الصحف

📰 سيناريو تدخّل عسكري بعد «طلب رسمي» من لبنان مقابل توطين النازحين: الشرع يمهّد لتدخّل سياسي… يفتح الباب أمام أمور أخرى

 

🗞️ إبراهيم الأمين – الأخبار

تكمن مشكلة كثير من اللبنانيين في أنهم يحصرون معنى التدخّل السوري بالوجود العسكري المباشر. والمفارقة أن غالبية القوى المُرحِّبة بأي دور سوري اليوم هي نفسها المُنخرِطة في المشروع الأميركي – السعودي – الإسرائيلي المُناهِض للمقاومة. لكنها تتجنّب المُجاهرة بما تريده فعلاً، لأن ذلك يضعها في موقع حرج أمام الرأي العام. فهذه القوى، من رئيس الجمهورية جوزيف عون ومساعده الحكومي نواف سلام، مروراً بـ«القوات اللبنانية» وحزب الكتائب، وصولاً إلى ما تبقّى من قوى 14 آذار و«ثوار تشرين»، تريد أن يرسل أحمد الشرع قواته إلى لبنان لإنجاز المهمة التي عجزت إسرائيل عن تحقيقها، على أن يغادر بعدها مشكوراً!
أنصار التقسيم أو الفيدرالية في لبنان، يعتقدون بأن أي تدخّل سوري هو عنصر مساعد في تحقيق مشروعهم. فهم يتصوّرون أن السوريين سيتولون أمر مناطق البقاع والشمال وجنوب بيروت، فيما تتكفّل إسرائيل بالجنوب والبقاع الغربي، ويُترك لهم حكم جبل لبنان الشمالي مع أقضية مسيحية أخرى، تمهيداً لتحويلها إلى «موناكو الشرق» تحت مظلة حماية أميركية مباشرة. ويذهب بعضهم إلى حدّ الترويج لفكرة تمركز قوة عسكرية أميركية في هذه المنطقة، تمتدّ من «الساحل المسيحي» شمالاً حتى مرفأ بيروت جنوباً، إضافة إلى محيط السفارة الأميركية في عوكر.

سيناريوات التدخّل العسكري

وفي النقاشات الافتراضية الدائرة، فإن دمشق لن تُقدِم على خطوة كهذه إلا بناءً على طلب رسمي من الحكومة اللبنانية، وبالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يضع مقراته وثكناته العسكرية والأمنية في تصرّف القوات السورية في مواجهة مع حزب الله. كما يفترض السيناريو أن تتولى السعودية والإمارات تمويل الحملة، فيما تؤمّن الولايات المتحدة الدعم اللوجستي اللازم، بما في ذلك منظومة دفاع جوي متطوّرة تحسّباً لأي ردّ إيراني يستهدف دمشق، إلى جانب تزويد القوات السورية بالأسلحة الحديثة، ولا سيما الطائرات المُسيّرة والذخائر الصاروخية. وفوق ذلك كله، يفترض أصحاب هذا الطرح توفير غطاء جوي فعّال للقوات البرية.
قد يبدو هذا السيناريو أقرب إلى الخيال، لكن مجرد التفكير فيه يفرض طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
أولاً: هل يريد أحمد الشرع أن يتحوّل إلى شريك لإسرائيل في حربها ضد حزب الله؟
ثانياً: هل ستجبي دمشق ثمن هذه الحرب توطين مليون ونصف مليون سوري في لبنان؟
ثالثاً: هل واشنطن مستعدّة لتقديم المقابل الكامل للشرع، عبر دعمه في استكمال مشروع توحيد سوريا تحت سلطته، بما يشمل الضغط من أجل انسحاب إسرائيلي من الجنوب السوري، ومساندته في إنهاء التمرّد القائم في السويداء؟
رابعاً: كيف سيتعامل الغرب مع القوى الإسلامية التي ستكون جزءاً أساسياً من أي حملة عسكرية سورية، سواء تلك المنضوية في تشكيلات دمشق، أو المجموعات التي قد تتشكّل من لبنانيين أو من نازحين سوريين يقيمون في لبنان؟

التدخّل القائم… عن بعد

يحرص الشرع، في كل إطلالاته، على نفي وجود مشروع لتدخّل عسكري سوري في لبنان، لكنه، في المقابل، بدأ يتدرّج في الحديث عن دور يمكن أن تضطلع به حكومته في الملف اللبناني. وكانت أولى الإشارات في مقابلته مع قناة «المشهد» الإماراتية، حين شرح موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالطلب من سوريا التدخّل في مواجهة حزب الله. يومها، فتح الشرع الباب أمام نقاش حول صيغة مختلفة للدور السوري، بعيدة عن التدخّل العسكري المباشر. وفي مقابلته مع قناة «الجزيرة» أمس، ذهب خطوة أبعد، عندما أعلن أن سوريا «تبحث مع الحكومة اللبنانية سبل المساعدة في تجاوز الأزمة»، مؤكّداً أن المعالجة «لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تتطلّب حلاً شاملاً يعالج مختلف أبعاد الأزمة»، ومشدّداً على أن «أي حالة فوضى في لبنان ستنعكس بصورة مباشرة على سوريا».
عملياً، أكّد الشرع على مبدأ التدخل السوري في الملف اللبناني، لكنه وضعه ضمن إطار أكثر قابلية للتسويق السياسي والإعلامي، قوامه «التنسيق» مع الحكومة اللبنانية، مع نزع صفة الحصرية الأمنية عنه. وبعبارة أخرى، أراد القول إن دمشق التي تلقّت طلبات أميركية وسعودية للتدخّل في مواجهة حزب الله، لا ترى نفسها مُلزَمة بتنفيذ هذا الدور وفق المسار الذي تريده واشنطن والرياض.
وبينما ينشغل كثيرون بالحديث عن صعوبات تواجه الشرع داخل سوريا، قد تحدّ من قدرته على خوض مواجهة مع حزب الله في لبنان، فإن ما يتناساه اللبنانيون هو أن أي رئيس سوري، سواء كان بعثياً أو إسلامياً أو لا لون عقائدياً له، لا يمكنه ترك سوريا خارج المشهد اللبناني، الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. والشرع نفسه لمّح إلى هذا المعنى حين أشار، في إحدى مقابلاته، إلى أن اتفاق الطائف يتضمن إشارة إلى «خصوصية العلاقة» التي تربط لبنان بسوريا.

مسؤول سوري رافق الشيباني وبقي للتواصل مع شخصيات سنّية من كل لبنان، وتشديد على احترام طلب السعودية مقاطعةَ الحريري، وبرنامج لإدارة قيادات محلية ورجال دين

بكل بساطة، التدخّل السوري في لبنان قائم كل الوقت، وساذج كلّ لبناني يعتقد بأن سوريا ستترك لبنان وحدَه. والأهم أن اللبنانيين اختبروا بالفعل تأثير السلطة السورية الجديدة في أكثر من ملف، أبرزها ملف السجناء الذين أُجبرت السلطة اللبنانية، بناءً على طلب الوصاية الأميركية – السعودية، على الإفراج عنهم، رغم أن بعضهم كان قد صدرت في حقه أحكام قضائية لمشاركته في أعمال قتالية ضد الجيش اللبناني، أو لتورّطه في تفجيرات إرهابية أودت بحياة عشرات المدنيين اللبنانيين.
ولم يقتصر التدخّل السوري على هذا الملف. فدمشق تطلب اليوم (وتحصل على ما تريد) معلومات أمنية عن خصوم النظام الجديد المقيمين في لبنان، سواء كانوا مسؤولين أو ضباطاً خدموا في مؤسسات الدولة السورية السابقة، كما تطلب تعقّب معارضين سياسيين وإعلاميين ومراقبتهم. كذلك، سعت إلى الحصول على معلومات تتعلق ببعض رجال الأعمال السوريين الذين تعتبر أن ثرواتهم تكوّنت من خلال ارتباطهم بأركان النظام السابق.
وفوق ذلك، أبلغت دمشق بيروت رسمياً رفضها تشكيل لجنة مشتركة لترسيم الحدود البرية والبحرية، كما رفضت الخوض في أي نقاش لحسم مسألة السيادة على مزارع شبعا المحتلة. وعندما طلب لبنان التعاون لإعادة النازحين السوريين، جاء الرد السوري حاداً، بأن على لبنان أن يعيد أولاً ودائع السوريين التي ضاعت في مصارف لبنان. وإلى ذلك، طلبت دمشق من نواف سلام إيجاد آلية تتيح فتح باب التعاون المباشر مع إدارة مرفأ طرابلس، وكذلك مع مطار القليعات، فيما لا يزال التنسيق بشأن المعابر الحدودية قائماً وفق الشروط التي تضعها هي. أمّا ملف التهريب عبر الحدود، والذي أثاره الجانب اللبناني مراراً، فقد بقي الردّ السوري دائماً بأن السلطات السورية ليست جاهزة بعد لضمان وقف عمليات التهريب بشكل كامل.

ما بعد زيارة الشيباني؟

بعد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، غابت القراءات التي حاولت فهم أهدافها الفعلية. فالرجل يعكس توجهات السلطة السورية الجديدة، كما أن برنامج الزيارة وطبيعة اللقاءات التي عقدها كشفا جانباً من التوازنات التي تحكم موقف الشرع من الوضع في لبنان. وقد ظهر العامل السعودي بصورة واضحة، علماً أن دمشق لم تسلّم رقبتها للسعودية كما يظن كثيرون، لكنها لا تريد مشكلة مع الرياض، وتأمل أن تحصل منها على دعم مالي جدّي، وهو ما لم يحصل حتى الآن.
كذلك تبدي دمشق اهتماماً بالعلاقة مع دولة الإمارات، التي تعهّدت بتنفيذ برنامج استثماري وسياحي واسع في محيط العاصمة السورية وعلى امتداد الساحل، تُقدَّر قيمته بنحو عشرين مليار دولار، فيما لا يزال الدعم القطري يقتصر، حتى الآن، على المساهمة في تمويل الرواتب.
وانعكست هذه الحسابات بسقوط فكرة اللقاء بين الشرع والرئيس سعد الحريري، كما أُلغي اجتماع كان مُقرّراً بين الشيباني والنائبة السابقة بهية الحريري. وفي المقابل، وجد الوزير السوري نفسه مُلتزِماً بزيارة الحليفين المسيحيين للمملكة، حزبَي الكتائب و«القوات اللبنانية»، فيما امتنع عن عقد أي لقاء، أو حتى إجراء اتصال، مع التيار الوطني الحر.
أمّا الرسالة الموجّهة إلى الساحة السنّية، فجاءت من خلال زيارة طرابلس، حيث التقى الشيباني شخصيات محلية ذات حضور سياسي وشعبي محدود، يرتبط بعضها بمجموعات لعبت أدواراً في حروب الأحياء التي شهدتها المدينة في مراحل سابقة.
وفي موازاة ذلك، استجاب الشرع لرغبة سعودية بأن يلتقي الشيباني رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره ممثّل الشيعة في لبنان. وحرص بري خلال اللقاء على شرح موقفه من الأزمة السورية، مؤكداً أنه لم يكن مُطابِقاً لموقف حزب الله، وأنه كان على خلاف مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وبدا أن رئيس المجلس أراد من هذا العرض فتح الأبواب الموصدة بين شيعة لبنان والسلطة في دمشق.
وبعد مغادرة الشيباني بيروت، بقي فيها مسؤول سوري مُقرّب مباشرة من الشرع، ويحمل جنسية أجنبية إلى جانب جنسيته السورية. وقد ركّز هذا المسؤول نشاطه على الساحة السنّية، فالتقى عدداً من الشخصيات التي اجتمع بها الشيباني، إضافة إلى شخصيات أخرى.
وفي الاجتماعات التي عقدها مع شخصيات سنّية من مختلف أنحاء لبنان، أكّد أن دمشق «ليست في وارد التدخّل العسكري في لبنان في المرحلة الحالية، ولا تملك الجاهزية لذلك»، لكنه امتنع في الوقت نفسه عن نفي وجود مثل هذا الخيار على جدول الأعمال في المستقبل. وكان حريصاً على التمييز بين الدورين السعودي والتركي في سوريا، في محاولة للإيحاء بأن دمشق تطمح، في نهاية المطاف، إلى أن تصبح المرجعية الأساسية في إدارة الملف اللبناني، لكنها لا تريد خوض هذا الدور وهي على خلاف مع قوى إقليمية مؤثّرة، كالسعودية وتركيا.

وفي هذا السياق، لم يُخفِ أن أنقرة حذّرت القيادة السورية من مخاطر الانخراط في أي مغامرة عسكرية ضد حزب الله في لبنان.
بعد زيارة الشيباني، تشاور نواب وشخصيات من الذين لم يتسنّ لهم لقاء الشرع حول ما يجب القيام به، وقرّر بعضهم التوجه إلى دمشق لعقد لقاءات مع مسؤولين سوريين. وفي موازاة ذلك، بدأ رجال دين محسوبون على التيار السلفي فتح قنوات تواصل مع «الشرعيين» في «هيئة تحرير الشام»، فيما يتردّد أن التعاون بين الأجهزة الأمنية السورية ونظيرتها اللبنانية يشهد توسّعاً مُتدرِّجاً، برعاية مباشرة من الاستخبارات السعودية.
وفيما تحدّث زوار العاصمة السورية عن مرحلة جديدة من الضغوط المرتبطة بالملف اللبناني، إلا أن الانطباع السائد في دمشق يبقى أن مستقبل هذا الملف لن يُرسم بعيداً عن الرؤية التركية، التي لا تنظر إلى لبنان باعتباره ساحة مستقلة، بل جزءاً من إطار إقليمي واحد يضم سوريا ولبنان والعراق. وهو عنوان المشروع الأبرز الذي يعمل عليه الموفد الأميركي توم برّاك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى