ ايرهارد تحقيق المعجزة الاقتصادية . أما اسرائيل فتستند الى ايديولوجيا ماورائية ضاربة في اللاوعي , لتخرج منتصرة من كل الحروب التي خاضتها ضد العرب , باستثناء مرة واحدة عام 2000 . كان الخروج من لبنان لكأنه الخروج من الجحيم . ولكن ماذا حين يعلن رئيس حكومتها انه في مهمة روحية . اقامة اسرائيل الكبرى لنكون أمام عدو لا نظير له حتى في زمن المغول وحتى في زمن الفايكنغ .
تحت مظلة وقف النار تدمر المدن والقرى , ويقتل الأطفال والصحافيون , ويدمر حتى رأس تمثال للسيد المسيح . كل هذا بخلفية توراتية لا تعترف حتى بالوجود البشري للآخرين . والآن أميركا هي التي تفرض وقف النار في اطار خطتها اقامة السلام الأميركي في الشرق الأوسط (Pax Americana ) .
لا أفق للحرب بين أميركا وايران , والتي قد تتجمد مثل الحرب بين روسيا واوكرانيا . في هذه الحال , أي أفق للمفاوضات بين لبنان واسرائيل ؟ ندرك ما هي اليوميات الكارثية للحرب , هل يعني ذلك الذهاب الى المفاوضات (المضنية والمريرة واللامتكافئة) بديبلوماسية الدوران حول حائط المبكى مع رجل القوة العمياء , بالاستيلاء , وبدعوى الدفاع , على الأرض ؟ دونالد ترامب يمسك بالعصا الديبلوماسية والعسكرية . وهو الذي أثبت تماهيه المطلق ان مع الخط الايديولوجي أو مع الخط الاستراتيجي للدولة العبرية . وكنا نأمل أن تكون ورقة المقاومة , بالأداء البطولي , على الطاولة بدل الأيدي الفارغة , وألاّ يكون هناك من يغرز السكين في ظهرها وفي صدرها …
نذكّر بقول شارل ديغول لرجال المقاومة “بقاماتكم كبرياء فرنسا” . وقول ونستون تشرشل “بكم يزهو تاريخ بريطانيا ” . عندنا لا يقال هذا الكلام . هوذا “سلامنا الخلاق مع اسرائيل” !


