الصحف

بين صمود إيران وتراجع ترامب وبين هروب نتنياهو الى سفك الدماء في بيروت

جريدة البناء

حسن حردان

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كعادته، العالم بموافقته، قبل ساعة ونصف الساعة من انتهاء المهلة التي حدّدها، على مقترح باكستان لوقف النار على جميع الجبهات، وفتح مضيق هرمز بإشراف القوات المسلحة الإيرانية، واعتبار مقترح النقاط العشر الإيرانية لإنهاء الحرب وتلبية مطالب إيران بالاشراف مع سلطنة عُمان على العبور في مضيق هرمز، ورفع جميع العقوبات عن إيران، ودفع تعويضات لإيران لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، اعتباره أساساً مقبولاً للتفاوض خلال مدة وقف النار لأسبوعين، للاتفاق على حلّ شامل…
كيف يمكن تقييم هذا الاتفاق من الناحية السياسية، من الذي تراجع أمام الآخر، وما هي احتمالات ان تخرج المفاوضات باتفاق نهائي؟ وهل رفص نتنياهو وقف النار على الجبهة اللبنانية سيفجّر الاتفاق؟

أولاً: تقييم الاتفاق
هذا الاتفاق ليس “معاهدة سلام” بل هو “هدنة التقاط أنفاس” مشروطة بجدول زمني ضيّق جداً للتفاوض حول النقاط التي تضمّنها المقترح الإيراني (أسبوعان):
بالنسبة لترامب: يسوّق الاتفاق كانتصار شخصي ـ استطاع استعراض قوّته بفرض “مهلة نهائية” لفتح مضيق هرمز، مقابل وقف القصف، مما يعزز صورته كـ “صانع صفقات” قوي أمام ناخبيه.
بالنسبة لإيران: هو نجاح في تحويل المواجهة العسكرية الشاملة إلى “مسار تفاوضي” على أرض دولة صديقة (باكستان). قبول ترامب لـ “مقترح النقاط العشر” كأساس للتفاوض يُعدّ اعترافاً ضمنياً بمطالب طهران السيادية، خاصة في ما يتعلق بالإشراف على المضيق.

ثانياً: من الذي تراجع؟
الحقيقة أنّ الطرفين قدّما تنازلات “تكتيكية” لتجنّب “كارثة استراتيجية”:
تراجع ترامب: تراجع عن فكرة فرض “الاستسلام غير المشروط” على إيران، أو تغيير النظام بالقوة، وقبِل بمناقشة قضايا كانت تُعتبر “خطوطاً حمراء” أميركية، مثل رفع العقوبات الشامل ودفع التعويضات (التي قد تُسمّى لاحقاً “صناديق إعادة إعمار”).
تراجع إيران: تراجعت عن شرطها المسبق بعدم فتح مضيق هرمز إلا بعد وقف دائم وشامل للحرب ورفع العقوبات. وهي قبلت بفتحه “لمدة أسبوعين” كبادرة حسن نية بطلب من باكستان، سبق انتهاء المهلة التي حدّدها ترامب.
لهذا فإنّ ترامب ربح شكلياً بفتح المضيق، لكنه خسر عملياً بقبول إشراف إيران عليه.. وإيران ربحت “الوقت” و”الاعتراف بمطالبها كجدول أعمال” للتفاوض.

ثالثاً: لغم الجبهة اللبنانية
وموقف نتنياهو…!
رفض نتنياهو لوقف النار في لبنان يمثل أكبر تهديد لاستقرار هذا الاتفاق:
1 ـ “إسرائيل” ترى أنّ التهديد الوجودي من حزب الله لا يمكن حله عبر مفاوضات أميركية ـ إيرانية في إسلام آباد لا تضمن أمن المستوطنات الشمالية مع لبنان بشكل مباشر.
هذا التباين قد يكون “توزيع أدوار” (ضغط إسرائيلي مكمل للضغط الأميركي)، أو قد يكون “تمرّداً سياسياً” من نتنياهو الذي يخشى أن تؤدي التهدئة إلى سقوط حكومته أو إنهاء أهدافه العسكرية.
2 ـ إيران تعتبر استمرار العدوان على لبنان “خرقاً لروح الاتفاق”، مما دفعها للتراجع عن وعودها في هرمز إذا لم يقم ترامب بـ “لجم” حليفه الإسرائيلي.
رابعا: احتمالات الوصول لاتفاق نهائي.. الاحتمالات تبدو متأرجحة لصعوبة الملفات المطروحة:
عقبات النجاح: “النقاط العشر” الإيرانية تتضمّن مطالب، مثل انسحاب القوات الأميركية من المنطقة ودفع تعويضات لإيران بمليارات الدولارات، وهو ما يصعب على أيّ إدارة أميركية قبولها كاملة.
فرص النجاح: رغبة ترامب في إنهاء الحروب “الأبدية” وحاجة إيران الماسة لرفع الحصار الاقتصادي قد تدفع الطرفين نحو “اتفاق إطار” يرحّل الملفات المعقدة ويحوّل الهدنة المؤقتة إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد.
باختصار: نحن نعيش أسبوعين من “رقصة الحافة”، حيث سيحدّد يوم غد الجمعة في باكستان ما إذا كان العالم سيتنفّس الصعداء أم أنّ المدافع ستعود لتتحدّث بصوت أعلى فور انتهاء المهلة.
لكن من الواضح انّ تراجع ترامب عن تهديده وقبول الصيغة الإيرانية لفتح المضيق، وكأساس للتفاوض في باكستان، إنما هو محاولة للخروج من المأزق الاستراتيجي الذي وصلت اليها حربه على إيران، والتي ورّطه فيها نتنياهو، والتي فشلت في تحقيق أهدافها وتحوّلت الى حرب استنزاف مكلفة، بفعل صمود إيران وتماسكها دولة وشعباً وقوات مسلحة؟

رابعا: كيف تراجع ترامب؟
من الناحية البراغماتية، التراجع واضح:
ـ الانتقال من “التهديد بالإبادة” إلى “الجلوس في إسلام آباد”.
ـ الانتقال من “رفض الشروط الإيرانية” إلى قبولها “كأساس للبحث”.
ـ قبول ترامب بإشراف القوات المسلحة الإيرانية (بالتنسيق مع عُمان) على العبور في مضيق هرمز هو “تراجع استراتيجي أميركي” غير مسبوق…
هذا يعني أنّ ما يُسمّى بـ “عملية الغضب الملحمي” – التي بدأت في شباط – لم تنجح في انتزاع السيطرة على المضيق بالقوة…
وباتت إيران الآن تمتلك “شرعية تنظيمية” للمرور، وهو ما يمنحها اليد العليا في المفاوضات المقبلة في إسلام آباد.
لكن هناك احتمالاً قوياً أن تكون الهدنة (أسبوعين) مجرد “هدنة تقنية” لترامب لإعادة تذخير قواته أو تقييم الأضرار، بينما هي انتصار لإيران نتيجة صمودها.

خامساً: ردّ نتنياهو
الهيستيري الجنوني
لكن كيف يُفسَّر ردّ نتنياهو الهستيري الجنوني بتصعيد عدوانه الجوي على لبنان ليشمل أكثر من مائة غارة استهدفت العاصمة بيروت والضاحية والجنوب والبقاع ذهب ضحيتها مئات الشهداء والجرحى في مجزرة دموية مروعة، فيما أنكر ترامب أن يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف النار مع إيران!
يمكن تفسير هذا السلوك المتناقض بين “هدنة ترامب” و”محرقة نتنياهو” على النحو الآتي:

1 ـ الهروب من الهزيمة الى الانتقام عبر ارتكاب المجازر
بعد أن أعلن ترامب قبوله بالمقترح الإيراني (الذي يتضمّن تعويضات ورفع عقوبات)، وجد نتنياهو نفسه وحيداً أمام جمهوره بصورة الفاشل الذي لم يحقق أمناً ولم يكسر جبهة لبنان. هذه الغارات الـ 100 في 10 دقائق على بيروت والضاحية والبقاع هي محاولة لـ “صناعة نصر وهمي من الركام”، لإيهام الداخل الإسرائيلي بأنه لا يزال يملك المبادرة، وللانتقام من البيئة التي احتضنت المقاومة وأفشلت تقدمه البري.

2 ـ تبادل أدوار أم تمرد حقيقي؟
التناقض في التصريحات يثير الريبة:
ترامب: ينكر شمول لبنان للهدنة ليعطي نتنياهو فرصة أخيرة لـ “تحسين الشروط” أو للضغط على حزب الله للانفصال عن جبهة إيران قبل بدء مفاوضات الجمعة.
نتنياهو: يستغلّ هذا الهامش ليقوم بـ “تفريغ حقده”، ظناً منه أنّ سفك الدماء في بيروت قد تجبر محور المقاومة على تقديم تنازلات في باكستان.

3-لغم اتفاق باكستان
إيران وباكستان أعلنتا صراحة أن الاتفاق يشمل “جميع الجبهات”. لذا، فإنّ المجازر التي ارتكبها الاحتلال أمس هي “فخ لترامب” قبل أن تكون للبنان؛ فنتنياهو يريد دفع إيران للردّ السريع والقوي لإحراج ترامب وإجباره على العودة لمربع الحرب الشاملة، وبالتالي تفجير “الصفقة” قبل ولادتها.

4 ـ الرد الإيراني الميداني المتوقع
المعلومات الواردة من طهران تشير إلى أنّ الردّ بدأ بالفعل عبر “تعليق حركة السفن في هرمز” رداً على مجازر لبنان، مما يضع ترامب أمام اختبار حقيقي:
إما أن يمارس ضغطاً خشناً فورياً على نتنياهو لإيقاف جنونه.
أو أن يشاهد اتفاقه “التاريخي” ينهار ويتحوّل إلى حطام تحت صواريخ جبهة المقاومة التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استباحة بيروت.
الخلاصة: نتنياهو يتصرّف كـ “ثور جريح” في غرفة زجاجية؛ هو يعلم أنّ ساعته السياسية تقترب من الصفر، فيحاول هدم المعبد على رؤوس الجميع. لكن واقع الميدان وصمود المقاومة في الجنوب، رغم الغارات الإجرامية، يؤكد أنّ هذه “الهستيريا الجوية” هي دليل عجز عن الحسم البري، وليست دليل قوة.
الأرجح أنّ ما يقوم به نتنياهو اليوم هو “رقصة الموت الأخيرة” تحت مظلة أميركية مؤقتة. هذا “الضوء الأخضر” لن يغير من حقيقة أن العدو فشل في الميدان البري، وأنّ استهداف المدنيين في بيروت هو اعتراف بالعجز عن مواجهة المقاومين في القرى الأمامية. إنّ محاولة ترامب عزل جبهة لبنان عن اتفاق باكستان من المرجح انها ستسقط أمام وحدة الساحات، التي أثبتت أنها قادرة على تحويل “نزهة نتنياهو الجوية” إلى مأزق طاقة عالمي يضرب قلب واشنطن… وصواريخ تنهمر على الكيان تستنزفه على نحو غير مسبوق منذ احتلاله أرض فلسطين عام 1948.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى