مقالات رأي

فشل نظام ما بعد الطائف… هل لبنان بلد قابل للإصلاح؟ (2) أعباء النزوح وحدود التمويل وكلفة التعايش مع الأزمات

 

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية ورئيس مركز السكان والتنمية.

 

مقدمة

لا تقتصر كلفة تعثّر الإصلاح في لبنان على الخسائر المالية وضعف المؤسسات؛ فهي تمتدّ إلى دخل الأسر وفرص العمل والخدمات الأساسية. وقد تفاعلت هذه الاختلالات مع أعباء النزوح السوري وقصور التمويل الدولي والصدمات المتلاحقة، فازدادت الضغوط على اللبنانيين والمجتمعات المستضيفة. تتناول هذه الحلقة إدارة الاستضافة وتقاسم أعبائها، ثم آثار الأزمات على الفقر والعمل والهجرة، لتطرح سؤالًا عمليًا: كيف ينتقل لبنان من التعايش مع الأزمات إلى معالجة أسبابها وتقليل كلفتها؟

أولاً ـ النزوح السوري: أعباء الاستضافة وإدارة الأزمة

1 ـ الأعداد والتقديرات وتنسيق الاستجابة

شكّل النزوح السوري الممتدّ اختباراً لقدرة الدولة على إدارة الاستضافة، عبر بيانات محدّثة عن الأعداد والتوزّع والحاجات، وتنسيق المسؤوليات بين الإدارات والبلديات والشركاء الدوليين، وربط الخدمات بالموارد المتاحة.

لكن التقديرات المستخدمة بقيت متفاوتة؛ ففي عام ٢٠٢٣ اعتمدت خطة الاستجابة للأزمة اللبنانية تقديراً يبلغ ١٫٥ مليون نازح سوري، بينما أعلن المدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري (في 6-10-2023)، أن العدد التقديري في لبنان يبلغ 2.2 مليون ، أي ما يعادل 43% من مجمل المقيمين في البلاد، محذراً من أن “انفجار ملف النزوح لن يرحم أحداً بمن فيهم أوروبا”.  وبحسب تقديرات أخرى يصل العدد الى 2.7 مليون نازح، بمن فيهم من لا تتوفر لديهم اقامة قانونية، ويشمل التقدير أيضاً المولودين في لبنان خلال 15 سنة الماضية..

وتحتاج إدارة الملف إلى خطة تحدّد أولويات المناطق والتمويل وتتابع الإقامة والعودة؛ فاختلاف الأرقام دون تفسير يضعف التخطيط والمساءلة.

2 ـ الضغوط على الموارد والخدمات

أضاف النزوح السوري طلباً واسعاً على التعليم والصحة والمياه والكهرباء والسكن، في ظل اختلالات سابقة في هذه القطاعات. وقد قدّر تقييم البنك الدولي لتداعيات الصراع السوري خلال ٢٠١٢–٢٠١٤ زيادة الإنفاق العام بنحو ١٫١ مليار دولار وانخفاض الإيرادات بنحو ١٫٥ مليار دولار. وتخصّ هذه الأرقام آثار الصراع وتداعياته خلال الفترة المدروسة، ولا تمثّل حساباً شاملاً لكلفة الاستضافة الممتدّة.

وفي التعليم الرسمي، ارتفع عدد الطلاب غير اللبنانيين في الصفوف الأول إلى التاسع من ١٩٬٥٢٢ في ٢٠١١–٢٠١٢ إلى ١٤٧٬٢٨٥ في ٢٠١٥–٢٠١٦، أي نحو سبعة أضعاف ونصف، مما استدعى توسيع القدرة التعليمية. وتشمل الأرقام غير اللبنانيين، لا السوريين وحدهم.

وفي الكهرباء، تضافر الطلب الإضافي مع نقص الإنتاج وضعف الشبكات والتحصيل، بينما واجهت المياه والصرف الصحي ضغوطاً مرتبطة بكثافة الاستضافة وحالة المرافق. وصنّف تحليل «أكودكت» (Aqueduct)،  لعام ٢٠٢٣ الصادر عن معهد الموارد العالمية لبنان ضمن الدول ذات الإجهاد المائي المرتفع للغاية؛ وهو يقيس سحب المياه نسبةً إلى الموارد المتجدّدة المتاحة، دون أن يعزل أثر النزوح عن عوامل الإدارة والتسرّب وسائر الاستخدامات.

ويفاقم الطلب الإضافي ضعف المرافق، فتتراجع الخدمات للنازحين واللبنانيين في المناطق المستضيفة.

3 ـ فجوة التمويل وتفاوت التغطية

في عام ٢٠٢٣، بلغت احتياجات خطة الاستجابة للأزمة اللبنانية نحو ٣٫٥٩ مليارات دولار، مقابل موارد متاحة بنحو ١٫٣٤ مليار، أي ٣٧٪ من المطلوب. وشملت الموارد ٩٣٩٫٤ مليون دولار وردت خلال العام و٣٩٧٫٧ مليوناً مرحّلة، فبقي قرابة ثلثَي الاحتياجات دون تغطية .

وتفاوتت التغطية بين القطاعات؛ فبلغت ٤٦٪ للمياه، و٥٤٪ للصحة، و٦١٪ للتعليم، مقابل ٣٪ للطاقة. وتخصّ هذه النسب برامج الخطة، التي تشمل لبنانيين محتاجين ونازحين وفئات أخرى؛ ولا تمثّل تمويل القطاعات الوطنية بكاملها، كما لا يعادل التمويل المتاح الإنفاق المنفّذ فعلياً.

ولا يعني نقص التمويل أن الخزينة سدّدت كامل العجز؛ فقد تبقى احتياجات دون تلبية، أو تتحمّل الأسر والبلديات والمؤسسات كلفتها. ويتطلّب تقييم تقاسم الأعباء تتبّع المساعدات حتى الصرف، وقياس الإنفاق اللبناني المباشر والنتائج.

4 ـ السياسات الدولية وتقاسم الأعباء

برزت المصالح الأمنية الأوروبية في مقابلة نشرتها مجلة الجيش عام ٢٠١٦ مع فيل جونسون، رئيس الخبراء التقنيين في المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، الذي وصف لبنان بأنه “خط دفاع”، وحدوده بداية محتملة لحدود الاتحاد الأوروبي .

وفي ١٢ تموز ٢٠٢٣، شدّد البرلمان الأوروبي على أن تكون عودة اللاجئين طوعية وآمنة وكريمة، واعتبر أن شروطها لم تتوافر في المناطق السورية المعرّضة للصراع، مع الدعوة إلى استمرار المساعدات الإنسانية. ويعبّر هذا الموقف عن تقييم ظروف العودة في ذلك التاريخ.

في المقابل، رأى النائب الأوروبي تييري مارياني، وفق التصريح المنقول في كتاب “أزمة النزوح السوري”، أن القرار يدعم استمرار بقاء اللاجئين في لبنان (1 ص. ١٤٦–١٤٧). ويطرح الخلاف مسؤولية ربط شروط العودة بتمويل يتناسب مع الاستضافة، ودعم العودة المستدامة وإعادة التوطين في دول أخرى، كي لا يتحمّل البلد المضيف كلفة الانتظار.

5 ـ العودة إلى سوريا: النتائج وشروط الاستدامة

فتح التغيّر في سوريا بعد كانون الأول ٢٠٢٤ مساراً جديداً لتقييم العودة. وبحسب بيانات نهاية عام ٢٠٢٥، أوقفت المفوضية تفعيل سجلات ٥٠١٬٦٠٣ سوريين بسبب عودة مؤكّدة أو مفترضة، فيما قُدّر عدد الوافدين السوريين إلى لبنان منذ كانون الأول ٢٠٢٤ بنحو ١١٥ ألفاً. وهذان الرقمان مختلفان في التعريف والتغطية، ولا يتيح طرح أحدهما من الآخر تحديد صافي العودة أو عدد السوريين المتبقّين في لبنان.

وفي آب ٢٠٢٦، أعلنت المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة مواعيد مبدئية لرحلات عودة خلال آب وأيلول، مع دعم النقل ومنح للعودة وإمكان التأجيل بحسب الأمن. وهذه إعلانات عن البرنامج، لا حصيلة للرحلات المنفّذة.

وتُقاس فاعلية العودة بحركة الدخول والخروج الفعلية، ووصول العائدين إلى السكن والخدمات والعمل في سوريا؛ وهي مقوّمات استدامتها.

ثانياً ـ كلفة الأزمات على اللبنانيين

انتقلت آثار تعثّر الإصلاح إلى دخل اللبنانيين وعملهم وخدماتهم، وضاعفت الحروب الأعباء. فبعد نموّ حقيقي قدّره البنك الدولي بنحو ٤٫٢٪ في ٢٠٢٥، توقّع تقرير صيف ٢٠٢٦ انكماشاً بنسبة ٦٫٤٪ بفعل تجدّد النزاع، مما يكشف هشاشة التعافي وتفاعل تعطيل المعالجة مع أضرار الحرب .

1 ـ التحذيرات الدولية من استمرار التعطيل

تكشف مؤشرات سوق العمل في لبنان عن تزايد الأزمات الاجتماعية، ثم ارتفاع كافة مؤشرات سوق العمل وبخاصة ارتفاع حصة العمالة غير الرسمية، وانتشار البطالة بين الشباب ( الشكل المرفق).

وقد تدرّجت التحذيرات الفرنسية مع اتّساع الأزمة: من انتقاد بيار دوكان تعثّر الإصلاح بعد «سيدر» عام ٢٠١٨، إلى تحذير وزير الخارجية الفرنسي آنذاك جان إيف لودريان، في ٢٧ آب ٢٠٢٠، من خطر زوال لبنان وانتقاده توافق القوى السياسية على عدم التحرّك، ثم دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كانون الأول ٢٠٢٢ إلى تغيير القيادات العاجزة عن معالجة مشكلات اللبنانيين .

2 ـ «الكساد المتعمّد» و«الإنكار الكبير»: مسؤولية القرار

ربط البنك الدولي، في تقريرَي “الكساد المتعمّد”(خريف ٢٠٢٠)، و”الإنكار الكبير” (خريف ٢٠٢١)، استمرار الأزمة بالخيارات السياسية وتعطيل المعالجة وحماية المصالح القائمة. ويضع التشخيص مسؤولية القرار في صلب الأزمة، وتأخير معالجة الخسائر في أساس انتقال أعبائها إلى المجتمع .

ويعزّز تقرير المقرّر الأممي (أوليفييه دي شوتر) في لبنان أيار 2022، المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان هذا الاتجاه؛ إذ وصف الأزمة بأنها من صنع البشر، وحمّل الدولة، بما فيها مصرفها المركزي، مسؤولية انتهاكات مرتبطة بالإفقار. كما أبرز اختلالات الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة العامة التي سبقت الانهيار وأضعفت قدرة المجتمع على مواجهته .

3 ـ الفقر وتفاوت القدرة على الصمود

أظهر تقييم الفقر المنشور عام ٢٠٢٤ ارتفاع الفقر النقدي بين اللبنانيين من ١١٪ عام ٢٠١٢ إلى ٣٣٪ عام ٢٠٢٢، وارتفاع فجوة الفقر من ٣٪ إلى ٩٫٤٪، بما يدلّ على اتّساع الحرمان وازدياد عمقه. وتقتصر النتائج على نطاق المسح: عكّار وبيروت والبقاع والشمال ومعظم جبل لبنان .

وفي مقياس مختلف، قدّرت الإسكوا عام ٢٠٢١ أن الفقر المتعدد الأبعاد طال نحو ٧٧٪ من الأسر اللبنانية، مقابل ٨٢٪ من مجموع السكان. ويشمل هذا المقياس الحرمان في مجالات متعددة تشمل التعليم والصحة والسكن والعمل والدخل … وقد وفرت تحويلات المغتربين حماية نسبية لبعض اللبنانيين، بينما قلّصت أسر أخرى إنفاقها على الغذاء والصحة. مما يعمّق تفاوت القدرة على الصمود .

4 ـ العمل والهجرة: تراجع الفرص وخسارة الكفاءات

ارتفع معدل البطالة بين اللبنانيين من ١٢٫١٪ في ٢٠١٨–٢٠١٩ إلى ٢9٫6٪ في عام ٢٠٢3، وفق مسح إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية؛ وهي مقارنة تخصّ تلك المرحلة من الأزمة (الشكل2 المرفق أزمة سوق العمل والبطالة في لبنان) ..

وتقدّم دراسة أُجريت في أيار ٢٠٢٦ مؤشراً أحدث على أثر النزاع؛ إذ أصبح ٣٣٪ من أفراد عينة تضمّ ٢٬٤٨٥ شخصاً من جنسيات مختلفة، كانوا يعملون في القطاع الخاص قبل تجدّد النزاع، خارج العمل وقت المسح.  وتخصّ هذه النتائج العينة المدروسة، ولا تمثّل معدل البطالة الوطني بين اللبنانيين. وقُدّر انخفاض متوسط دخل العمل في العينة بنحو ٤٠٫٤٪، عند احتساب خسارة الوظائف وتراجع المداخيل معاً. وتزيد خسارة العمل ضغوط الهجرة، بينما يهدّد خروج الكفاءات التعافي، وفق التقييم الاقتصادي لعام ٢٠٢٦.

 

 

5ـ التعايش مع الأزمات وكلفة تأجيل المعالجة

يمكن وصف هذا النمط بـ”التعايش مع الأزمات”:  استمرار الحياة بواسطة الموارد العائلية والتحويلات والبدائل الخاصة، مع تأخّر المعالجة وتراكم الخسائر. ويُقاس تجاوزه بتحسّن العمل والخدمات والحماية الاجتماعية، وانخفاض حاجة الأسر إلى التكيّف الفردي المستمرّ.

الخاتمة: شروط قابلية لبنان للإصلاح

تُظهر الدراسة أن تشابك المصالح وتشتّت المسؤولية وضعف المساءلة نقلت كلفة تعثّر الإصلاح إلى اللبنانيين، فيما ضاعفت الحروب وأعباء الاستضافة وقصور التمويل الضغوط.

وتُقاس جدّية الإصلاح باستعادة الحقوق وتحسين الخدمات وفرص العمل والحماية الاجتماعية.

ويتطلّب ذلك مسؤوليات ومهلاً وتمويلاً ونتائج معلنة، وقضاءً ورقابة فاعلين، وشفافية ومعالجة عادلة للخسائر، إلى جانب تقاسم أعباء الاستضافة ودعم العودة المستدامة.

يبقى السؤال: هل تتحوّل المسؤولية السياسية إلى التزام قابل للمساءلة، يحدّد من ينفّذ، وبأي موارد، وفي أي مهلة، ومن يُحاسَب على التعطيل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى