الصحف

صحيفة معاريف: تحت ستار مراسم إحياء ذكرى الضحايا: محاولة التهرب من مسؤولية الحكومة لن تنجح

 

اللواء احتياط يتسحاك بريك

لم يقتصر يوم الذكرى الأخير على كونه لحظة تضامن مع الضحايا، بل شكّل أيضا منصةً لنقاش عام حاد حول جوهر النصر والاستراتيجية الوطنية. يتمحور النقاش حول مسألة إطلاق سراح الرهائن والضغط العسكري. وبينما يسارع القادة السياسيون إلى نسب الإنجاز إلى القوة العسكرية المُمارسة، يبرز صوت ناقد يُشير إلى واقع مختلف تماما.
إن ادعاء الحكومة بأن الضغط العسكري المتواصل وحده هو ما أدى إلى إطلاق سراح الرهائن لا يصمد أمام الواقع. فالتاريخ يُعلّمنا أن القتال المطوّل دون هدف سياسي واضح، كما حدث في قطاع غزة، قد أدى إلى طريق مسدود، كما شهدته إسرائيل في العامين الماضيين.
رضت إدارة ترامب وقفا فوريا للقتال في قطاع غزة، مما يثير تساؤلات جدية حول “أكاليل النصر” التي يحاول رئيس الوزراء الترويج لها في كل خطاب. فقد كان وقف القتال الذي فرضه ترامب هو ما هيأ الظروف السياسية والإقليمية لإطلاق سراح الرهائن، وليس بالضرورة استمرار المناوشات في المناطق السكنية التي أزهقت أرواحا كثيرة دون التوصل إلى قرار حاسم.
لو استمر القتال في قطاع غزة وفقا لرؤية بنيامين نتنياهو، لكنا تكبدنا خسائر فادحة وغير ضرورية، بلا هدف ولا إنجاز استراتيجي. وفي مثل هذه الحالة، كان من المُرجّح ألاّ يعود أي من الرهائن حيا. وقد أثبت تاريخ هذه الحملة بالفعل أن تعليق نتنياهو للاتفاقيات وإصراره على استمرار القتال، بدافع خوفه من إنهاء الحرب، قد أودى بحياة العديد من الرهائن الذين تُركوا لمصيرهم المحتوم في الأسر.
استمعتُ إلى خطابات رئيس الوزراء ورئيس الكنيست في حفل إيقاد الشعلة. القادة الذين قادوا أسوأ كارثة في تاريخ البلاد على المستوى السياسي، والذين لم يتحملوا مسؤوليتها بعد، يحاولون الآن تصوير النصر والنهضة. إنها محاولة بائسة للغاية، ولن ينجح التهرب من المسؤولية تحت غطاء الاحتفال.
لم تتحقق أهداف الحرب كما تم تحديدها، وهي هزيمة حماس وحزب الله، وإزالة التهديد الإيراني. فرغم الضربات القوية التي تلقتها، لا تزال إيران تُرسل أسلحتها، ولا يزال التهديد على الحدود قائماً وقوياً. تجد إسرائيل نفسها في حالة “إخماد حرائق” تكتيكية، في حين تفتقر إلى استراتيجية شاملة. ونتيجة لذلك، يميل المنظور السياسي الإسرائيلي إلى التركيز على التهديدات المباشرة، متجاهلاً العمليات طويلة الأمد في دول الدائرة الأولى والثانية:
* تعزيز القدرات الإقليمية: مصر وتركيا، رغم اتفاقيات السلام أو فتور العلاقات الدبلوماسية، تواصلان بناء قوة عسكرية حديثة وكبيرة.
* عدم الاستقرار السياسي: قد تُحوّل التغييرات في الأنظمة أو التحولات الأيديولوجية لدى جيراننا التهديدات الكامنة إلى مخاطر وجودية في غضون سنوات قليلة.
الحاجة إلى رؤية استراتيجية شاملة:
إن الاعتماد على تغيير النظام في إيران كحل سحري يُعدّ مقامرة محفوفة بالمخاطر. فحتى لو تضاءل التهديد الإيراني، فإنّ المشهد المتنامي للتهديدات -الذي يتألف من منظمات مسلحة شبه حكومية ودول ذات جيوش نظامية قوية – يتطلب من القيادة الإسرائيلية الانتقال من منظور “جولة حرب” ضيّقة إلى تخطيط استراتيجي استشرافي.
لا يمكن لأمن إسرائيل أن يعتمد على الخطابات الحماسية في الاحتفالات الرسمية أو على تعليق الآمال على قادة أجانب. بل يتطلب الأمر إعدادا دقيقا للجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي لمواجهة تحديات المستقبل، مع إدراك حدود القوة العسكرية وفهم أن الهدوء المؤقت ليس بديلاً عن قرار استراتيجي أو ترتيبات سياسية طويلة الأمد. يجب أن نتوقف عن إدارة الصراع بعيون شبه مُغلقة، وأن نبدأ ببناء البنية التحتية التي تضمن وجودنا حتى في مواجهة تهديدات لم تصل إلينا بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى