هندسة الأمن الإقليمي كيف كرّس لقاء طهران الرباعي أفول «المظلة الأميركية»؟

حسن حردان
يأتي انعقاد اللقاء الرباعي في طهران، الذي ضمّ مسؤولين رفيعي المستوى من إيران والسعودية وتركيا وباكستان، بمثابة تحوّل جيو ـ سياسي بارز في إدارة أزمات المنطقة.
وتأتي أهمية انعقاد هذا اللقاء من زاوية الظروف الإقليمية والدولية المعقدة، والتحوّلات العميقة التي فرضتها الوقائع الميدانية، وفي مقدمتها تراجع نجاعة أدوات الضغط العسكري والاقتصادي الخارجي (الأميركي) لصالح معادلات جديدة تؤسّس للأمن الإقليمي الذاتي.
أولاً: توقيت اللقاء والأبعاد والدلالات
التحوّل نحو “الأمن الإقليمي الذاتي”: يعكس الاجتماع قناعة متزايدة لدى القوى الإقليمية الرئيسية (العربية، التركية، الباكستانية، والإيرانية) بضرورة إيجاد هندسة أمنية محلية بمعزل عن المظلة الأميركية.
سدّ الفراغ واحتواء التصعيد: جاء التوقيت لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، حيث تسعى هذه القوى لضمان عدم انجراف أراضيها أو مجالها الجوي إلى أي نزاع عسكري أميركي ـ إيراني جديد.
إرساء مرجعية حوار إقليمية: اختيار طهران كمكان للانعقاد يحمل دلالة رمزية وسياسية كبيرة، إذ يكرّس طهران كطرف أساسي وصانع قرار في معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد طرف محاصر أو معزول.
ثانيا: النتائج والدلالات السياسية والأمنية
1 ـ انكفاء خطط إسقاط النظام وتراجع نجاعة الضغوط،
فشل سياسة “المظلة البديلة”: تثبت مشاركة دول إقليمية بارزة لها ارتباطات وثيقة بواشنطن أنّ الرهان على تغيير نظام الحكم في إيران أو إرغامه على الاستسلام للشروط الأميركية أصبح خياراً غير واقعي.
الواقعية السياسية: بدلاً من المراهنة على أدوات العزل والحصار، أدركت عواصم المنطقة أنّ التعامل المباشر والتنسيق مع طهران هو السبيل الوحيد للحدّ من المخاطر وتأمين مصالحها الاستراتيجية.
2 ـ توازنات الطاقة والملاحة في مضيق هرمز،
معادلة الردع البحرية: أثبتت التطورات الميدانية أنّ تأمين الملاحة وحماية تدفقات النفط عبر مضيق هرمز لا يمكن أن يتحققا عبر الحلول العسكرية التكتيكية أو المرافقة الجوية والأنظمة البحرية الأميركية منفردة.
شروط استقرار الأسواق: كشفت الأزمة أنّ استقرار أسعار الطاقة العالمية مرتبط بالاستقرار السياسي والأمني المباشر في الخليج والتفاهم مع الدول المطلة عليه، وليس عبر فرض العقوبات أو محاولات تحييد القوة الإيرانية.
3 ـ معادلة الردع واهتزاز الحماية الأميركية،
إعادة تقييم الضمانات الأمنية: أظهرت الضربات الصاروخية واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة محدودية قدرة واشنطن على توفير مظلة حماية مطلقة وحاسمة لحلفائها.
تنويع الخيارات الاستراتيجية: دفعت هذه المعادلة دول المنطقة إلى تبنّي استراتيجيات تنويع التحالفات والحوار المباشر مع طهران لتجنب أن تكون مسرحاً لأيّ ردود فعل أو هجمات انتقامية.
ثالثاً: النتائج المتوقعة
على المدى القريب والمتوسط
1 ـ إنشاء آليات اتصالات سريعة لمنع الحوادث والتصعيد غير المحسوب.
2 ـ توحيد الرؤى الإقليمية للضغط باتجاه الحلول الدبلوماسية وتجنّب توسّع الصراع.
3 ـ صياغة أطر تبادل تجاري ومالي تخفّف من آثار العقوبات الخارجية على دول المنطقة.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول: إن لقاء طهران الرباعي يُمثل إقراراً إقليمياً جامعاً بانتهاء مرحلة الأحلاف الاستقطابية والرهان على التدخلات العسكرية الخارجية. لقد دخلت المنطقة رسمياً عصر توازن الردع والإدارة الإقليمية المباشرة للأزمات، حيث أصبحت لدى عواصم المنطقة قناعةٌ بأنّ الأمن والاستقرار يُبنَيان بالشراكة والتفاهم الداخلي، لا بالارتهان لمظلات حماية أثبتت الأزمات المتتالية محدودية قدرتها وفاعليتها…


