مقالات رأي

مفاجأة الانتخابات الإسرائيلية: انتفاضة تصويت فلسطينية تخلط الأوراق وتضع الكيان أمام أزمة انسداد بنيوي

 

حسن حردان

شكلت نتائج الانتخابات “الإسرائيلية” تحولاً بنيوياً واستثنائياً في الخريطة السياسية والحزبية داخل الكيان الإسرائيلي؛ إذ أثبتت مجدّداً أنّ الوزن الديمغرافي والسياسي للمواطنين العرب الفلسطينيين في الداخلّ المحتل بات الرقم الأهمّ في المعادلة، كاسراً معادلة التهميش التاريخية ومُعيداً رسم حدود اللعبة السياسية برمّتها.
لقد أحدث الإقبال الكثيف والجريء للشارع العربي الفلسطيني ما يمكن وصفه بـ “انتفاضة صناديق الاقتراع”، والتي أسفرت عن حصد القوائم العربية 19 مقعداً. هذا النجاح التاريخي حرم بنيامين نتنياهو ومعسكره من تحقيق أغلبية الـ (61 مقعداً) اللازمة لتشكيل الحكومة، بينما يتيح الخيار لـ آيزنكوت، إذا تجرأ، تشكيل حكومة وإقصاء نتتياهو عن المشهد السياسي، مما أدخل المنظومة السياسية “الإسرائيلية” في مأزق تشكيل الحكومة ورسّخ حالة من الانسداد السياسي.

أولاً: الدلالات الاستراتيجية للنتائج
تتجاوز نتائج الانتخابات مجرد الأرقام والمقاعد، لتصيغ واقعاً سياسياً جديداً يمكن قراءته عبر عدة محاور استراتيجية:
ـ الكتلة العربية كـ “قوة مرجحة”: إنّ حصول الأحزاب العربية على هذه الكتلة التصويتية الصلبة يمنحها القدرة ليس فقط على تعطيل مشروع اليمين المتطرف، بل ويجعلها القوة المرجحة لتشكيل حكومة تقصي نتنياهو عن المشهد السياسي. لقد بات الاستقرار الحكومي مشروطاً ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بمدى القدرة على التعاطي مع المطالب العربية أو تحييد هذه الكتلة.
ـ عزلة نتنياهو وانحسار خيارات اليمين: حرمان نتنياهو من الأغلبية (بعد حصول ائتلافه على 53 مقعداً، أقلّ من 61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة) يعكس حالة التصدّع والإنهاك داخل الشارع “الإسرائيلي” إزاء سياساته، ويضع نهاية لمرحلة الاستقرار الهش لحكومات اليمين الخالص المدعومة من الصهيونية الدينية، مما يترك معسكره بلا بدائل سهلة ويضعه أمام خيارات أحلاها مر.
ـ اختبار “المعارضة” ومأزق آيزنكوت: في المقابل، تضع هذه النتائج معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت (الذي حصل على 48 مقعداً) أمام اختبار أخلاقي وسياسي شديد التعقيد. ففي حين يطالب قادة مثل يائير غولان بالجرأة والاستعانة بدعم القوائم العربية، يتردّد آيزنكوت المحكوم بإرثه العسكري وأجندته الصهيونية التقليدية، مما يبرز حدة التناقض بين الحاجة لإسقاط نتنياهو والخشية من كسر الـ “تابو” السياسي المتمثل بالاعتماد على العرب الفاسطينيين.

ثانياً: سيناريوات الأزمة
والاحتمالات المطروحة
في ظلّ التوازن السياسي الحادّ بين المعسكرين، يقف المشهد الإسرائيلي أمام أربعة سيناريوات رئيسية:
1 ـ حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت ودعم عربي فلسطيني غير مباشر،
أن يتجرأ آيزنكوت على فتح مسار تفاوضي مع القوائم العربية الفلسطينية لنيل ثقة الكنيست أو تشكيل حكومة أقلية تحصل على “شبكة أمان” من خارج الائتلاف (امتناع النواب العرب عن التصويت ضدّها)، مقابل مكاسب مدنية وإلغاء قوانين تمييزية.
ـ العوائق: الهشاشة الشديدة لهذه الحكومة، ومخاوف المعارضة الصهيونية من ابتزاز اليمين لها بتهمة “التآمر مع العرب”، فضلاً عن رفض أطراف مثل أفيغدور ليبرمان لأي تفاهم مع الأحزاب العربية.
2 ـ حكومة وحدة بضغط أميركي
التدخل المباشر من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض تسوية قسرية بين آيزنكوت ونتنياهو لتشكيل حكومة وحدة (مع اتفاق تناوب)، بهدف ضمان استقرار شكلي وتمرير أجندات إقليمية محددة.
لكن هذا الاحتمال يواجه عقبة الرفض القاطع من القواعد الشعبية للمعارضة التي قامت حملتها بالأساس على شعار إسقاط نتنياهو، إلى جانب اعتراض أقطاب اليمين الفاشي (مثل بن غفير وسموتريتش) على تهميشهم.
3 ـ تكليف نتنياهو ونجاحه في “شق” معسكر المعارضة،
في حال فشل آيزنكوت، يُمنح نتنياهو الفرصة لتشكيل الحكومة، فيسعى عبر الترهيب والإغراءات السياسية لتفكيك كتلة المعارضة واستمالة حلفاء جُدد (أحزاب أو أفراد) لتأمين أغلبية الـ 61 مقعداً.
غير انّ هذا الاحتمال يواجه مشكلة تجاوز الانقسام العميق والتعهّدات المعلنة لقادة المعارضة بعدم الجلوس مجدداً تحت قيادة نتنياهو جعلت عملية الاختراق أكثر صعوبة من السابق.
4 ـ الفشل الكامل والذهاب إلى انتخابات مبكرة جديدة،
في حال استمرار الانسداد وعجز كافة الأطراف عن التوصل إلى صيغة ائتلافية، يتجه الكيان نحو جولة انتخابات جديدة، مع بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تسيير أعمال مؤقتة، لكن في ظلّ مشكلة تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وزيادة حالة الإنهاك السياسي لدى الجمهور الإسرائيلي.

ثالثاً: الآفاق المستقبليّة
تثبت هذه الانتخابات أنّ النظام السياسي الإسرائيلي يعاني من أزمة بنيوية عميقة وعقم دائم؛ إذ بات من المحال على الغالبية الصهيونية حسم خياراتها بمعزل عن المكون الفلسطيني في الداخل المحتلّ.
إنّ التحوّل الجديد لا يكمن فقط في تعطيل خطط اليمين، بل في كشف محدودية قدرة المؤسسة الإسرائيلية على إدارة أزماتها دون الاعتراف بالوزن السياسي للجمهور العربي الفلسطيني (الأخذ بالازدياد عاماً بعد عام مع تزايد التعداد السكاني). وسواء اتجه المشهد نحو حكومة أقلية هشة، أو حكومة وحدة قسرية، أو حتى انتخابات جديدة، فإنّ المؤكد هو أنّ الكيان الإسرائيلي دخل مرحلة غير مسبوقة من التخبّط والتآكل في قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى…

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى