يمكن تصنيف قطر “دولة عدوة”، لكنها باقية

رصد الاعلام العبري: 29/7
القناة 12:
د. يوئيل غوزانسكي: خبير في شؤون دول الخليج وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب.
زادت الحرب الأخيرة مع إيران، والأضرار الجسيمة التي لحقت بصادرات الغاز، من إدراك قطر أنه حتى أغنى دول العالم لا يمكنها الاعتماد بشكل شبه كامل على مورد طبيعي واحد. وقد اكتسبت رؤية قطر الوطنية 2030 أهمية بالغة: فالتنويع الاقتصادي ليس مُجرّد هدف تنموي، بل ضرورة استراتيجية. مع ذلك، من المهم عدم المبالغة في أهمية هذه الخطوة. فحتى لو حقق سوق الماس الجديد في قطر، نجاحا وجذب تجارا من أفريقيا وآسيا وأوروبا، فلن يُغير ذلك البنية الأساسية للاقتصاد القطري. سيظل الغاز الطبيعي المصدر الرئيسي للدخل في البلاد لسنوات عديدة قادمة، ولن تقترب عائدات صناعة الماس من حجم عائدات صادرات الغاز الطبيعي.
إقليميا، لا يخلو الطريق من التحديات. تدخل قطر سوقا تُعدّ دبي، أحد أنجح مراكز تجارة الماس في العالم، مركزا رئيسيا لها. فقد بنت الإمارات العربية المتحدة منظومة متكاملة لتجارة الماس على مدى أكثر من عقدين: تنظيمات متطورة، ومناطق تجارة حرة، وخدمات مالية، ولوجستيات، وتأمين، ومستودعات، وعلاقات وثيقة مع المنتجين في أفريقيا ومع أسواق في الهند وأوروبا والولايات المتحدة.
سيتعين على الدوحة تقديم ميزة تنافسية كافية لإقناع الشركات العالمية بنقل أعمالها إليها. لكن القصة الأكثر إثارة للاهتمام ليست اقتصادية على الإطلاق. فقليلون يعلمون أن إسرائيل كانت من بين الدول التي ساعدت قطر على تطوير قطاع الماس لديها. في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وُقّع اتفاق بين بورصة الألماس الإسرائيلية والمركز القطري يسمح بتجارة الألماس المباشرة، وذلك بعد انضمام قطر إلى عملية كيمبرلي، وهي آلية المراقبة الدولية لتجارة الألماس الخام.
من وجهة نظر إسرائيل، كانت هذه خطوة تجارية تهدف إلى تعزيز مكانة صناعة الألماس الإسرائيلية في السوق العالمية. أما من وجهة نظر قطر، فقد مثّلت هذه الخطوة علامة فارقة في مسيرة ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في هذه الصناعة. عززت إسرائيل التعاون مع قطر في صناعة الألماس، وساهمت في توطيد العلاقات بين بورصة الألماس الإسرائيلية والمركز القطري، بعد انضمام الدوحة إلى عملية كيمبرلي. وعلى الرغم من أن هذا لم يكن اتفاقا رسميا يربط بين الخطوتين، إلا أنهما عكستا منطقا متشابها من الأخذ والعطاء: فقد حصلت قطر على الشرعية والدعم في تطوير طموحاتها لتصبح مركزا عالميا للألماس، بينما حققت إسرائيل حلا يسمح لعشرات الآلاف من الإسرائيليين بحضور كأس العالم التي أُقيمت في قطر عام 2022. يكمن في هذا تناقض كبير. ففي الوقت الذي تُوقع فيه الاتفاقيات بين إسرائيل وقطر، تستمر الأخيرة في استضافة قيادة حماس، وتمويل قطاع غزة، وقيادة خط إعلامي تحريضي عبر قناة الجزيرة تجاه إسرائيل، وتتجنب أي تقارب سياسي. لذا، فإن قصة بورصة الألماس القطرية تتجاوز بكثير مجرد قصة ألماس، فهي تُجسد تعقيدات الشرق الأوسط. ففي الأسبوع نفسه الذي تواصل فيه قطر انتقاد إسرائيل ودعم المواقف الفلسطينية، تستفيد أيضا من بنية تحتية احترافية ساعدتها إسرائيل في بنائها.
يحدث كل هذا في وقت تتزايد فيه الأصوات في إسرائيل المطالبة باتخاذ موقف أكثر حزما تجاه قطر. ففي ظل الحرب، ودور الدوحة في المفاوضات مع حماس، والانتقادات الموجهة لتمويلها في الماضي، والاضطرابات السياسية الداخلية، تتعالى الأصوات – التي اشتدت حدتها مع اقتراب الحملة الانتخابية المقبلة – مطالبةً بإعلان قطر “دولة معادية” وتقليص جميع أشكال التواصل معها إلى أدنى حد. إلا أن الواقع أكثر تعقيدا من مُجرّد شعارات.
قطر خصم سياسي، ووسيط لا غنى عنه، وشريك للولايات المتحدة، ولاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي، وأحيانا عامل تجد إسرائيل فيه مصلحة في التعاون. ولهذا السبب تحديدا، ينبغي أن تستند سياسة إسرائيل تجاهها إلى المصالح الوطنية طويلة الأمد، لا إلى الخطاب العام أو الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل.
