ماري حدَّاد… الرئبالةُ الثائرة على الظُّلم والفساد في لبنان (٦)

ماجد مهدي*
… في اليوم الأَوَّل من عام 1973، غربَت شمسُ ماري حدَّاد لتُشرقَ في عالَمٍ آخر! وقد خلَّف غيابُها أَسًى كبيرًا في نفس الدكتور داهش. ذكرياتُه معها لم تكنْ تفارقُ خياله! وتضحياتُها العظيمة من أَجل رسالته بقيَت ماثلةً نُصْبَ عينَيْه! وطَيْفُها الرقيقُ الحاشية كان يراودُه في صَحْوته ورُقاده!… وقد رثاها بكلماتٍ مؤثِّرةٍ بليغة، مُكبِرًا فيها عظيمَ جهادها وتضحياتها، قائلاً:
“…إنَّ السيِّدة ماري حدَّاد جارَت الرسُل بتفانيها المُتواصل وتضحياتها وهي باسمةُ الثَّغر! وسيُخلِّدُها التاريخ!.. وستبقى منارةً مُضيئة تَراها الشعوب فتُمجِّدُ تضحيتَها ما بقيَت دُنيانا، وما بقيَ الجنسُ البشريُّ بكُرتنا الأَرضيَّة!…”

الدكتور داهش في صالون منزله في بيروت عام ١٩٧١
ماري حدَّاد لا يُمكنُ اختصارها في صفحات. إنَّها تاريخٌ طويلٌ من النِّضال والتضحيات الجليلة في سبيل العدالة والحقّ والحرِّيَّة والأُخوَّة الإنسانيَّة!… عرائضُها، رسائلُها، بياناتُها، دفاعاتُها، نشراتُها، كتبُها، مقالاتُها، قطعُها الوجدانيَّة، أَحاديثُها مع الصِّحافة، أَقلامُها، قراطيسُها، ريَشُها، محابرُها، ولوحاتُها الفنِّيَّة، كُرسيُّها المتواضع، طاولتُها البسيطة المُخصَّصة للكتابة، والعكَّازةُ التي رافقَتها في سنوات عمرها الأَخيرة… جميعُ تلك الأَشياءِ الغالية التي خلَّفَتها وراءَها تشبَّعَت بمزاياها الجميلة، وعاينَت روحَها الطيِّبة، فباتَت تُفصحُ عمَّا في تلك الروح من شُموخٍ وسُموٍّ وفُروسيَّةٍ ووفاءٍ وتواضُع، وتحكي قصَّة دفاعها عن الدكتور داهش في وجه مُضطهِديه، وتفانيها من أَجل مبادئه الإلهيَّة السامية، وتَستذكرُ حَدْبَها على أَبناءِ وطنها المُضطهَدين والمظلومين والفقراء والبائسين الذين نكَبَهم أَقرباؤها بأَحكامهم الغاشمة، وتَبكي بحُرقةٍ على ما أَصابها من آلامٍ وهي في الطريق إلى الجُلجُلة، وتُعيدُ بإعجابٍ كبير ما أَعلَنَته للدكتور داهش بعد انتصاره على أَعدائه، وبالتحديد في ذكرى مولد السيِّد المسيح، عن استعدادها لسلوك تلك الطريق معه، من جديد، بكلِّ ما ستلقاهُ فيها من مُقاساةٍ وعذاباتٍ وآلام، وإنْ بالعودة إلى جحيم “العَصفوريَّة” المُرعب، من أَجل الذَّود عنه، وعن رسالته وأَهدافه!

ماري حدَّاد في صالون منزلها عام ١٩٧١
وبعد رحيلها عن الدُّنيا، تابع الدكتور داهش مسيرته النبيلة بكلِّ عزيمةٍ وقوَّةٍ وصبر. لم تَثنِه الصعوبات عن تحقيق أَهدافه الروحيَّة السامية التي شربَ كؤوسَ الآلام العلقميَّة من أَجلها حتَّى الثُّمالة! فالقلم لم يكنْ يُبارحُ يمينه إلاَّ لِمامًا! والقراطيسُ كانت في شوقٍ مُستعر لاحتضان دُرَر فكره! حتَّى في أَقسى ساعات محنته، وأَثناءَ إقامته في مُحتجَبه القسريّ، لم يتوقَّف عن التأليف الأَدبيّ في شتَّى الموضوعات والفنون الأَدبيَّة، وكان في جُملة ما أَصدرَه، آنذاك، كتابه الفذّ “مُذكِّراتُ دينار”! وما إنْ وافى العام 1969 حتَّى بدأَ يرتحلُ حول العالَم، مُستعرضًا المعالم الطبيعيَّة والعمرانيَّة للدول، وجوانبَ من تاريخ الشعوب وحضاراتهم وتقاليدهم وأَنظمتهم، وتقدُّمهم أَو تخلُّفهم في مجالات العلوم والآداب والفنون، وتعلُّقهم بالقيَم الروحيَّة والخُلقيَّة أَو إعراضهم عنها. وكان يزورُ الأَماكن الأَثريَّة والجامعات والمتاحف وكاليريهات الفنّ ودُور العبادة، مُدوِّنًا تفاصيل مشاهداته فيها يومًا بيوم. ولَشدَّ ما كان يُولي الفنون الجميلة اهتمامًا خاصًّا، ويُسهبُ في التحدُّث عن الروائع الفنِّيَّة التي كان يُشاهدُها في أَثناءِ رحلاته، ويشتري ما يروقُه منها ليضمَّها إلى مُتحفه الفنِّيّ العتيد الذي أُنشئَ لاحقًا في مدينة “نيويورك” والذي أُطلق عليه اسم “مُتحف داهش للفنّ” Dahesh Museum of Art. وقد أَصدرَ يوميَّاته عن تلك الرحلات في موسوعةٍ من 22 مجلَّدًا أَسماها “الرحلات الداهشيَّة حول الكرة الأَرضيَّة”.

والجدير بالذكر أَنَّ مؤلَّفاته الأَدبيَّة قد أَربَت على 150 كتابًا. وإلى جانبها، كتَب عشرات المؤَلَّفات التي تناول فيها قضيَّة اضطهاده ودفاعه عن حرِّيَّاته وحقوقه. وكان يَحرصُ أَشدَّ الحرص على الساعات والدقائق والثواني في فرصة العُمر، فلا يدَعُها تُفلتُ من يديه من دون أَن يستفيد منها لترسيخ أُسُس صروحه الفكريَّة والفنِّيَّة العتيدة التي بذلَ عُمرَه ومالَه وجهدَه ونُور عينَيْه من أَجلها، والتي شاءَها أَن تكون مناراتٍ لمجد اللَّه وعزَّته، ولقيَم الروح الخالد والمُثل العُليا، ولخير الإنسانيَّة جمعاء!

وبعد مرور سنتَيْن ونيِّف على رحيل ماري حدَّاد، وبالتحديد في 13 نيسان (أَبريل) 1975، تندلعُ الحربُ الأَهليَّة الطائفيَّة في لبنان، فتعمُّ جرائمُ الخَطف والقتل على الهويَّة عموم البلاد، وتسودُ أَعمالُ السَّلب والنَّهب، وتدورُ المعاركُ الطاحنة في الشوارع، وتتساقطُ الضحايا، ويتردَّمُ العمران… في تلك الآونة، كان الدكتور داهش في بيروت، وكان يتملَّكه أَشدُّ الغضب على مَن تسبَّبوا بتلك الحرب العبثيَّة، مُتستِّرين بالتعصُّب الدينيِّ لغاياتٍ في نفوسهم. فاستلَّ قلمه، شاهرًا إيَّاه في وجه رموز التعصُّب والحقد والفساد. ومع أَنَّ الحرب كانت محصورةً في نطاقٍ جغرافيٍّ ضيِّق من بيروت، في الأَشهر الأُولى منها، فقد بادر بتاريخ 25/10/1975، أَي بعد حوالى ستَّة أَشهرٍ على اندلاعها، إلى وصْف المعارك الدائرة، وجرائم القتل على الهويَّة، والتمثيل بالجُثث، وذلك في قطعةٍ أَدبيَّةٍ له بعنوان “لبنان أَيُّها التعيس” تضمَّنها كتابُه “قيثارة الحبّ”، مُعلنًا فيها غضبته على المُتسبِّبين بتلك الأَحداث، ومُحذِّرًا من عواقبها الوخيمة التي لم تخطُر ببال أَحدٍ سواه في ذلك الزمن المُبكِّر من عُمر تلك الحرب الجهنَّميَّة الطاحنة. وهذه مقتطفاتٌ من تلك القطعة أُعيدُ نَشْرها للذكرى والعِبرة:
“الحُممُ تنصبُّ والقنابلُ تتفجَّرُ، والمُقنبلاتُ تُحمحمُ برهبوتها، فإذا بالشوامخ تخُرُّ وتتبخَّرُ/ نكباتٌ طوَّقَت لبنان بأَسره! يا ويلَه! الأَعداءُ به قد سَخروا/ جُثثٌ ملأَت البطاح، فدُونَ جريرةٍ هؤلاءِ التُّعساء نُحِروا/ حُسين قُتلَ لأَنَّه مُسلم، ويشُوع مُثِّلَ بجسمه إذْ باسم مسيحه يَجهرُ/ والمسيحُ ومحمَّدٌ يتبرَّآن من هذه المخازي المُرعبة فهُم وراءَها تستَّروا/ أَشلاءُ ممزَّقةٌ تَلعقُ الكلابُ دماءَها يا ويحهم! قد طغَوا وتجبَّروا/ وشابٌّ ملءُ بُردتَيْه الشباب سُملَتْ عيناه وأَطرافَه قد بَتَروا/ لا لذَنْبٍ جناه أَو إثمٍ أَتاه قطَّعوه-يا ويْلَه!-إرْبًا إرْبًا وإيَّاه قد شَهَّروا/ أَهوالٌ تتلوها أَهوال، فيا لَلأَهوال المُزلزِلة وهي تَميدُ وتَهدرُ!”

وفي ختام تلك القطعة، يُحذِّرُ الدكتور داهش من مغبَّة استمرار تلك الأَحداث، إذْ إنَّه كان على يقينٍ من أَنَّ ذلك سيؤدِّي إلى تذابح أَبناءِ الشعب وفنائهم، وزوال لبنان، الأَمر الذي سبق له أَن تنبَّأَ به من خلال الكتاب الأَسود الذي أَصدره في عام ١٩٤٦، باسم ماري حدَّاد، والذي أَسماه “لبنان الغريق تمزِّقُه الذئابُ المُفترسة”، وصدَّر غلافه بصورة سفينةٍ ضخمة وهي تغرقُ في اليَمّ، وقد كُتب عليها بالخطِّ النُّسخي العريض عبارة “لبنان الغريق” في إشارةٍ منه إلى مصير لبنان المرعب. ومن أَوجه الغرابة أَنَّ ما تنبَّأَ به في عامَي ١٩٤٦ و١٩٧٥ لم يَخلصْ إليه كبارُ الساسة والمسؤولين في لبنان والعالَم إلاَّ بعد قُرابة نصف قرنٍ من تاريخ كتابة الدكتور داهش قطعتَه تلك، فباتوا يتحدَّثون عن لبنان على أَنَّه أَشبه بسفينةٍ تغرق بمَن فيها، وأَنَّه مهدَّدٌ بالزوال! وهذه مقتطفاتٌ أُخرى ممَّا جاءَ فيها:
“… وإذا استمرَّت المخاوفُ تَتْرى، فجميعُ سكَّان لبنان لا بُدَّ من أَن يُبحروا/ وسيَضمحلُّ لبنان بذهاب بنيه بعدما تُمزَّقُ أَوصالُه وشرايينُه تُفجَّرُ/ وعندما يُدوِّنُ التاريخُ أَنباءَ مذابحه المُرعبة وضحاياهُ الذين قُتلوا وتبَعثروا/ سيقول هنا كان شعبٌ اسمُه الشعبُ اللبنانيّ ولكنَّهم مَخروا / إذْ حاربوا بعضُهم البعض وتذابحوا ثمَّ فَنَوْا وتبخَّروا / فدَعُونا نَذرفُ دموعنا لوعةً عُظمى على لبنان، وعليه نَتحسَّرُ!”


ومن جميل ما أَستذكرُه عن الدكتور داهش ومواقفه الثابتة من تلك الأَحداث، وكنتُ قد عايشتُه عن قُرب في بعض سنوات الحرب، وأَسهمتُ في أَعمال طَبع كتبه ووَضْع تصاميمها، من قبيل التقدير لسموِّها ورِفعتها، أَنَّني قدَّمتُ إليه “تصميم” كتابه الأَدبيّ “أَناشيد البُحيرات”، بناءً لطلبه، كي يراجعهُ قبل دَفْعه إلى الطبع. فجلسَ وأَجلسني عن يمينه، ووضع “التصميم” فوق منضدةٍ صغيرةٍ أَمامه، وابتدأَ بالقراءَة. وفجأَةً رأَيتُه يتوقَّفُ عند قطعةٍ أَدبيَّة من الكتاب بعنوان “وداع عام 1978” تطرَّق فيها إلى المآسي التي عمَّت العالَم في خلال ذلك العام، وإلى المعارك الطاحنة التي دارت في لبنان. وكانت كلماتُه في أَواخر القطعة مَشُوبةً بالغضب الشديد على ما يُرتَكبُ من جرائم مروِّعة في لبنان، وتستنزلُ غضب اللَّه على المشاركين فيها. فأَمسك بالقلم، واستبدل كلامه ذاك بالضراعة إلى اللَّه، وطلَب الرحمة منه للجميع، قائلاً: “تُرى، هل ستَمكثُ هذه الحربُ الضروس مُستمرَّةً بويلاتها الجِسام/ بعد أَن ذهبَت آلافُ الأَرواح طُعمةً للحديد والنار،/ أَم سيرتفعُ غضبُ اللَّه عن لبنان، فيتنفَّسُ الجميعُ الصُّعداء؟/ رُحماكَ ربِّي، وارأَفْ بأَبنائك،/ فرحمتُك لا حدَّ ولا نهايةَ لها،/ فأَنتَ أَرحمُ الراحمين!/”
كانت بيروت تعيشُ في قلب الدكتور داهش ووجدانه، وإنْ شقَّ عليه أَنَّه اضطُهدَ بين ظَهْرانيها، ووقعَ عليه أَشدُّ الحَيْف تحت سَمْعها وبصَرها، وأُبعدَ عنها بالغدر والخيانة! عاش فيها، وأَطعمها حبَّةَ قلبه، ومنحًها نُورَ عينَيْه وفكره، وفي سمائها رفعَ مشعل الهداية الساطع ليُنير به رحابَ العالَم المُظلم! وفي أَحضانها كتبَ معظم مؤلَّفاته الأَدبيَّة، وأَسَّسَ مكتبتَه الخاصَّة الغنيَّة بكنوز الأَدب والفكر، ومُتحفه الرائع الذي أُنشئَ لاحقًا في ضاحية “مانهاتن” بنيويورك، وبات يُعتبرُ مركزًا ثقافيًّا عالميًّا رفيعًا! ومنها كان يرتحلُ إلى أَقاصي الكُرة ليعود إليها مُحمَّلاً بكنوز الفنِّ الجميل ونتاجات العقول! وقد أَسبغَ عليها في مؤَلَّفاته تسمياتٍ جميلة هي أَشبه بالأَوسمة على صدرها، إذْ كان يراها “عروسة المدائن”، و”عروس الأَرز”!…
ومن جميل ما خلَّفَه لبيروت صفحاتٍ مجهولةً رفيعة الشأن من تاريخها المُوغِل في القِدَم ضمَّها كتابُه المُلهم الرائع “مذكِّراتُ يسوع الناصريّ” الذي كشف فيه أَسرارًا دفينةً مجهولة من حياة السيِّد المسيح، ما بين الثانية عشرة والرابعة عشرة من عمره! وقد ذكرَ فيه بأَنَّ يسوع الفتى قد زار صيداء في مطلع صباه، ومكثَ فيها شهرًا كاملاً مُتجوِّلاً في “سوقها الوحيدة”، مخترقًا أَزقَّتها، ومُنقِّبًا في خفاياها، ومتأَمِّلاً “الأَثواب الكتَّانيَّة المنسُوجة بدقَّة، عندما كان العُمَّالُ يصبغونَها بالقِرمز الجميلِ الزاهي الذي اشتُهرَت به مدينةُ صيداء وجارتُها صُور، ثمَّ كانوا يَبعثون بها إلى الملوكِ والأُمراءِ وأَرباب الأَموال”، على حدِّ قوله. كما يذكرُ فيه أَنَّه انتقل منها إلى بيروت، ووُفِّقَ إلى استئجار غرفةٍ فيها، وأَنَّه سار في دروبها، وأَطال “النظر إلى واجهات محلاَّتها التجاريَّة”. وكان يرى بأَنَّها “مدينةٌ جميلةٌ، جذَّابةٌ خلاَّبة، ذاتُ بَهاءٍ ورُواء”، وأَنَّ “حدائقَها لطيفة، ذات أَشجارٍ كثيفة”. وقد شاهد “السُّور الكبير الذي يُحيطُ بالمدينة إحاطة السَّوار بالمعصم”، و”عرباتٍ جميلة تسيرُ في شوارعها، تنقلُ طلاَّب النُّزهة إلى ضواحيها”! وفي الكتاب أَيضًا أَنَّ “يسُوع الفتى أَكملَ [فيها] عامًا كاملاً وهو منصرفٌ عن كلِّ شيء ما عدا دروسَه. وفي نهاية العام كان باستطاعته أَن يقرأَ اللغة العربيَّة، ويَكتُبَها ويَنطقَ بها بسهولةٍ تامَّة. وفي خلال هذا العام كان قد أَتقن العَزفَ على القيثار أَيضًا. فجعل يعزفُ عليها ترانيمَ روحيَّةً عذبة؛ والدافعُ هو تلك المزاميرُ الروحيَّةُ الخشوعيَّة التي كان يُوقِّعُها داوُدُ النبيّ على قيثارته مُستغفرًا بها اللَّه تعالى.”

لكنَّ أَجملَ ما حفِلَ به الكتاب من أَسرار ذلك الزائر الإلهيِّ العظيم هو أَنَّ يسُوع قد احتفى في بيروت بعيد ميلاده الخامس عشر، وأُنشدَت لأَجله ترنيمةٌ روحيَّةٌ رائعة كتبَها آدوم، ابنُ تلميذه بطرس؛ وكلاهما كانا إلى جانبه في رحلته تلك. وهذه أَبياتُ الترنيمة:
“ترنَّمي ترنَّمي/ بيروتُ مهدَ الأُممِ/ قد نلتِ منذ القِدَمِ/ مَجدَ المسيحِ الأَعظمِ/ حبيبِنا يسُوع/
لبنانُ مولاكَ بَدا/ وهو الفِدى وهو الهُدى/ مِن نُوره الفجرُ ارتدى/ وشاحَهُ المُخلَّدا/ حبيبُنا يسُوع/
الطفلُ ينمُو مُسرِعا/ مُبتسمًا مُندفِعا/ في ظلِّه نَمشي معا/ ليَفتدينا أَجمَعا/ حبيبُنا يسُوع/
هذا الفَتى هذا الفَتى/ لأَرز لبنانَ أَتى/ يَلُمُّ شعبًا شُتِّتا/ حَنَّ لهُ والتَفتا/ حبيبُنا يسُوع/
لكِ الهَنا لكِ الهَنا/ بيروتُ يا دارَ المُنى/ يسُوعُ فيكِ سَكنا/ يَجهلُهُ الناسُ هنا/ حبيبُنا يسُوع/
حبيبَنا يسُوع/ إقبَلْ تَهانينا/ حَقِّقْ أَمانينا/ فأَنتَ فادينا/ حبيبَنا يسُوع/
وكُنْ مُقوِّينا/ وكُنْ مُعزِّينا/ فأَنتَ هادينا/ بالرُّوح تُحْيينا/ حبيبِنا يسُوع”
هذه باقةٌ صغيرةُ مِمَّا باح به الدكتور داهش في كتابه عن الناصريِّ الغُرانق! إذنْ فآثارُ خَطوات الناصريِّ ما تزالُ مُرتسمةً في شوارع بيروت التي داسها بقدمَيْه!.. وعَبَقُ روحه الإلهيّ الذي فاح في أَرجائها ما برحَ مُطوِّفًا فيها!.. وترانيمُ ملائكة اللَّه التي كانت تُنشَدُ في حضرته ما زالت تتردَّدُ في فضائها!.. فليت أَبناءَ الوطن يرتقون بأَنفسهم، ويثُوبون إلى رُشدهم، ويزدرُون بالشرور والأَحقاد والأَطماع، ويُعرضون عن دُعاة التعصُّب الدينيّ والمذهبيّ، ويقتدون بماري حدَّاد في مواجهة الطُّغاة والمجرمين من قادة البلاد، وفي إعطاءِ الدكتور داهش، رجُل الروح والخوارق والمعجزات ورسول الحقيقة، وإنْ متأَخِّرين، حقَّه من التقدير والتكريم والدفاع الذي يستحقُّه عن جدارة، والذي قصَّروا جميعًا عن تأديته خلال تعرُّضه للمَظلمة المُظلمة التي حلَّت به! فإنْ هم فعلوا ذلك مَحَوْا بعضًا من العار الذي لَحقَ بهم نتيجة صمتهم عن تلك الجريمة، وأَبعدوا عنهم ظلَّ اللعنة الإلهيَّة التي تضربُ سُرادقها فوق لبنان، كلِّ لبنان، من أَقصاه إلى أَقصاه، منذ ذلك الزمن، واستَزلوا من جديد رحمةَ اللَّه، ورحمةَ سيِّد المجد، عليهم، واستحقُّوا إطلالةً جديدةً من وجهه الإلهيِّ البهيّ تُبدِّدُ عنهم مُدلهمَّات الأَيَّام، وتُبرِّدُ لظى نيرانها المُستعرة، وتردُّ لبيروت وجهها الجميل، وتُسقطُ عنها أَثوابَ العار والمهانة التي أَلبسَها إيَّاها الحاكمون بأَمرهم بظلمهم للدكتور داهش!..

ليتهم يفعلون كلَّ ذلك، فيفتديهم رسولُ المحبَّة، ويُبلسمُ جراحاتهم، ويطوي أَحزانهم، ويَرفقُ بضحاياهم المصابين والمنكوبين والمشرَّدين، وبالفقراء والمُعوَزين والجياع والمظلومين، وبالأَطفال الذين سُرقَت لُقمةُ عيشهم وثيابُ أَعيادهم وأَلعابُهم وكتبُهم وأَغانيهم وضحكاتُهم في ليلٍ أَلْيَل، ولم يبقَ لهم ولو نَذْرٌ قليلٌ من فرحة الحياة!… وليته يستلُّ سوطَه من جديد، ويطردُ به تجَّار الهيكل كما طردَهم في سالف الزمن، ويطردُ معهم مَنْ خانوا شرف الأَمانة في الوطن، ويعصفُ بهم جميعًا، حقًّا وعدلاً، فلا تقومُ لهم من بَعد ذلك قائمة!
* * *
وإلى ختامٍ أَقول: لقد رحلَ الطاغية بشاره الخوري، رئيسُ الجمهوريَّة اللبنانيَّة الأَسبق، عن الدنيا، ورحل كلُّ المجرمين من رجالات عهده الذين شاركوه في جريمته السوداء المُرتكَبة ضدَّ الدكتور داهش. رحلوا وهم يحملون مخازيهم واندثروا، وطوَتهم القبور بعد أَن مثَّلوا الدور الذي اختاروه لأَنفسهم في الحياة _ وبئسَ الدور! _ وبعد أَن دقَّت ساعةُ انتقالهم إلى ضفَّة الحياة الأُخرى للمُثول أَمام عدالة الديَّان الأَعظم!
لقد رحلوا عن الدُّنيا… لكنَّ جريمتهم لم تَرحل؛ فقد بقيَت من بعدهم شاهدًا حيًّا عليهم أَمام الأَجيال! وترحلُ ماري حدَّاد… فيُرافقها رهطٌ من ملائكة اللَّه إلى العالَم السعيدِ البعيدِ المُعدِّ للأَبرار الأَحرار من أَمثالها؛ هناك إلى جانب ابنتها الراحلة ماجدا الشهيدة! في تلك الربُوع القُدسيَّة، غدَت “المُنوِّرة اللبنانيَّة” نَجمةً سعيدةً تشعُّ في الآفاق، وتزيدُها نورًا على نُور!…
* كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا







