مقالات رأي

زلزال الانتخابات النصفية: الشارع الأميركي يعاقب ترامب ويسحب منه التفويض ويُسقط «قدسية» الدعم لـ «إسرائيل»…

 

حسن حردان

شهدت انتخابات منتصف الولاية لعام 2026 محطة مفصلية في التاريخ السياسي الأميركي المعاصر، حيث وجّه الشارع الأميركي رسالة عقاب سياسي حاسمة ومباشرة للإدارة الحاكمة برئاسة دونالد ترامب. لم تقتصر نتائج هذه الانتخابات على إنهاء هيمنة الحزب الجمهوري على المؤسسات التشريعية عبر استعادة الديمقراطيين للأغلبية المريحة في مجلس النواب والأغلبية الحاكمة في مجلس الشيوخ، بل امتدت لتحدث خرقاً جيو ـ سياسياً غير مسبوق أطاح بشرعية “المساعدات المفتوحة واللامشروطة” لـ “إسرائيل”، وكشفت عن تحوّلات عميقة في البنية الفكرية والتصويتية داخل المجتمع الأميركي… على أنّ صمود إيران في مواجهة الحرب الأميركية “الإسرائيلية” والحصار، ونجاحها في استخدام ورقة مضيق هرمز بذكاء، كان له دور أساسي ومهمّ في هذه الانتخابات، حيث أسهم ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع مستوى معيشة الأميركيين في دفع الناخب الأميركي الى محاسبة ترامب وحزبه في صناديق الاقتراع.

أولاً: الهندسة التشريعية الجديدة:
شلل الإدارة وسحب التفويض الشعبي
إنّ فوز الحزب الديمقراطي ـ بجناحيه التقليدي واليساري التقدمي ـ بالأغلبية المريحة في مجلس النواب واستعادة السيطرة على مجلس الشيوخ يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد التنافس الحزبي التقليدي:
ـ تعطيل الشلل التشريعي: (Gridlock) تمنح الأغلبية المريحة في مجلس النواب الديمقراطيين صلاحية التحكم التام بالميزانية وإقرار القوانين، وهو ما يعني عملياً تجريد إدارة الرئيس دونالد ترامب من قدرتها على تمرير أيّ أجندة محلية أو مالية دون موافقة المعارضة.
ـ الفيتو على التعيينات والسياسة الخارجية: تتيح سيطرة مجلس الشيوخ للديمقراطيين فرض فيتو مباشر على التعيينات الفيدرالية والقضائية والدبلوماسية، وتحويل “لجنة العلاقات الخارجية” إلى أداة رقابة صارمة ومباشرة على قرارات البيت الأبيض وخاصة في الشرق الأوسط.
ـ سحب التفويض الشعبي: تُعدّ هذه النتائج بمثابة استفتاء صريح أسقط مقولة “التفويض المفتوح” الذي ادّعت الإدارة الحصول عليه في الانتخابات الرئاسية والنيابية السابقة؛ حيث تحركت الكتل الناخبة المستقلة والمتأرجحة لفرض نظام “الحكومة المقسمة” ككابح لاندفاعات السلطة التنفيذية.

ثانياً: الاقتصاد والأمن القومي:
حدود الشيكات المفتوحة في زمن الضغوط المعيشية
أظهرت سلوكيات الناخب الأميركي أنّ الضغوط المعيشية الناتجة عن التضخم، والرسوم الجمركية التراكمية، واستنزاف أموال الضرائب في تمويل الحروب والتصعيد العسكري مع إيران، والعدوان الممتدّ في غزة ولبنان، بلغت مرحلة السخط العام.
بات المواطن الأميركي يرى تعارضاً صارخاً بين شعار “أميركا أولاً” وبين استمرار تدفق مليارات الدولارات لدعم مغامرات عسكرية خارجية تسبّبت في رفع أسعار السلع الوقود واستنزاف الموارد الفيدرالية. لقد أثبتت الانتخابات أنّ الصوت الانتخابي انحاز لحماية قدرته الشرائية ومستواه المعيشي على حساب الشعارات الأيديولوجية والعسكرية الإقليمية.

ثالثاً: تصدّع الجدار الإجماعي
حول دعم “إسرائيل” وانحسار نفوذ اللوبي
مثّلت هذه الانتخابات نقطة التحوّل الأكثر خطورة في ملف العلاقات الأميركية ـ “الإسرائيلية”، حيث كشفت النتائج أنّ الدعم المالي والعسكري المطلق لـ “إسرائيل” لم يعد قضية “فوق الخلاف الحزبي”، بل تحوّل إلى موضوع انقسام عميق ومكلف سياسياً داخل واشنطن:
ـ تراجع هيمنة منظمة “أيباك” واللوبي التقليدي: أظهر الاندفاع التقدمي في الانتخابات أنّ قدرة اللوبي “الإسرائيلي” الأميركي على فرض خطوطه على السياسيين الأميركيين قد تلقت ضربة قاسية. لم يعد نقد “إسرائيل” يتسبّب بالضرورة في الانتحار السياسي للمرشحين، بل أصبح رافعة انتخابية تجتذب الشباب والقواعد الشعبية المنزعجة من العدوان المستمر والتداعيات الإنسانية في المنطقة.
ـ مناظرة عبدول السيد وإعلان ترامب التاريخي: تكمن الدلالة الأبرز في اضطرار الرئيس ترامب عشية الانتخابات إلى الإعلان المفاجئ عن وقف المساعدة العسكرية السنوية البالغة 4 مليارات دولار لـ “إسرائيل”. وجاء هذا الإعلان في معرض ردّه المباشر على تصريحات المرشح الديمقراطي التقدمي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبدول السيد، الذي جعل من إنهاء المساعدات غير المشروطة لـ “إسرائيل” ورقة ضغط جماهيرية كبرى، واصفاً إياها باستنزاف لأموال أميركية ينبغي استثمارها داخل المدن الأميركية.
ـ تحوّل المساعدات إلى عبء انتخابي: اعتراف ترامب صراحةً بأنه اتخذ هذا القرار لمنع الديمقراطيين من استخدام المساعدات لـ “إسرائيل” كـ “ورقة هجوم قوية” ضدّ الجمهوريين، يُعدّ إقراراً رسمياً وشفافاً بأنّ دعم “إسرائيل” تحوّل تشريعياً وسياسياً من ميزة انتخابية إلى عبء و”حجة ضدّ الجمهوريين” يجب التخلص منه.

رابعاً: التداعيات على إدارة ترامب
وسياسات المنطقة…
سيكون للتوازنات الجديدة داخل الكونغرس تأثيرات مباشرة ومقيّدة على أدوات البيت الأبيض في التعامل مع أزمات المنطق:
*مستقبل الحروب في المنطقة:
ـ صلاحية المحفظة المالية: سيلجأ الكونغرس الديمقراطي الى تقييد أو اشتراط التمويل المباشر لأيّ عمل عسكري أو شنّ حرب.
ـ الضغط باتجاه الحلول الدبلوماسية: دفع إدارة ترامب الى كبح جماح التصعيد العسكري المباشر والموافقة على مسارات وقف النار لتجنب الصدام مع التشريعين في الكونغرس.
ـ جلسات التحقيق والرقابة: فتح تحقيقات موسعة حول الآثار الإنسانية والمالية للعدوان والحروب بالوكالة.

خامساً: خلاصات واستنتاجات
1 ـ إعادة تفعيل التوازن المؤسساتي: أدّى صندوق الاقتراع الى إعادة إنتاج كوابح لتطويق والحدّ من سياسات التفرّد الترامبي.
2 ـ الاقتصاد يتغلب على العقيد العسكرية: أوضحت نتائج 2026 أن قضايا التضخم والمعيشة والخدمات الداخلية تظل العامل الحاسم الأول في توجهات وقرارات الناخب الأميركي، متقدمة على مغامرات شنّ الحروب الخارجية.
3 ـ تاريخ جديد للمساعدات الخارجية: سقوط قدسية تقديم المساعدات العسكرية اللامشروطة لـ “إسرائيل” واضطرار رئيس جمهورية لأول مرة للحديث عن إلغائها تلبية للضغط الانتخابي يعدّ تدشينا لمرحلة جديدة لم يعد فيها اللوبي “الإسرائيلي” الأميركي التقليدي يحتكر ويملي اتجاهات السياسة الأميركية في المنطقة.
4 ـ ولاية مشلولة وبطة عرجاء: يدخل ترامب المرحلة المتبقية من ولايته في موقف سياسي ضعيف بشكل ملحوظ مما يجعله أشبه ببطة عرجاء، يواجه كونغرس ممتلئاً بالمعارضة ومجتمعاً يتهمه بالخداع والانقلاب على وعوده الانتخابية، وأظهر جاهزيته لمحاسبة السلطة عند مساسها بمستواه المعيشي واستقرار بيئته الاقتصادية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى