الاعلام العبري القناة 12: ليسوا مجرد مبعوثين إيرانيين ما هي المصلحة الحقيقية للحوثيين في الحرب..

عنيبال نسيم- لوفتون، خبيرة في الشؤون اليمنية بالجامعة المفتوحة وباحثة في مركز ديان بجامعة تل أبيب
درور ماغال، مستشرقة متخصصة في الدراسات العربية
السؤال “لماذا يهاجم الحوثيون إسرائيل..؟”، الذي شغل بال الكثيرين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُبدل في الأسابيع الأخيرة بسؤال: لماذا لا يهاجمون..؟ في الأسبوع الماضي، انضم الحوثيون إلى القتال، والآن السؤال هو: لماذا الآن..؟ يُمكن إيجاد الإجابة الرسمية في خطاب زعيم الحركة، عبد الملك الحوثي، يوم الخميس 26 مارس/آذار، ورغم أنه يتضمن إجابة جزئية ومُتحيّزة، إلاّ أنه يُمكن أن يُعلّمنا الكثير عن سلوك الحوثيين البراغماتي وطبيعة علاقاتهم مع إيران.
إن اختيار الحوثيين للتحرك بعد مرور شهر تقريبا على اندلاع الحرب بين “إسرائيل” والولايات المتحدة من جهة، وايران من الجهة الثانية، يُعبّر في المقام الأول عن ولاء الحركة ويعكس علاقاتها مع إيران. وعلى الرغم من أن الحوثيين ليسوا وكيلاً لإيران بالمعنى الكامل، إلاّ أنهم مُلتزمون بإيران ويدينون لها بتوسعهم العسكري. ففي خطابهم، يربط الحوثيون بين الموقف الثابت في اليمن ضد القوات الغربية والأنظمة العربية المتعاونة معها، وبين “توحد” الشعب الإيراني ضد “العدوان الغربي والإسرائيلي”. وبالتالي، فإن مصير اليمنيين مرتبط بمصير سكان إيران وبقية أعضاء محور المقاومة.
أكد الحوثيون مُجدداً على حيوية اليمن وأهميته في محور المقاومة. وقد تجلى هذا في المسيرات الحاشدة التي نُظمت يوم الجمعة في صنعاء، عاصمة اليمن، وفي مدن أخرى، حيث رُفعت أعلام اليمن وإيران ولبنان والفلسطينيين.
التحالف مع طهران والصلة الفلسطينية: “طوفان بشري” في صنعاء
إلى جانب الروابط والمصير المشترك الذي يجمع اليمن بإيران ولبنان، وبالطبع بالفلسطينيين، سعى الحوثيون إلى خلق استمرارية مع أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023، وردا على الهجوم العسكري الإسرائيلي منذ ذلك الحين على غزة، والسعي لحشد دول المنطقة في حملة بالغة الأهمية والضرورة. وشدد الحوثيون، على أن المؤامرة الصهيونية موجهة ضد دول المنطقة، وليس ضد فلسطين وحدها. بمعنى آخر، تُعدّ تصرفات إسرائيل ضد الفلسطينيين ولبنان وإيران جزءا من خطة واحدة، تمهد لهجوم شامل على دول المنطقة، وبالتالي فإن المطلوب هو نضالٌ يخوضه جميع المسلمين ضد “إسرائيل” والولايات المتحدة.
الحرب في البحر: خطر إغلاق باب المندب
يبقى السؤال مطروحاً: لماذا اختار الحوثيون تجديد هجماتهم على “إسرائيل” الآن، والتهديد مجدداً بالسيطرة على مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر..؟
منذ نهاية فبراير، حين اندلعت الحرب على ايران، قال الحوثيون إن مشاركتهم ليست موضع شك، بل مسألة وقت، أي ليس ما إذا كانوا سينضمون، بل متى..؟ وقد خدمتهم عبارات مثل “انتظار اللحظة المناسبة” أو “ساعة الصفر”، أو ” الإصبع على الزناد”، لكسب الوقت للتحضير أو دراسة الوضع، وهو ما أتاحته طبيعة علاقاتهم مع إيران، والطريقة التي قدّموا بها أنفسهم في المقام الأول كمدافعين عن الفلسطينيين. وربما كان الضغط المستمر من إيران والحرس الثوري في اليمن، أكثر من مسألة انتظار الحوثيين لأوامر من طهران، عاملاً دفعهم للتحرك، فضلاً عن إدراكهم أنه كلّما طالت الحرب، ازدادت صعوبة بقائهم على الحياد.
يُضاف إلى ذلك التوتر الداخلي داخل الحوثيين بشأن درجة الهيمنة الإيرانية المنشودة، والمشاكل الداخلية المتعلقة بإدارة المحافظات الخاضعة لسيطرتهم وتوزيع الموارد. ومن المحتمل أن يكون إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 26 مارس/آذار عن تعليق الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لإتاحة الوقت للتفاوض مع إيران قد أثّر على قرار الحوثيين بالانضمام إلى الحرب. وربما فُسِّر هذا القرار على أنه ضعف أمريكي أو تعبير عن رغبة في إنهاء الحرب. وربما اعتقد الحوثيون، أن ردا رمزيا، على غرار مشاركتهم في الحرب السابقة بين “إسرائيل” وإيران، سيكون كافيا ولن يُكبِّدهم خسائر فادحة.
يبقى أن نرى ما إذا كان رد الحوثيين العسكري المُتزن والمُتدرج سيستمر في المستقبل، خشية أن يُنفِّذوا تهديداتهم بإغلاق مضيق باب المندب، في حين أن مضيق هرمز مُغلق.
هل تُخطيء إيران في تقدير نوايا ترامب..؟
اللواء (احتياط) عاموس يادلين، رئيس سابق لاستخبارات العسكرية
العقيد (احتياط) عودي أفينتال، خبير في التخطيط الاستراتيجي والسياسي
بعد شهر من اندلاع الحرب، دخلت إيران والولايات المتحدة الساحة الدبلوماسية بهدف مشترك: التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. إلا أن الخلافات بينهما عميقة، وسيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سيتخذ خطوة أخرى نحو التصعيد، في ظل البدائل المتنوعة المتاحة له، سواء العسكرية أو البرية.
لا ينبغي لإسرائيل، التي أصبحت لاعبا ثانويا في هذه الحملة، أن تستبعد مُسبقا إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بموجب النقاط الخمس عشرة التي طرحها ترامب، والتي من شأنها معالجة التهديد النووي الوجودي والتهديد الصاروخي. وفي الوقت نفسه، من الأفضل لإسرائيل إنهاء الحرب دون اتفاق على الإطلاق، مع الحفاظ على أقصى قدر من الضغط على إيران، بدلاً من اتفاق سيئ. ففي مثل هذا السيناريو، من الضروري أن يُنفذ ترامب الإنذار النهائي الذي وجّهه، والذي ينص على مهاجمة البنية التحتية الحيوية في إيران، قبل نهاية الحرب، بطريقة تردع إيران عن إغلاق مضيق هرمز مجدداً، أو تهديد دول الخليج في صراعات مستقبلية.
قبل شهر، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب ضد إيران. كانت ذريعة الحرب مزيجاً من رفض إيران التنازل والتوصل إلى اتفاق يمنعها من تطوير أسلحة نووية، وجهود حثيثة من جانب النظام في طهران لتوسيع ترسانته الصاروخية إلى آلاف الصواريخ التي من شأنها أن تُشكل تهديداً خطيراً، بل وجودياً، لإسرائيل.
على الرقعة العسكرية التقليدية، يتكبد النظام الإيراني خسائر فادحة، في ظل التفوق الواضح لإسرائيل والولايات المتحدة. أما على الجبهة الاقتصادية والطاقة، التي نجحت إيران في تحويل حملتها إليها لخلق اختلال في موازين القوى وتعويض هزيمتها العسكرية، فإنها تُعرّض الاقتصاد العالمي ودول الخليج للخطر، في محاولة منها لخلق توازن ردع في مواجهة الولايات المتحدة.
في نهاية الشهر، تراجعت أهمية تصوير الحرب كمحاولة لتغيير النظام في إيران – وهو تصوير غير واقعي منذ البداية في حرب تُشنّ من الجو – ودخلت الولايات المتحدة المعترك الدبلوماسي مع النظام الإسلامي، بقيادة نجل خامنئي هذه المرة، وتحت سيطرة الحرس الثوري. وتجري المفاوضات في ظل إنذار نهائي وجّهه ترامب، والذي مُدّد مرتين، وينتهي في السادس من أبريل/نيسان، يقضي بشن هجوم على البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية، إذا ما استمرت إيران في تبني مواقف متشددة في المحادثات.
بين الاتفاق والتصعيد
في ظل هذه الظروف، وصلت الحرب إلى مفترق طرق: بين الاتفاق وبين مزيد من التصعيد، في سيناريو انهيار المحادثات واستمرار حصار مضيق هرمز. وتجدر الإشارة إلى أن نوعا من “تبادل الخروج” واردٌ حتى قبل هذا المنعطف الحاسم، في سيناريو تُسهّل فيه إيران المرور عبر المضيق، ويُبدي ترامب رضاه عن الإنجازات العسكرية للحملة.
على أي حال، تحوّلت الحرب، التي بدأت بهجوم إسرائيلي أمريكي مُنسّق على نحو غير مسبوق في تاريخ البلدين، إلى صراع أمريكي إيراني، أصبحت فيه إسرائيل طرفًا ثانويا، تُساهم في المفاوضات تحت النيران، وتُكمل تدمير البنية التحتية العسكرية والصناعية الإيرانية، وتساعد في الدفاع عن دول الخليج. وفي ظل هذا الواقع يمكن توقع السيناريوهات المُحتملة، بدءا من الاتفاق وصولا إلى التصعيد، مع دخول الحرب شهرها الثاني.
سيناريوهات الاتفاق
يبدو التوصل إلى اتفاق شامل بين الطرفين، في خضم الحرب، أمرا صعبا في الوقت الراهن، نظرا للفجوات الكبيرة بين النقاط الخمس عشرة للولايات المتحدة والمطالب الخمسة لإيران. ومع ذلك، قد تكون هناك اتفاقيات أولية قابلة للقياس ومحددة، إلى جانب بنود أكثر غموضاً لبقية الطريق، والتي ستؤدي إلى إنهاء الحرب (اتفاق على غرار “نموذج غزة”).
يمكن تحديد أربعة أنواع من الاتفاقات المحتملة: “الهدوء مقابل الهدوء”، وأهمها فتح مضيق هرمز مقابل وقف إطلاق النار واستمرار المفاوضات بعد ذلك، وضمانات أمنية أمريكية بعدم تجدد الحرب مقابل تنازلات إيرانية بشأن الملف النووي، وتخفيف العقوبات مقابل تفاهمات حول الملف النووي، واتفاق شامل لرفع عقوبات واسعة النطاق مقابل اتفاقات جوهرية بشأن الملف النووي والصواريخ والوكلاء.
لا ينبغي لإسرائيل أن تعارض مُسبقا أي اتفاق مع النظام، لا سيما بشأن القضية الجوهرية – الملف النووي. مع الأخذ بعين الاعتبار أن اتفاقا غير محدد المدة، يضمن عدم بقاء اليورانيوم عالي التخصيب في إيران، ويمنعها من تكديس اليورانيوم، ويتضمن آليات تفتيش صارمة، هو اتفاق جدير بالنقاش.
من جهة أخرى، إذا كان الاتفاق سيئا، فمن الأفضل إنهاء الحرب دون اتفاق، بدلا من اتفاق لا يقدم حلا للتحدي النووي، ويُبقي النظام في طهران على قيد الحياة. فإنهاء الحرب دون اتفاق، وفق نموذج “الهدوء مقابل الهدوء”، سيتيح للساحة الإقليمية والدولية مواصلة حملة الضغط القصوى على النظام الإسلامي، وسيُبقي على خيار التعامل عسكرياً مع اليورانيوم المخصب إذا حاول الإيرانيون استخراجه من أعماق الأرض في المواقع النووية المدمرة.
سيناريوهات التصعيد
تواصل الولايات المتحدة حشد قواتها في الشرق الأوسط، مع التركيز على القوات البرية، مما يمنح الرئيس ترامب خيارات متعددة للتحرك. فعلى عكس إيران، التي قد تُكرر نفس النهج، يستطيع ترامب، إذا أراد، تصعيد الموقف بعدة طرق، عسكرية وبرية، وفرض عقوبات باهظة على إيران.
الخيار الأول، وفقاً للإنذار الذي وضعه ترامب، هو إلحاق الضرر بالبنية التحتية الوطنية، ولا سيما البنية التحتية لإنتاج الكهرباء والطاقة. وهناك ثمة بديل ثانٍ، أكثر تعقيدا وخطورة، يتمثل في استخدام قوات برية وبحرية مشتركة لتحقيق هدف واحد أو أكثر من الأهداف الثلاثة التالية: فتح مضيق هرمز مع السيطرة على جزر استراتيجية، وربما على الساحل الإيراني، والاستيلاء على جزيرة خارك النفطية، وعملية لاستخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وهو ما يدرسه ترامب، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي مع إيران، من الضروري أن يُنفّذ ترامب الإنذار الذي وجّهه بمهاجمة البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية من الجو، بما في ذلك جزيرة خارك، قبل نهاية الحرب، أو كجزء من “اتفاق نهائي”. والهدف هو فرض ثمن باهظ على النظام لاستخدامه أساليب غير شرعية، مثل إغلاق الممرات الملاحية الدولية، وإلحاق الضرر بدول الخليج العربي، والابتزاز النووي.
بغض النظر عن كيفية انتهاء الحرب، يجد النظام الثوري الإيراني نفسه في أسوأ أوضاعه. فبعد عامين على سماحه لنفسه بمهاجمة إسرائيل بالصواريخ، لأول مرة مباشرة من إيران، يجد نفسه غارقاً في مشاكل جمة مع الولايات المتحدة، في حين أن كبار قادته، مخططي تدمير إسرائيل، قد رحلوا عن عالمنا.
يبدو أن الشعب الإيراني، لم يقل كلمته الأخيرة بعد، مع ذلك فإن التوقعات بخروجه إلى الشوارع أثناء الحرب، مُبالغ فيها. لكن، عندما تهدأ العاصفة، سيكون من المستحيل إخفاء الضربات التي تلقاها النظام، المعزول داخلياً وإقليمياً وعالمياً بشكل غير مسبوق، والعاجز عن حل مشاكل إيران المتجذرة في الاقتصاد والبنية التحتية وغيرها. وعندها سيأتي دور الجماهير في النزول إلى الشوارع عاجلاً أم آجلاً.
الفرصة التاريخية مع لبنان-ما الذي يمكن أن ينجح ضد حزب الله، وما الذي لا ينجح..؟
المقدم (احتياط) أور هورفيتش مساعد سابق لرئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس ملف حزب الله
أور هورويتز، الرئيس السابق لفرع حزب الله في الاستخبارات العسكرية
يخوض حزب الله معركةً البقاء، سواءً على صعيد مكانته ووجوده في لبنان، أو على صعيد وجود إيران. وقد وضعت الحرب الحالية حزب الله أمام جبهتين رئيسيتين: الجبهة الإسرائيلية والجبهة اللبنانية. ويخوض الحزب في كلتيهما معركةً شرسةً للحفاظ على شرعيته وما تبقى من قوته العسكرية، وهو في أدنى مستوياته على الإطلاق. ومع ذلك، فحتى في ظل ضعفه هذا، لا يزال الحزب قادرا على تهديد إسرائيل.
إذن، ما العمل..؟
الهدف الأول هو السيطرة الكاملة على شريط أمني خالٍ من السكان بعمق حوالي 8 كيلومترات، ما سيقضي تماما على تهديدات الغارات الواسعة النطاق، وعمليات القنص، والصواريخ المضادة للدبابات الموجهة نحو الأراضي الإسرائيلية. فالاستيلاء على هذه المنطقة يُعدّ ضروريا من الناحية العسكرية، ويحمل أيضا فائدة استراتيجية: إذ سيتمكن الجيش الإسرائيلي من السيطرة عليها طالما دعت الحاجة إلى نزع سلاح حزب الله الثقيل بالكامل. بالتالي، يجب أن تكون هذه المنطقة خالية من السكان المدنيين، تجنبا لتكرار أخطاء الماضي في لبنان، ونظرا لاستغلال حزب الله المكثف للمدنيين كقاعدة لنشر الإرهاب.
وخارج هذه المنطقة، يتعين على إسرائيل تحديد خطوط حمراء واضحة ومتدرجة: حظر شامل على وجود عناصر حزب الله جنوب نهر الليطاني، وحظر شامل على حيازة أي نوع من الأسلحة غير المشروعة جنوب نهر الزهراني، وحظر شامل على حيازة الأسلحة الثقيلة في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية. سيتم تحديد ترتيب الأولويات في تحقيق هذه الأهداف من خلال آلية تقودها الولايات المتحدة، وبالتنسيق الكامل مع إسرائيل. ومن المهم الحفاظ على حرية التصرف الكاملة لفرض هذه الأهداف في حال تقاعس الدولة اللبنانية عن ذلك.
في الوقت نفسه، من الصواب إدراك حدود القوة وتجنب المناورات الواسعة في لبنان، التي تحيط الشكوك في جدواها، ومدتها غير معروفة، وتكاليفها باهظة. إضافةً إلى ذلك، من الصواب التحلي بالواقعية والاعتراف بأن حزب الله – وهو تنظيم إرهابي أصولي يحظى بتأييد شعبي واسع – لا يمكن القضاء عليه بالوسائل العسكرية وحدها. وكل من يعتقد خلاف ذلك، فلينظر مباشرةً إلى قطاع غزة، حيث لا تزال حماس تنشط حتى بعد أكثر من عامين من العمليات البرية المكثفة.
ينبغي على إسرائيل التركيز على معالجة الأسباب الجذرية لأهم مصدرين لقوة الحزب: المال والمساعدات الإيرانية. ويجب أن يكون الهدف المنشود واضحا: أن يصبح حزب الله مُعدما لا يستطيع دفع رواتب عناصره، أو إعادة تأهيل مجتمعه، أو تلقي التدريب العسكري من الإيرانيين. ويكمن سبيل تحقيق هذا الهدف في العمل العسكري المنهجي، وكذلك في دعم حملة سياسية واقتصادية بقيادة الولايات المتحدة. قد يُثمر الجهد المشترك – العسكري والسياسي – لأول مرة نتائج إيجابية للغاية، في وقت يُتوقع فيه انشغال إيران بإعادة الإعمار الاقتصادي والعسكري في الداخل، وفي ظلّ تصاعد المشاعر المعادية لإيران في لبنان.
في الوقت نفسه، من الضروري اتخاذ خطوات لإضعاف حزب الله في الساحة اللبنانية عموما، وفي المجتمع الشيعي خصوصا. فهذه فرصة سانحة لدعم وتشجيع قوى المعارضة لحزب الله من بين أبناء الطائفة الشيعية: الشيعة في لبنان لم يولدوا موالين لإيران، وليس من الضروري أن يبقوا كذلك إلى الأبد. كما يجب أن تكون آلية إعادة بناء الدولة اللبنانية مشروطة بدعم عمليات نزع سلاح حزب الله، مع الحرص الشديد على عدم تدخّل إيران في هذا الشأن. ويجب على الشيعة في لبنان، وسكان البلاد عموما، أن يُدركوا أن إيران هي من دمّرت البلاد، وأن من سيعيد بناءها هي القوى المعتدلة المعادية لإيران.
كما تُتاح فرصة لإجراء تغيير جذري في الحدود مع سوريا، التي يرأسها حاليا رئيس معادٍ للشيعة بشكل واضح. فلسنوات طويلة، مثّلت الحدود شريان حياة حزب الله، حيث كانت تمر عبرها الأسلحة والأموال دون أي عوائق. والآن، ولأول مرة، بات من الممكن صياغة آلية للرقابة والمراقبة والإنفاذ بتنسيق لبناني سوري أمريكي إسرائيلي، من شأنها أن تحدّ بشكل كبير من قدرة الحزب على استغلال الحدود لأغراضه. وبالتوازي مع هذا المسعى، يجب المطالبة بإصلاحات في المطارات والموانئ اللبنانية، وعلى رأسها زيادة الشفافية وطرد عناصر حزب الله من مواقع نفوذها هناك. فعزل حزب الله عن العالم الخارجي سيمثل ضربة قاصمة يصعب على الحزب التعافي منها.
كما يجب على الجيش اللبناني تبني إصلاحات عاجلة وعميقة تهدف إلى تعزيز قدرته على فرض سيطرته في البلاد والحد من تورط حزب الله فيها. هذه هي الفرصة سانحة لتبني سياسة تكافئ القادة الذين يتخذون موقفاً حازماً تجاه أنشطة حزب الله، وتطرد القادة المتعاونين معه. فهدف وجود جيش لبناني قوي مستقل عن حزب الله، هو مصلحة واضحة لجميع الأطراف، نظراً لشعبيته الواسعة بين جميع فئات المجتمع اللبناني، ولصعوبة دخول حزب الله في مواجهة مباشرة معه.
وقبل كل شيء، يجب على المجتمع الدولي أن يكف عن التغاضي وأن يطالب لبنان بوضوح بتجريد حزب الله من جميع الأسلحة الثقيلة خلال فترة زمنية محددة، مع تحقيق أهداف قابلة للقياس. فقد ولّى زمن الشفقة على لبنان الممزق، والآن عليه أن يختار بين الانفصال عن حزب الله – الأمر الذي سيجلب مساعدات ودعماً غير مسبوقين للبلاد – أو تقديم أعذار من شأنها أن تؤدي إلى عكس ذلك.
في غضون ذلك، يمكن للبلدين، بل ينبغي لهما، الدخول في مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سلام. فمن شأن هذا الاتفاق أن يُمثل هزيمة استراتيجية لحزب الله وإيران، اللذين اتخذا من التطبيع مع إسرائيل رايةً لشنّ حرب. ويجب على إسرائيل اغتنام هذه الفرصة بوساطة أمريكية فعّالة، شريطة تفكيك حزب الله والاستعداد لتنظيم الحدود البرية بينهما.
حزب الله في موقف ضعف تاريخي وأكثر عزلة من أي وقت مضى. وبإمكان إسرائيل، بل ينبغي لها، استغلال هذه الظروف الفريدة لتكريس واقع لا يُشكل فيه حزب الله تهديدا عسكريا لإسرائيل، ويُمهّد الطريق للاعتراف المتبادل بين البلدين. فلأول مرة على الإطلاق، وفي وقت انهار فيه كل سند لحزب الله، لم يعد هذا السيناريو مجرد خيال.