الباحث الصحافي ميخائيل عوض : نتنياهو في نزاعه الأخير

في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها هذه الخرب، وتحديدًا في لحظة اشتداد وتصاعد مجرياتها، تبرز قراءة ميخائيل عوض بوصفها محاولة لتفكيك ما يعتبره “المرحلة النهائية” في مسار الصراع مع الكيان الإسرائيلي. لا ينطلق هذا الطرح من تحليل تكتيكي للحرب الجارية فحسب، بل يؤسس لرؤية أشمل ترى في هذه الحرب لحظة مفصلية تعكس انتقالًا من توازنات ردع تقليدية إلى طور تفكك استراتيجي شامل.
تتمحور رؤية عوض حول فكرة أن بنيامين نتنياهو يخوض الحرب في تخبط “نزاعه الأخير”، ليس فقط بمعناه السياسي ، بل بوصفه تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة تضرب الكيان الإسرائيلي ووظيفته في النظام الدولي. وتستند هذه الرؤية إلى قراءة مركّبة للمعطيات الميدانية، والتحولات في مواقف الفاعلين الدوليين، والتغيرات في بنية الوعي الجمعي الإقليمي والدولي.
أولًا: من المؤشرات إلى الوقائع الميدانية:
يؤكد عوض على ضرورة التمييز بين “المؤشرات” و”الوقائع”، معتبرًا أن ما يجري لم يعد في طور التوقع، بل دخل مرحلة التحقق. هذه المقاربة تعكس منهجًا تحليليًا قائمًا علىقراءة السلوك العملياتي للأطراف
وتحليل التباينات داخل التحالفات، إضافة إلى رصد التحولات في الخطاب السياسي والإعلامي
وبذلك، تتحول الحرب من مجرد حدث عسكري إلى “نص استراتيجي مفتوح” يكشف عن اتجاهات العالم القادم.
ثانيًا: نتنياهو وأزمة القرار – من وهم السيطرة إلى واقع الاضطراب
يرسم عوض صورة لقيادة إسرائيلية تعاني من اختلال عميق في القدرة على اتخاذ القرار، ويتجلى ذلك في:
– السلوك العسكري العشوائي
الذي يتجسد في استنفاذ بنك الأهداف واستراتيجية خطة عسكرية للحرب إلى استهداف بنى مدنية مدمرة سابقًا، وتكرار الضربات دون جدوى استراتيجية، ما يعكس فقدان الأهداف الواضحة.
– الحرب النفسية الفاشلة
عبر محاولات بث الذعر عبر إنذارات جماعية، دون تحقيق تأثير ملموس على بيئة المقاومة.
– الانكشاف العملياتي
بعد استنفاذ الذخيرة المتطورة والإعماء الراداري وإعطاب القبة الحديدية عمد العدو إلى استخدام ذخائر قديمة، فتراجعت القدرة على تحقيق إنجازات نوعية.
في هذا السياق، تحول نتنياهو من “فاعل مبادر” إلى “فاعل مأزوم”، يتصرف تحت ضغط الزمن والخسارة ويتخبط في إدارة يقودها بالنزاع الأخير.
ثالثًا: أزمة العلاقة مع الولايات المتحدة من التحالف إلى التخلي– تباين المصالح
يشير عوض إلى أن أحد أبرز مؤشرات الأزمة يتمثل في التباين بين نتنياهو ودونالد ترامب وهذا ما كان أكده عوض منذ وقت طويل واستشرف أن ترمب سيتخلى عن نتنياهو حتما”، حيث حاول نتنياهو استدراج واشنطن إلى حرب أوسع ثم اكتشفت الإدارة الأمريكية تعارضًا بين مصالحها ومصالح إسرائيل وبذلك
بدأت واشنطن بالبحث عن مخرج تفاوضي بمعزل عن المصلحة الإسرائيلية.
هذا التباين يعكس تحولًا جوهريًا من تبني أمريكي مطلق للمشروع الإسرائيلي إلى إعادة تموضع تحكمه البراغماتية الأمريكية.
رابعًا: فشل استراتيجية التدويل – عزلة إسرائيل المتزايدة
يؤكد عوض أن دعوات نتنياهو لتوسيع دائرة الحرب قوبلت برفض واسع، حيث لم تستجب
أي من دول الخليج، أو أوروبا وحلف حلف شمال الأطلسي، وكذلك تركيا وأذربيجان
هذا الفشل يكشف عن
تراجع مركزية إسرائيل في الحسابات الدولية وسقوط السردية الأخلاقية التي طالما استخدمتها بفعل الحرب ومجرياتها لصالح صعود اعتبارات الاستقرار الإقليمي على حساب التحالفات الأيديولوجية.
خامسًا: إيران الفاعل مركزي – من الصبر الاستراتيجي إلى المبادرة
في مقابل مظاهر الارتباك والتراجع التي تطبع أداء إسرائيل، تتقدم إيران في قراءة ميخائيل عوض بوصفها فاعلًا مركزيًا يعيد تشكيل معادلات الصراع من موقع القوة المركّبة، لا من موقع ردّ الفعل. فالأداء الإيراني، كما يعرضه عوض، لا يمكن فهمه ضمن منطق الاستجابة الآنية، بل ضمن استراتيجية تراكمية طويلة الأمد، قامت على امتصاص الضربات دون الانجرار إلى ردود انفعالية، مقابل العمل الهادئ على إعادة بناء القدرات وتحديث البنى القيادية والعسكرية.
هذا النمط من السلوك يعكس ما يسميه عوض “الصبر الاستراتيجي”، حيث تُدار المواجهة على أساس استيعاب الصدمة الأولى، ثم إعادة ترتيب موازين القوة تدريجيًا. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الضربات التي تعرضت لها إيران بوصفها نقاط ضعف، بل كمحفزات لإعادة الهيكلة، سواء على مستوى توزيع القيادة، أو تطوير أدوات القتال، أو تحسين القدرة على الاستجابة متعددة المسارات.
ومع نضوج هذه العملية، تنتقل إيران—وفق هذا التصور—من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة الهجومية المحسوبة. هذه المبادرة لا تقوم على التصعيد المفتوح، بل على استخدام أدوات رد متطورة، مثل الصواريخ ذات القدرات الانشطارية، التي تعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الردع، من ضربات تقليدية محدودة التأثير إلى أدوات قادرة على إحداث أثر تراكمي واسع ضمن مساحات جغرافية كبيرة، وبكلفة عملياتية أقل.
في المقابل، يرفض عوض فرضية “تفجير الداخل الإيراني” التي لطالما شكلت ركيزة في التفكير الاستراتيجي المعادي لإيران، معتبرًا إياها خطأً بنيويًا متكررًا. فهذه الفرضية تتجاهل، بحسب طرحه، قانونًا اجتماعيًا-سياسيًا راسخًا، يتمثل في أن الأمة الإيرانية، عند تعرضها لتهديد خارجي مباشر، تميل إلى تعزيز تماسكها الداخلي، وتجميد تناقضاتها البينية لصالح أولوية البقاء والدفاع. وعليه، فإن أي محاولة لإحداث اضطراب داخلي عبر الضغط الخارجي لا تؤدي إلى تفكك الدولة، بل إلى إعادة إنتاج تماسكها بصورة أكثر صلابة.
بهذا المعنى، لا تقتصر قوة إيران على أدواتها العسكرية، بل تمتد إلى بنيتها المجتمعية وقدرتها على تحويل التهديد إلى عنصر تعبئة، ما يجعلها—في قراءة عوض—فاعلًا قادرًا ليس فقط على الصمود، بل على إعادة تعريف قواعد الاشتباك وفرض إيقاع جديد للصراع.
سادسًا: الحرب ككاشف لنهاية نموذج الهيمنة
يذهب عوض إلى أبعد من التحليل العسكري، معتبرًا أن ما يجري هو أزمة نموذج، لا مجرد أزمة حرب.
حيث يرى أن النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى والكيانات الوظيفية (ومنها إسرائيل) يتآكل وتفقد دورها بعد أن بلغت أعلى درجات التوحش. وأن الرأسمالية في طورها “الليبرالي المتوحش” تدخل مرحلة انتحار ذاتي
هذا الطرح يربط بين
الميدان العسكري و البنية الاقتصادية العالمية وبالتالي التحولات الحضارية الحتمية.
سابعًا: سيناريوهات التصعيد – بين التدرج والانفجار
يحذّر ميخائيل عوض من أن مسار الحرب لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك ضمن ديناميتين متوازيتين تحملان في طياتهما احتمالات متناقضة تصعيد متدرّج محسوب، أو انفجار شامل ذو طبيعة زلزالية. ويؤكد أن فهم هذين المسارين لا ينفصل عن طبيعة الأزمة التي يعيشها نتنياهو، ولا عن حدود القدرة الأمريكية على الضبط، ولا عن طبيعة الردع الذي تفرضه إيران.
1 – التصعيد التدريجي – استراتيجية “التقسيط” وتطبيع الضربات
يرى عوض أن أحد أخطر أنماط التصعيد يتمثل في ما يمكن تسميته “استراتيجية التقسيط”، حيث يجري تنفيذ ضربات محدودة ومتتابعة على إيران بدلًا من ضربة كبرى واحدة. هذا النمط يعكس محاولة للالتفاف على معادلات الردع، عبرتجزئة الفعل العسكري بحيث لا يبلغ عتبة الرد الشامل
وبالتالي تطبيع الضربات تدريجيًا في وعي الرأي العام الدولي وإدارة الإيقاع السياسي بما يمنح الوقت لإعادة التموضع والتفاوض
في هذا السياق، يفسّر عوض السلوك الإسرائيلي—بدعم أو تغطية من دوائر اللوبي الصهيوني في واشنطن—بوصفه محاولة للالتفاف على أي توجه أمريكي نحو التهدئة. فبدل خرق الالتزامات بشكل فجّ، يجري تقويضها تدريجيًا عبر ضرب أهداف محددة، مثل منشآت خدمية أو بنى تحتية جزئية، بما يحقق هدفين متلازمين:
– استدراج رد إيراني محدود يمكن احتواؤه
– منع تثبيت مسار تفاوضي قد يُنهي الحرب بشروط لا تخدم إسرائيل
لكن عوض يحذر من أن هذا النمط يحمل في داخله بذور الانفجار، إذ إن تراكم الضربات حتى لو كانت صغيرة قد يؤدي في لحظة معينة إلى تجاوز “عتبة الصبر الاستراتيجي”، ويفرض ردًا نوعيًا غير قابل للاحتواء.
2- الانفجار الكبير – من الحرب المحدودة إلى التحول الكوني
في المقابل، يطرح عوض سيناريو “الانفجار الكبير”، وهو السيناريو الذي ينتج عن كسر قواعد الاشتباك القائمة، خصوصًا عبر استهداف البنى الحيوية الكبرى، وعلى رأسها
منشآت النفط والغاز وشبكات الطاقة والكهرباء والممرات الاستراتيجية مثل المضائق البحرية. في هذا المستوى، لا تعود الحرب إقليمية، بل تتحول إلى أزمة عالمية، حيث تتداخل فيها الأسواق، وسلاسل الإمداد، والتوازنات الجيوسياسية. ويشير عوض إلى أن أي استهداف واسع للبنية النفطية—خاصة في إيران أو في محيطها—لن تكون نتائجه محصورة في ساحة المعركة، بل ستؤدي إلى
اهتزاز أسواق الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار بشكل صادم
وتعطّل سلاسل التوريد الصناعية والتجارية وبالتالي
إرباك الاقتصادات الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة نفسها
وهنا يكمن البعد الأخطر في طرح عوض أن هذا النوع من التصعيد قد يؤدي إلى تسريع الانهيار البنيوي للكيان الإسرائيلي، لا عبر الهزيمة العسكرية المباشرة، بل عبر إدخاله في مواجهة مفتوحة مع تداعيات لا يمكنه تحمّلها، لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا ولا أمنيًا.
3- بين المسارين – لحظة القرار الحاسم
يؤكد عوض أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في أي من السيناريوهين بمعزل عن الآخر، بل في التفاعل بينهما. فالتصعيد التدريجي قد يتحول، بفعل خطأ في الحسابات أو رد غير متوقع، إلى انفجار شامل. كما أن الانفجار الكبير قد يُفرض نتيجة شعور أحد الأطراف بأن الزمن يعمل ضده، فيلجأ إلى “ضربة يائسة” تقلب الطاولة.
وفي هذا الإطار، تصبح الحرب محكومة بثلاثة عوامل حاسمة:
– قدرة الولايات المتحدة على التخلي عن الحليف الإسرائيلي
– حدود الصبر الاستراتيجي الإيراني وسقفه الفعلي واستمرار قدرته على ضبط إيقاع الحرب.
– إدراك نتنياهو لاقتراب نهاياته السياسية والاستراتيجية
وفق هذا التصور، لا تُفهم الحرب كصراع بين قوتين فقط، بل كعملية شدّ مستمر بين منطقين
منطق “الإدارة التدريجية للأزمة”ومنطق “الحسم عبر الصدمة الكبرى”
وبين هذين المنطقين، يتحرك العالم على حافة لحظة فاصلة
إما استمرار الاستنزاف المضبوط، أو الانزلاق إلى تحوّل كوني يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ على مستوى النظام الدولي بأسره.
ثامنًا: معادلة القوة – الاستنزاف مقابل الاحتياط
تقوم الرؤية التي يطرحها ميخائيل عوض على تمييز حاسم بين حالتين استراتيجيتين متقابلتين حالة الاستنزاف الكامل، وحالة الاحتفاظ بالاحتياط. ففي حين أن إسرائيل وأمريكا استهلكت الجزء الأكبر من قدراتها العسكرية واللوجستية، سواء على مستوى الذخائر أو الجاهزية العملياتية، تشير المعطيات إلى أن إيران ومعها قوى المقاومة ما تزال تحتفظ بمراكز قوة غير مُفعّلة بالكامل، سواء في تنوع ساحات الاشتباك أو في نوعية الوسائط القتالية.
ضمن هذا المنظور، لا يُقاس ميزان القوة بما استُخدم فعليًا في الميدان فقط، بل بما لم يُستخدم بعد. فالقوة الكامنة، أي الاحتياط الاستراتيجي، تمثل العامل الحاسم في الحروب الممتدة، إذ تمنح صاحبها القدرة على التحكم بإيقاع التصعيد، وفرض مفاجآت عملياتية، والاستمرار في القتال دون بلوغ نقطة الانهاك. وعلى هذا الأساس، فإن اختلال التوازن لا يظهر في لحظة الذروة، بل في القدرة على الاستمرار بعدها؛ حيث يميل الميزان لصالح الطرف الذي لا يزال يمتلك موارد غير مستنزفة، وقادرًا على إدخالها في اللحظة المناسبة لتغيير مسار الصراع.
تاسعًا: البعد المجتمعي – الحرب وإعادة تشكيل الوعي
يقدّم ميخائيل عوض قراءة تتجاوز البعد العسكري المباشر للحرب، ليضعها في إطار تحوّل عميق يصيب البنية الذهنية والوجدانية للمجتمعات، معتبرًا أن أخطر ما تنتجه الحروب الكبرى ليس الدمار، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالحرب، في هذا السياق، تتحول إلى أداة كاشفة تُسقط الأقنعة وتعيد تعريف مفاهيم مثل الشرعية، والعدالة، والعدو، والحليف.
ضمن هذا المنظور، يشير عوض إلى بروز ما يمكن تسميته “الوعي الجمعي الجديد”، وهو وعي يتشكل خارج الأطر الرسمية والإعلام التقليدي، ويستند إلى التجربة المباشرة وتراكم الصور والوقائع، لا إلى السرديات الجاهزة. هذا الوعي يتسم بقدرته على تجاوز الانقسامات التقليدية—القومية والطائفية والسياسية—ليعيد ترتيب الأولويات على أساس ثنائيات أكثر وضوحًا: الظلم والعدالة، الهيمنة والتحرر، المعتدي والمقاوم.
وفي موازاة ذلك، يلفت عوض إلى تراجع فعالية السرديات التي هيمنت لعقود، سواء تلك التي روّجت لشرعية إسرائيل أو تلك التي بررت سياسات الهيمنة الغربية. فقد أدت مشاهد الحرب، وانكشاف أنماط العنف الممارس، إلى تقويض الأسس الأخلاقية والإعلامية التي استندت إليها هذه السرديات، ما أفقدها قدرتها على الإقناع والتعبئة، ليس فقط في العالم العربي، بل أيضًا داخل المجتمعات الغربية نفسها.
ومن أبرز تجليات هذا التحول، بحسب عوض، صعود ما يسميه “الأممية الشعبية الثورية”، وهي حالة تضامن عابر للحدود والهويات، تتشكل بفعل التفاعل المباشر بين الشعوب عبر الفضاءات الرقمية، بعيدًا عن تحكم الدول والمؤسسات. هذه الأممية لا تقوم على أيديولوجيا منظمة، بل على إحساس إنساني مشترك بالظلم، ما يمنحها قوة انتشار وتأثير يصعب احتواؤها أو توجيهها.
ويخلص عوض إلى أن هذا التحول في الوعي قد يكون أكثر خطورة وتأثيرًا من النتائج العسكرية المباشرة، لأنه يعيد تشكيل البيئة التي تُنتج فيها القرارات السياسية والاستراتيجيات الكبرى. فحين يتغير وعي الشعوب، تتغير معه حدود الممكن السياسي، وتُفرض على الدول وقادتها معادلات جديدة، تجعل من الاستمرار في السياسات القديمة أمرًا أكثر كلفة وأقل قابلية للاستدامة. وبذلك، تصبح الحرب في بعدها الأعمق لحظة تأسيس لمرحلة تاريخية جديدة، لا تُقاس نتائجها فقط بما يتحقق في الميدان، بل بما يُعاد بناؤه في العقول.
خاتمة:
تفضي هذه القراءة، كما يصوغها ميخائيل عوض، إلى إعادة تعريف مفهوم “النزاع الأخير” بوصفه تعبيرًا عن لحظة بلوغ المشروع الذي تمثله إسرائيل حدوده البنيوية، وأيامه المعدودة الطبيعية المتبقية كإشارة زمنية حاسمة لنهاية فورية. فالحرب الجارية ليست مجرد جولة من جولات الصراع، بل لحظة انكشاف تاريخي تتقاطع فيها أزمات متعددة المستويات: عجز عسكري يترافق مع اضطراب في بنية القرار السياسي، وتراجع في المكانة الدولية يقابله صعود قوى إقليمية مضادة، وتآكل في الوظيفة التي أُنيطت بهذا الكيان منذ نشأته مقابل تشكّل طور جديد تتحدد معالمه ببصمة تفرضها إيران وحلفائها.
غير أن خطورة هذه اللحظة تكمن في طبيعتها الانتقالية؛ إذ تُظهر تجارب التاريخ أن الكيانات المأزومة، حين تدرك اقتراب حدودها، تميل إلى خيارات قصوى، تأخذ شكل تصعيد مدمر يتجاوز الحسابات العقلانية. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تُحسم فقط بميزان القوى، بل بقدرة الفاعلين على إدارة هذا الانتقال الحرج: هل يجري احتواؤه ضمن مسارات تفاوضية قسرية تعيد إنتاج التوازنات في صيغة جديدة، أم ينزلق نحو انفجار واسع يعيد تشكيل الغالم عبر صدمات عنيفة؟
في كلا المسارين، تتجاوز دلالات الحرب حدود الجغرافيا المباشرة، لتغدو أداة من أدوات إعادة صياغة العالم. فالصراع لم يعد محصورًا في كونه تنافسًا على النفوذ أو السيطرة، بل أصبح تعبيرًا عن تحولات أعمق تمس بنية النظام الدولي ذاته، وتعيد رسم قواعده، وتفتح الباب أمام إعادة توزيع القوة والمعنى معًا. ومن هذا المنظور، فإن المنطقة تقف على أعتاب طور تاريخي جديد، حيث تُكتب ملامح المستقبل لا فقط في ميادين القتال، بل في كيفية إدارة لحظة الانكشاف هذه، وكيف ستُترجم من فوضى مدمرة إلى انتقال حضاري إنساني نحو عالم أكثر عدالة.
