الصحف

صحيفة معاريف: خط مستقيم متعرج: خطوة ترامب التي تُربك الجميع

الاعلام العبري
آنا بارسكي

لو صدّقنا دونالد ترامب، كانت الولايات المتحدة على بُعد يوم واحد من شنّ هجوم واسع النطاق على إيران، وعلى بُعد “ساعة” من اتخاذ القرار. ثم، وكما يحدث غالبا في مسرحيته السياسية العسكرية، في اللحظة الأخيرة، ظهر فاعلون من الخليج، وهمسوا في أذنه أن “هناك اتصالات جادة”، فتوقف الرئيس.
انتبهوا لاختيار الكلمات، لأنه ليس من قبيل الصدفة: لم يُلغِ، بل أوقف. وهذا الاختلاف هو جوهر القصة. وفقا لروايته الرسمية، أجّل ترامب هجوما كان مُقررا يوم الثلاثاء بناءً على طلب قطر والسعودية والإمارات، التي أوحت له بوجود فرصة للتوصل إلى اتفاق في غضون يومين أو ثلاثة. وفي الوقت نفسه، أوضح أن الجيش الأمريكي لا يزال على أهبة الاستعداد لشنّ هجوم واسع النطاق إذا فشلت الدبلوماسية.
مع ترامب الخط المستقيم مُتعرّج
من يبحث عن خط مستقيم هنا، سيُصاب بخيبة أمل. فمع ترامب، الخط المستقيم عادةً ما يكون مُتعرجا، وهو ما يُضفي عليه جاذبيةً خاصة. يُهدد، ويُماطل، ويُغرّد، ويُليّن، ويُشدّد، ويتباهى بضبط النفس، ثم يُلمّح إلى قدرته على تدمير كل شيء. ليس من المؤكد أن هذا ارتباك أم براعة استراتيجية. هذه هي طريقة ترامب الكلاسيكية: استخدام عدم اليقين كوسيلة للضغط، وتحديد موعد نهائي يُمهد لموعد نهائي آخر. كل من تابع سلوكه في الجولات السابقة مع طهران يعلم أن الموعد النهائي بالنسبة له ليس دائما خطا أحمر.
الهجوم الذي تم وقفه في الدقيقة التسعين، هو أيضا أداة سياسية. هل كانت هناك بالفعل طائرة في الجو، وإصبع على الزناد، ومظروف مُغلق في غرفة العمليات..؟ ربما. هل أراد ترامب أن يُصدق العالم وإيران وإسرائيل والأسواق أن هذا ما حدث بالضبط..؟ بالتأكيد. فبمجرد قوله إنه كان على بُعد “ساعة” من اتخاذ القرار، لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يروّج لرواية معينة. ووفقا لهذه الرواية، فهو الصقر المستعد للهجوم دون تردد، والرجل المسؤول الذي حال دون اندلاع حرب، وصانع الصفقات القادر على إقناع آيات الله بالتوقيع قبل نهاية الأسبوع. أمرٌ مُريب للغاية، بل يكاد يُثير الشك.
ووفقا للرواية نفسها، فإن السبب المباشر لوقف الهجوم على إيران هو الضغط الذي مارسته دول الخليج. ليس لأن محمد بن سلمان، وأمير قطر، ورئيس الإمارات، قد وقعوا فجأة في غرام الحرس الثوري. إنهم ببساطة يُدركون الحسابات: إذا هاجمت واشنطن طهران، فلن تُهاجم طهران واشنطن. ستُهاجم حيث تُؤلمها وحيثما تستطيع: منشآت الطاقة، والقواعد الأمريكية، والموانئ، وسفن الشحن التجارية، وربما مواقع حساسة أخرى في الخليج. ففي حرب أمريكية إيرانية، هم الجبهة الأمامية. لهذا السبب لم يمنع الخليج ترامب بدافع الاسترضاء، بل بدافع مصالح البقاء. إنهم يريدون إيران ضعيفة، مُقيّدة، وخاضعة للمراقبة. لا يريدون دبي والدوحة والرياض كمُلحق عملياتي للبنتاغون. طلبوا مهلة – يومين أو ثلاثة، وليس مؤتمر سلام في جنيف – لأن هذه المهلة قد تكون كافية أحيانا للفصل بين اتفاق سيئ وحرب سيئة.
الجميع يريد كسب الوقت
من جهة أخرى، يلعب الإيرانيون لعبة لا تقل تعقيدا. ظاهريا، يُظهرون موقفا حازما. رسالة طهران هي رفض “الضغط” الأمريكي، كدليل على تراجع الولايات المتحدة. في الخفاء، نقل الإيرانيون عبر باكستان مقترحا جديدا: إنهاء القتال، وفتح مضيق هرمز أو تسوية أوضاعه، والإفراج الجزئي عن الأصول، وتخفيف العقوبات، وانسحاب أمريكي من المناطق المجاورة، وتعويضات عن أضرار الحرب، وربما بعض العناصر النووية – لكن ليس الاستسلام.
تحرص طهران على عدم طمس هذا الخط الفاصل: اتفاق ينقذ النظام، نعم، لكن ليس اتفاقا يُذله. في هذه القصة، يبحث ترامب عن صورة النصر، بينما تبحث طهران عن صورة البقاء، وبين هاتين الصورتين يجب حصر عمليات التفتيش النووي، والصواريخ، والعقوبات، وقضايا النفط، ومضيق هرمز، والوكلاء، والشرف الوطني، وسرد علني للهجمات السابقة. قد يرغب الإيرانيون في كسب الوقت بقدر ما يرغب ترامب. إنهم يدركون أن الرئيس الأمريكي مولع بالصفقات، لكنه يكره أن يبدو ساذجا. لذا فهم يقدمون شيئا، لكنه غير كافٍ. يطلقون دخانا، لا نارا. على الأقل في الوقت الراهن.
داخل إدارة ترامب، يوجد صراع بين ثلاثة معسكرات. المعسكر الأمني يريد الحفاظ على مصداقية التهديد العسكري. المعسكر الدبلوماسي يريد استنفاد قناة الخليج-باكستان، خاصةً وأن أي هجوم قد يعيد المنطقة بأكملها إلى صراع شامل. أما المعسكر السياسي – أي ترامب – فيريد تحقيق انتصار إعلامي، ليُظهر أنه أخضع إيران دون جرّ أمريكا إلى مستنقع الصراع. يريد ترامب أن يكون ونستون تشرشل بدون قصف جوي مُكثف، وريتشارد نيكسون في الصين بدون هنري كيسنجر، ومقاولا بدون فاتورة.
ماذا سيحدث الآن..؟
ترامب يُناور بين اتفاق يبدو وكأنه انتصار، وهجومٍ يبدو وكأنه ضرورة. وإيران تبحث عن حل وسط يضمن بقاء النظام وعدم طي برنامجها النووي نهائياً. ودول الخليج تحاول احتواء الموقف. وإسرائيل تقف على مقربة من طاولة المفاوضات، لكنها ليست دائماً في موقع الفاعل: لاعب تابع، قلق، يضغط، وأحياناً يتعرض للضغط. فماذا سيحدث الآن..؟ من يدّعي معرفة الحقيقة يبيع ثقة زائفة. لكن أمراً واحداً واضح: الموعد النهائي الجديد الذي حدده ترامب ليس مجرد تاريخ، بل هو أسلوب عمل. سيبقى ما دام يخدم مصالحه. وحين يفقده، سيُحدد موعد نهائي جديد، أو هجوم جديد، أو اتفاق يُصوَّر على أنه نصر كامل. في الشرق الأوسط: عندما يتحدث الجميع عن “نافذة دبلوماسية”، يجدر بنا التحقق من مواقع الطائرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى