الحرب بين الحوثيين والسعودية: تحالفات جوفاء، ساحة معركة متغيرة، وفرصة لإسرائيل

رصد الاعلام الإسرائيلي:
معهد “القدس” للاستراتيجية والأمن: 26/10
العقيد احتياط البروفيسور غابي سيبوني. والعميد احتياط إيريز وينر
تُجسّد الحملة بين الحوثيين والسعودية مجدداً، ظاهرةً تتمثل في عجز دولة غنية، مُجهزة بطائرات مقاتلة متطورة، وأنظمة دفاع جوي، وحتى شراكات أمنية مع دول أخرى، عن مواجهة تنظيم إرهابي يتصف بالتصميم. يتمتع الحوثيون بنطاق جغرافي واسع ومرونة سياسية، ويُشغّلون ترسانة متكاملة من الصواريخ، وطائرات مُسيّرة، وأسلحة بحرية، بالإضافة إلى الدعاية والدعم الخارجي. وهذا يُثبت أن التكنولوجيا التي لا تدعمها روح قتالية، أو التي لا ترتبط بمفهوم عملياتي مُناسب، لا تضمن نصراً حاسماً، ولا حتى حماية كافية.
تُُمثّل الأزمة مع الحوثيين اختباراً للترتيبات الأمنية في الخليج، وتُظهر الفجوة بين التصريحات المتبجحة لـتحالف مكة، والقدرات الدفاعية الفعلية. لم يعد الحوثيون مجرد فرع إيراني يُدار عن بُعد، ولا ميليشيا محلية فحسب، بل أصبحوا كيانا حكوميا مسلحا، يمتلك آليات للتجنيد وجمع الموارد والسيطرة، فضلًا عن السيطرة الجغرافية والوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة. وهم قادرون على استيعاب الهجمات واستعادة قدراتهم واختيار توقيت هجماتهم. فحتى بعد الهجمات العنيفة، حافظ الحوثيون على قدرتهم على إطلاق الصواريخ وتهديدهم لإسرائيل والملاحة في البحر الأحمر. لذا، فإن السؤال المحوري لا يقتصر على عدد الأهداف التي يمكن تدميرها، بل يتعداه إلى كيفية تحويل الإنجازات التكتيكية إلى تغيير جذري.
منظمة غير حكومية في مواجهة دولة ذات بنية دفاعية ضخمة:
تكمن ميزة الحوثيين في الجمع بين حرب العصابات وسلوك الدولة. فهم قادرون على نشر منصات الإطلاق والمستودعات وإخفاء البنية التحتية، وتغيير مواقع الإطلاق بسرعة، وتخزين الأسلحة. ويمتلكون قدرات كانت حكرا على الدول. يمنح هذا المزيج المنظمة ميزة مزدوجة. فهي تتمتع بحصانة نسبية كجهة غير حكومية، ولكنها في الواقع دولة وجيش نظامي كبير يمتلك قوة نارية هائلة على مختلف المدى.
أمّا الميزة الثانية فهي اقتصاديات الحرب. قد يُكلّف صاروخ اعتراضي متطور أكثر بكثير من الطائرة المهاجمة. فحتى في حال نجاح عملية الاعتراض، يظل على المدافع الحفاظ على الرادارات ومراكز التحكم والأطقم والجاهزية والإمدادات على مدار الوقت. أما المهاجم، فيمكنه اختيار وقت الهجوم واتجاهه وتشكيلته، ويمكنه استخدام صواريخ سريعة قبل الطائرات المسيّرة البطيئة، واستهداف المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة، ساعيا ليس فقط إلى التدمير بل إلى إحداث اضطراب. فكل ساعة إغلاق لمطار، وكل تحويل مسار سفينة، وكل زيادة في قسط التأمين، تُعدّ إنجازا بالنسبة له.
الميزة الثالثة، فهي القدرة على ربط جبهات القتال. الهجوم على السعودية قد يخدم الصراع الداخلي في اليمن، ويوجه رسالة إلى إيران، ويضغط على الولايات المتحدة، ويهدد التجارة العالمية، ويقوّض مكانة ولي العهد السعودي، في آن واحد. فالضرر المادي ليس سوى عنصر واحد، في حملة لكسب الوعي، وتعزيز الثقة بالنظام، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. لا ينبغي للحوثيين غزو الأراضي السعودية. يكفيهم أن يثبتوا قدرتهم على فرض أجندتهم وتقويض ضمانات النظام الأمنية.
تحالف مكة الأجوف:
قد يبدو تحالف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان مثيرا للإعجاب على الورق. فتركيا تُقدم جيشا ضخما، وصناعة دفاعية متطورة، وخبرة عملياتية، وقدرة إنتاجية، وباكستان تُقدم قدرات نووية، وعمقا عسكريا، وقوى بشرية، وخبرة واسعة، والسعودية تُقدم الموارد والموقع والنفوذ. مع ذلك، فإن تحالف هذه القوى الثلاث لا يُشكل نظاما واحدا. ففي مواجهة هجمات الحوثيين، يبقى الإعلان بأن الهجوم على أحد أعضاء التحالف يعتبر هجوماً على الجميع، مجرد شعار.
لا يكمن الاختبار في ما إذا كان قادة التحالف سيتحركون ضد الحوثيين، بل في من يوفر الإنذار، ومن سيعترض، ومن سيهاجم مصادر النيران، ومن سيتبادل الإمدادات، ومن يتحمل تبعات التصعيد. ويتضمن ذلك أيضا سؤالا سياسيا شائكا: هل تركيا وباكستان مستعدتان للمخاطرة بمواجهة إيران لحماية السعودية..؟ هل ستتحركان عندما يكون الهجوم غامضا، أو عندما ينفي الحوثيون مسؤوليتهم عنه، أو عندما قد يؤدي الرد إلى اتساع رقعة الحرب..؟ إذا لم تكن هناك إجابات مُتفق عليها، فقد يتبين أن التحالف، عبارة عن تحالفٌ أجوف في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إليه.
يجب ان يُختبر النقاش حول تحالف مكة وعلاقة السعودية بالولايات المتحدة في سياق تحول أوسع. فالنظام الدولي يتجه نحو التعددية القطبية والتنافسية. وتفضل القوى أحيانا تقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدعم الدبلوماسي، لكنها تتجنب الالتزام التلقائي بالقتال إلى جانب شركائها. والتحالف الموثوق يتطلب أكثر من مجرد تداخل مؤقت في المصالح، فهو يتطلب إدراكا مشتركا للتهديد، وقدرةً على تحمل التكاليف. بإمكان السعودية الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن وأنقرة وإسلام آباد وبكين، وحتى طهران، ولكن عليها، عند لحظة الاختبار، أن تعرف أيًّا من هذه العلاقات سيُترجم إلى أفعال. كما يحتاج شركاؤها إلى معرفة ما هو متوقع منهم. وطالما بقيت هذه التساؤلات دون إجابة، فإن تعدد الشراكات لا يُضاعف القوة بالضرورة. كذلك، يعاني مجلس التعاون الخليجي من فجوة مماثلة. فبيانات الدعم للسعودية ذات أهمية سياسية، لكنها لا تُغني عن الدفاع المشترك. فالإدانة وحدها لا تُمكّن من اعتراض صاروخ أو إعادة تأهيل مطار.
الصدام مع الحوثيين لم يَعد جولة محدودة بين السعودية وقوة محلية في اليمن، بل يُعدّ جزءا من صراع طويل الأمد حول صورة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يُمثل الحوثيون مرحلةً متقدمةً في تطور التهديد الإيراني. فطهران لا تحتاج إلى السيطرة على كل قرار في صنعاء لتستفيد من وجود قوة مسلحة تُهدد السعودية وإسرائيل وخطوط الملاحة. يكفيها أن تتلاقى المصالح في اللحظات الحاسمة وأن تُقدم إيران المعرفة والمكونات والدعم السياسي. وبهذه الطريقة، تُوسع طهران نطاق نفوذها دون تحمّل كامل التكاليف المترتبة على ذلك، ودون أن تضع نفسها في الصدارة. والنتيجة هي نظام إقليمي تتلاشى فيه الحدود بين الحرب والسلام، وبين المبعوث والشريك، وبين مسؤولية الدولة ومسؤولية التنظيمات.
لا يكمن مأزق السعودية في الاختيار بين الولايات المتحدة والبدائل الإقليمية، بل في الاختيار بين نماذج الأمن القومي. يعتمد النموذج الأول على الولايات المتحدة في توفير الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والمظلة السياسية. ميزة هذا النموذج هي العمق والجودة، لكن نقطة ضعفه تكمن في اعتماده على الإرادة السياسية المُتغيّرة في واشنطن. والنموذج الثاني يعتمد على تحالفات إقليمية مرِنة. ميزته التوافر والقرب، لكن نقطة ضعفه تكمن في فجوات القدرات وتضارب المصالح وانعدام الثقة. والنموذج الثالث، هو استقلال أمني أوسع، لكن بناءه يتطلب سنوات من الاستثمار في القوى العاملة والصناعة والاستخبارات والقيادة، وخاصة رأس المال البشري.
سيظل بحث السعودية عن حليف واحد لحل مشكلتها أمراً صعباً، لأن المسؤولية النهائية تبقى دائماً على عاتقها. تستطيع الولايات المتحدة توفير أنظمة متطورة ودعم لوجستي، وبإمكان تركيا المساعدة في إنتاج وتجهيز الطائرات المسيّرة والدفاع التكتيكي، ويمكن لباكستان المساهمة بالقوى العاملة والخبرات، ومصر ضرورية لأمن البحر الأحمر، ويمكن لإسرائيل تقديم خبرة فريدة في الدفاع متعدد المستويات، والاستخبارات، والدفاع الداخلي، والدفاع الصاروخي. ومع ذلك، يبقى المفتاح في صياغة مفهوم أمني مناسب.
لا يكمن الدرس المستفاد من الحالة السعودية في فشل الجيش الحديث أمام الأسلحة الرخيصة، بل في أن تحويل الميزة المادية إلى نفوذ سياسي يتطلب مواءمة الهدف مع الأدوات. تسعى السعودية إلى إعادة اليمن إلى حكومته المركزية، وإبعاد الحوثيين عن حدودها، وقطع صلتهم بإيران، أو تفكيكهم. وكل هدف يتطلب استجابة عملياتية مختلفة. وعندما تتراكم الأهداف دون ترتيب للأولوية، يصبح العمل العسكري بديلاً عن القرار السياسي، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيقه.
دروس لإسرائيل:
من الواضح أن لإسرائيل مصلحة مباشرة في الحد من قدرات الحوثيين. فقد شنّت هذه الجماعة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على إسرائيل، وعلى إيلات والممرات الملاحية، كما اندمجت في الحملة الإيرانية متعددة القطاعات. لذا، من الأنسب لإسرائيل استغلال الفرص التي يتيحها الصدام بين السعودية والحوثيين. بالنسبة لإسرائيل، يُمثّل هذا تهديداً وفرصة في آنٍ واحد. تهديداً، لأن الحوثيين جزء من منظومة متعددة القطاعات تُقوّض الاستقرار الإقليمي وتتطلب استعداداً واسعاً. وفرصة، لأن هذا التهديد يُظهر لدول المنطقة قصور التصريحات السياسية وضرورة إقامة شراكات عملياتية عميقة. وهنا، بإمكان إسرائيل أن تُسهم بخبرتها السياسية والأمنية، مما يُتيح لها مساحات عمل اكبر.
تعاون استخباراتي عملياتي: يمكن تطوير التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى حتى بدون تحالف علني كامل. تكمن القيمة في وضع آليات متسلسلة للإنذار، وتنسيق الرحلات الجوية، وتحديد التهديدات، ومزامنة أنظمة الكشف، وتدريبات الدفاع عن البنية التحتية، وتبادل المعرفة. إذ ينبغي لإسرائيل أن تُقدّم قدرات تُعزّز الترابط، مع تجنّب الوعود التي لا تستطيع الوفاء بها عند اختبارها.
تعزيز الشراكات واستقرار طرق التجارة: ضمان حرية الملاحة وحماية شرايين الاقتصاد العالمي والإقليمي من اضطرابات الجهات الفاعلة غير الحكومية، وأخيرا، فتح أفق سياسي إقليمي (تطبيع تدريجي)، واستغلال التهديد المشترك كرافعة لبناء بنية تحتية إقليمية تدريجية، حيث يُشكّل الأمن والتعاون المهني أساسا لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
تكشف حملة مطولة ومتعددة القطاعات، عن الاعتماد على معدل إنتاج الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة وقطع الغيار والمكونات الإلكترونية. لذا، تحتاج إسرائيل إلى بناء القدرة على توسيع الإنتاج في أوقات الطوارئ، والحفاظ على مخزونات من المواد الخام والمكونات الحيوية، وتوزيع مواقع الإنتاج، وإنشاء طرق توريد بديلة. ويُعد التعاون مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين أمرا ضروريا، لكن يجب أن يكون مكملا للقاعدة الصناعية الإسرائيلية، لا أن يحل محلها.
يتطلب التهديد الذي يُواجه إيلات وخطوط الملاحة من إسرائيل أن تنظر إلى الساحة البحرية كساحة عمل دائمة، لا كجبهة ثانوية. كما يتطلب الأمر رؤية بحرية مشتركة من خلال شراكات إقليمية ودولية، وحماية البنية التحتية للموانئ، والقدرة على مرافقة حركة الملاحة التجارية عند الضرورة، والتنسيق بين أجهزة الاستخبارات والقوات الجوية والبحرية. وفي الوقت نفسه، يجب تقليل اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على مسار واحد من خلال بدائل لوجستية، ومخزونات مناسبة، وترتيبات مع موانئ إضافية في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
يمكن تطوير التعاون مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى حتى بدون تحالف علني كامل. تحتاج إسرائيل إلى تقديم قدرات تخلق اعتمادا متبادلا، مع تجنب الوعود التي لن تتمكن من الوفاء بها في عند الاختبار. فمن شأن قدرة إسرائيل على توفير مظلة دفاعية مكانية، أو على الأقل المساعدة في إنشائها، تعزيز موقف إسرائيل وحصتها في المشاريع الإقليمية مثل مشروع IMEC.
خلاصة:
تُبيّن الحملة بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية أنّ التفوّق المادي والتكنولوجي لا يضمن الردع أو النصر. ففي مواجهة كيان حكومي مُسلّح قادر على استيعاب الهجمات، وإعادة بناء قدراته، يصبح من الضروري ربط استخدام القوة بهدف سياسي واضح، وكسر سلسلة التصعيد، وتغيير حسابات الربح والخسارة لدى العدو وداعميه. كما تكشف الحالة السعودية عن قصور التحالفات القائمة على التصريحات والمشتريات والاعتماد على الموردين الخارجيين.
بالنسبة لإسرائيل، يستلزم تهديد الحوثيين اعتبار البحر الأحمر ساحة حرب دائمة، وتعزيز الاستقلال الصناعي، وتوسيع نطاق الدفاع عن الجبهة الداخلية وطرق التجارة، وتطوير شراكات إقليمية قائمة على آليات عملية لا على وعود. ويمكن لإسرائيل استغلال هذا التهديد المشترك من اجل التعاون الاستخباراتي، والدفاع الإقليمي، وتعميق العلاقات مع السعودية ودول أخرى. فنجاحها لن يُقاس فقط بعدد التهديدات التي اعترضتها أو الأهداف التي هاجمتها، بل بقدرتها على الحفاظ على حرية العمل السياسي، وترجمة الإنجازات العملياتية إلى نظام إقليمي أكثر استقراراً.




