مقالات رأي

مفاجأة المقاومة الاستخبارية: كيف أجبر اصطياد «رؤوس النخبة» ضباط الاحتلال على الاعتراف بالفشل؟

 

حسن حردان

حسابات الحقل الإسرائيلي في جنوب لبنان لم تأتِ متطابقة مع بيادر عدوانه البري؛ فبعد سلسلة من الضربات الأمنية والاغتيالات لقيادات المقاومة، ظنّت حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو معها أنها حسمت المعركة سلفاً، اصطدم قادة جيش الاحتلال بواقع ميداني مغاير تماماً. لقد ضجت كبريات الصحف الإسرائيلية (مثل هآرتس، ويديعوت أحرونوت، ويسرائيل هيوم) بتسريبات لافتة وتحذيرات غير مسبوقة على لسان ضباط كبار في الخدمة والاحتياط، تجمع كلها على حقيقة واحدة: الجيش الإسرائيلي يعيش مأزقاً استراتيجياً وحرب استنزاف بلا أفق في جنوب لبنان.. وانه “لا جدوى من البقاء في لبنان، والجيش لا يحقق انجازات في هذه الحرب بشكلها الحالي”.
لم يعد الحديث مقتصراً على “تكتيكات دفاعية” تبديها المقاومة، بل انتقل النقاش داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية إلى الاعتراف بـ”مفاجأة استخباراتية وعملياتية” نجحت من خلالها المقاومة في قلب المعادلات، واستهداف الرؤوس القيادية لجيش الاحتلال (كقائد اللواء 401 مدرعات وقادة سرايا وفصائل النخبة)، مما دفع بالضباط لفتح قنوات التصريح للصحافة كأداة ضغط وتعرية للوعود السياسية الواهية.

أولاً: أبعاد ومظاهر “المأزق الاستراتيجي” في الجنوب،
تنقل التقارير العبرية عن ضباط في قيادة المنطقة الشمالية لجيش العدو صورة قاتمة للعملية البرية، يمكن تلخيص مظاهر مأزقها في ثلاث نقاط أساسية:
ـ استنزاف النخبة وأزمة الاحتياط: يواجه جيش الاحتلال إنهاكاً بشرياً حاداً؛ حيث يخدم جنود الاحتياط لمدد قياسية تجاوزت مئات الأيام، وسط تململ عائلي واقتصادي خانق، وتزايد حصيلة القتلى والجرحى في صفوف الضباط والجنود.
ـ عقم “المنطقة العازلة”: أثبت الواقع الميداني أنّ التدمير الممنهج للقرى الأمامية لم ينجح في خلق منطقة آمنة؛ إذ لا تزال منظومات صواريخ ومُسيّرات المقاومة تنطلق بكثافة من خلف الخطوط ومن نقاط المواجهة، مجهضةً هدف الحرب الإسرائيلية الأساسي وهو “إعادة مستوطني الشمال بأمان”.
ـ تآكل الردع الميداني: تحوّلت القرى والبلدات ذات الطبيعة الجغرافية الوعرة إلى “كمائن موت” اصطادت فيها المقاومة آليات وجنود الاحتلال، مما أسقط فرضية السيطرة البرية السريعة وسلَبَ جيش العدو زمام المبادرة.

ثانياً: التفوق الاستخباري والتكنولوجي للمقاومة (صدمة “العمى التكتيكي”)،
أكثر ما يثير قلق المحللين العسكريين الإسرائيليين هو نجاح المقاومة في الحفاظ على بنيتها القيادية والعملياتية، وتطوير قدراتها بشكل فاجأ الدوائر الأمنية الإسرائيلية، لا سيما في الجوانب التالية:
الجانب الأول، الاستخبارات الميدانية والإنذار المبكر: أثبتت الكمائن المركبة والقاتلة ضدّ الضباط والقيادات الإسرائيلية أنّ المقاومة تمتلك عيوناً استخبارية في الميدان لم تتأثر بآلة الحرب. المقاومة تعرف مسارات التقدّم، ونقاط التميز، وتحدّد “الرأس الموجه” للقوة (الضابط) لاستهدافه أولاً.
الجانب الثاني، تكتيك “قطع الرأس العكسي”: بينما كان نتنياهو يتباهى باستهداف الصف الأول للمقاومة، طبقت الأخيرة تكتيكاً ميدانياً مضاداً يعتمد على تصفية قادة الألوية والسرايا الإسرائيليين فور دخولهم الميدان، مما أربك قوات الاحتلال وأدخلها في فوضى عملياتية تحت النار لإخلاء القتلى والجرحى.
الجانب الثالث، التزاوج بين التكنولوجيا والطبيعة: اعتمدت المقاومة على منظومات اتصال سلكية مشفرة تحت الأرض، واستخدمت طائرات مُسيّرة انقضاضية موجهة بالألياف الضوئية، وهي تكنولوجيا هجينة لا تتأثر بـ”الحرب الإلكترونية” أو أنظمة التشويش الإسرائيلية، مما منح المقاتلين بثاً حياً لرصد واستهداف تجمعات الضباط بدقة خلف السواتر والجدران.

ثالثاً: دلالات تسريب الضباط للصحافة العبرية،
إنّ لجوء كبار الضباط والميدانيين الإسرائيليين إلى تسريب الحقائق والتحذيرات للصحافة بدلاً من الاكتفاء بالتقارير المغلقة، يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية بالغة الأهمية داخل الكيان:
البعد الأول، قول الحقيقة وتعرية البروباغندا: يهدف الضباط إلى صدم الشارع الإسرائيلي بالحقيقة المُرّة، وفصل “الوهم السياسي” لشعارات “النصر المطلق” لنتنياهو عن الواقع الميداني النازف.
البعد الثاني، الضغط على المستوى السياسي: تُعدّ هذه التسريبات “انقلاباً ناعماً” من المؤسسة العسكرية على الكابينت، لإجباره على ترجمة الإنجازات التكتيكية إلى اتفاق سياسي ينهي الحرب، بعد أن استنفد الجيش حلوله العسكرية.
البعد الثالث، الهروب من مقصلة التحقيق: يوثق القادة الميدانيون تحذيراتهم علناً لحماية أنفسهم من لجان التحقيق المستقبلية، وتحميل المستوى السياسي المسؤولية الكاملة عن الاستمرار في حرب بلا أهداف واضحة.

خلاصات واستنتاجات:
في ضوء المعطيات الميدانية والاعترافات الإسرائيلية، يمكن الخروج بالخلاصات الاستراتيجية التالية التي أفضى إليها العدوان البري على جنوب لبنان:
ـ عجز الحسم العسكري الكلاسيكي: أعادت معركة الجنوب تأكيد الحقيقة التاريخية بأنّ التكنولوجيا والتفوق الجوي لا يمكنهما حسم معركة برية في مواجهة مقاومة متمرّسة على خوض حرب العصابات، وتمتلك عقيدة قتالية صلبة وجغرافيا داعمة.
2 ـ المرونة العالية للمقاومة: تبيّن أنّ قدرة المقاومة على ترميم هيكليتها القيادية، واستعادة توازنها الاستخباري والتكنولوجي بعد الضربات الكبرى، تفوق بكثير تقديرات أجهزة الاستخبارات (أمان والموساد).
3 ـ انعكاس ميزان الاستنزاف: بدلاً من أن يكون الجنوب ساحة لتأمين مستوطنات الصهاينة في الشمال الفلسطيني المحتل، تحوّل إلى ثقب أسود يستنزف خزان النخبة العسكرية الإسرائيلية وقدرات جيش الاحتياط، مما جعل كلفة البقاء في الأرض أعلى بكثير من كلفة الانسحاب منها.
4 ـ الوصول إلى الجدار السياسي: خلصت المعركة إلى أن “إسرائيل” ، ورغم كلّ فائض القوة والتدمير، باتت بحاجة إلى سلّم دبلوماسي للنزول عن شجرة الأهداف العالية، حيث بات إنهاء الحرب عبر مخرج سياسي مصلحة حيوية وجودية لجيش الاحتلال لمنع انهيار قواته البرية في “المستنقع اللبناني”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى