“ولاية السفارة”… وتجريم المقاومة تنفيذاً “لاتفاق الإطار”.

بناءً على تصريحات السفير الأمريكي الذي دعا للتسريع بإلغاء قانون مقاطعة العدو الإسرائيلي، وتهديده لرئيس مجلس النواب وقائد الجيش متوعداً (لن تبقى الأمور على حالها، والأسابيع المقبلة ستشهد التغيير المطلوب)، بادرت الحكومة اللبنانية وبدعم من بعض القوى اليمينية المتحالفة تاريخياً مع العدو (القوات اللبنانية والكتائب) وتنفيذاً لبنود “اتفاق الإطار الثلاثي”، إلى إصدار قرار اتهامي ضد المقاومة كتنظيم وثقافة مما رفع منسوب المواجهة بين المقاومة وخصومها الرسميين والطائفيين إلى منعطف في غاية الخطورة، يضع المقاومة بين خياري القبول بإعدامها قانونياً وسياسياً، أو التصدي للعدوان الرسمي والقانوني الصادر في قضية متفجرات ضهر البيدر.
يقع البعض في فخ السذاجة والجهل إذا اعتقد أن القرار الظني يتعلق بانتهاك فردي ارتكبه من نقل المتفجرات ،خاصة بعد إعلان المقاومة رسمياً مسؤوليتها وملكيتها للمتفجرات لمواجهة العدو الإسرائيلي لأن هذا الاتهام يُوجّه بمواده القانونية وعناوينه الجنائية مباشرة للمقاومة بهيئاتها القيادية والتنظيمية، ليُرسّخ لأول مرة في قرارات القضاء اللبناني توصيف المقاومة “جماعة مسلحة خارجة عن القانون”، تنفيذاً لقرار الحكومة واعتبارها كل الأعمال العسكرية والأمنية لحزب الله غير شرعية وخارجة عن القانون، مما يمهد لاتخاذ إجراءات عقابية بحظر التنظيم، أو مصادرة أملاكه ومؤسساته وأملاك المنتسبين إليه، وتجميد أمواله أو فرض الحراسة القضائية عليها.
إن التهم الموجهة في القرار الاتهامي لا تنحصر في الأفراد المذكورين بأسماء أو ألقاب، بل تتمدّد تلقائياً لتجريم عشرات آلاف المقاومين، مع توسيع دائرة الاتهام لتطال كل من يؤيد أو يتبرع أو يدعم المقاومة بتهمة “دعم جمعية أشرار تنتهك أمن الدولة”، وفق عملية تزوير صريحة للحقائق والأهداف فعندما تُعلن المقاومة أن “المتفجرات” وجهتها الجنوب وهدفها قتال ومقاومة المحتل الإسرائيلي، يصرّ القضاء على توصيف هذا الفعل كجرم بناءً على مضمون وبنود “اتفاق الإطار الثلاثي” الذي أصبحت بموجبه الحكومة اللبنانية شريكة في حماية حدود العدو واعتبار قتاله عدواناً على السيادة!
إن قراءة هادئة وعميقة لهذا القرار تظهر المخاطر التداعيات السلبية التالية:
– بدء التنفيذ القضائي والقانوني لاتفاق الإطار الثلاثي، عبر تجريم العمل المقاوم واعتباره تمرداً ومخالفة لقرارات السلطة وخرقاً للسيادة.
– التغطية القضائية للعدوان وتشريعه وتبرئة المحتل بترويج أن سلاح المقاومة هو “السبب في استجلاب العدوان”، ليكون الدفاع عن لبنان خرقاً للسيادة، والاحتلال حامياً لها!
– التجريم المؤسسي الشامل، للمقاومة، بتوسعة الاتهام من دائرته الفردية وإسقاطه مباشرة على كل المقاومين وحزب الله كوجود وهيكلية، واعتبار بنيته التنظيمية وقياداته الآمرة مقصودة بالادعاء الجنائي.
– محاكمة النوايا المفترضة غيابياً، بتلفيق تهم “قصد ارتكاب الجنايات والنيل من سلطة الدولة” دون دليل حسي أو إقرار، ورغم النفي الرسمي والعلني الصريح من المقاومة.
– إدانة وتجريم الذين لم يولدوا بعد على أي فعل مقاوم مستقبلي، سواء كان عسكرياً أم ثقافياً أم إعلامياً أم سياسياً، واعتباره اعتداءً على السيادة والأمن القومي تثبيتاً لشرعية الاحتلال.
– الانقلاب على الميثاقية والقوانين الوطنية والدولية ،بإسقاط حق وواجب الدفاع عن النفس للمواطنين المُعتدى عليهم، بالتلازم مع التنازل عن مقاضاة العدو على جرائمه.
– الاستفزاز وصياغة قانون انتقائي يُحاكم المقاومين ،بالتزامن مع إقرار العفو العام وإطلاق سراح المجرمين وقتلة الجيش اللبناني والمدنيين بالسيارات الانتحارية.
– التأسيس لمنظومة قانونية شاذة على أنقاض المنظومة الأخلاقية والقيمية، بمنح العفو عن تجار المخدرات والعملاء واللصوص ومرتكبي الجرائم الاجتماعية، مقابل ملاحقة وتجريم المقاومين الوطنيين الشرفاء.
إن تجرؤ الحكومة وأجهزتها القضائية على السير في هذا المسار “الانتحاري” غير السيادي والمناقض للوطنية، يضع البلاد على أعتاب منعطف أمني وسياسي خطير، ويفرض على المقاومة وحاضنتها المبادرة الفورية للدفاع عن أبنائها، والتخلي عن سياسات الاحتواء والمساكنة والمهادنة، عبر رفع مستوى المواجهة وإصدار موقف سياسي حاسم يتجاوز تصريحات “رفع العتب” لحماية الوطن والوجود. فكل تهاون في حماية ظهر المقاومين وطرق إمدادهم هو مشاركة غير مباشرة في حصارهم وقتلهم، سواء بقرار رسمي، أو بقرار قضائي كيدي، أو بتقصير المعنيين في حماية أبناء الميدان.
لا تسقطوا في خديعة النجاة “الوهمية” من المجلس العدلي، فقد وضعت السلطة رقابكم في مقصلة القضاء العسكري الذي يملك صلاحيات وأدوات أسرع للإعدام القضائي، دون أن يُغلق الباب أمام نقل الملف إلى المجلس العدلي مستقبلاً بعد إحكام القبضة عليكم.
لا تكرّروا أخطاءكم بإغماض الأعين عن الخطر أو تسخيفه، فاتفاق الإطار الذي يقول البعض إنه “ولد ميتاً” أو “غير موجود”، ما زال حيّاً وشاهداً ومقرراً لموتكم… وإنكاركم الشيء الموجود، لا يعني عدم وجوده!
د.نسيب حطيط

