مقالات رأي

من الليطاني إلى الزهراني.. خرائط التهجير تعيد رسم الجنوب.. هل يعود لبنان إلى القبضة الإسرائيلية؟

د. علي فاعور

 

مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية وصدور إنذارات بإخلاء مناطق تمتد من جنوب الليطاني إلى ما بعد الزهراني، لا يبدو ما يجري مجرد تصعيد عسكري عابر. فالخرائط الميدانية تكشف نمطًا متدرجًا لإفراغ القرى الحدودية من سكانها (الخريطة المرفقة)، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة 1982، ولكن بأدوات مختلفة. وبين أرقام تتحدث عن احتمال السيطرة على ما يقارب خُمس مساحة لبنان، وسوابق تاريخية وصلت إلى ثلثه، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يُعاد احتلال الجنوب اللبناني اليوم كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع؟.

أولاً: من تصعيد عسكري إلى إعادة رسم الجغرافيا
عام 1982 اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت، وبعد سنتين على الاحتلال، نشرت صحيفة «السفير» في 4 حزيران 1984 مقالة لي (د. علي فاعور)، كتبتها بعنوان: «ثلث الوطن في القبضة الإسرائيلية». اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود السؤال نفسه في ظل تصعيد عسكري واسع: هل نحن أمام إعادة إنتاج هذا المشهد؟..
تشهد الساحة اللبنانية تصعيدًا يتجاوز طبيعته حدود الرد العسكري الظرفي، مع تكثيف الغارات وصدور إنذارات متكررة بإخلاء مناطق تمتد من جنوب نهر الليطاني وصولًا إلى ما بعد نهر الزهراني، إضافة إلى استهداف الضاحية الجنوبية. هذا التوسع الجغرافي في العمليات يترافق مع موجات نزوح واسعة، ما يشير إلى محاولة تتجاوز العمل العسكري نحو إعادة تشكيل المجال الجغرافي عبر تفريغه من سكانه.

إن ما يظهر ميدانيًا لا يعكس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل نمطًا متدرجًا يبدأ من الشريط الحدودي ويتوسع نحو الداخل، في اتجاه خلق فراغ سكاني واسع على طول الحدود الجنوبية. وتكشف الخرائط السكانية أن قرى مثل عيتا الشعب، رامية، يارون، مارون الراس،عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، العديسة، كفركلا، الطيبة، الخيام والوزاني، أصبحت شبه خالية من سكانها، في حين تتراجع نسب النزوح تدريجيًا في المناطق الأبعد مثل بنت جبيل، وصولًا إلى نزوح نسبي في صور والنبطية.
هذا التدرج لا يبدو عشوائيًا، بل يعكس دينامية واضحة لإفراغ قرى وبلدات الشريط الحدودي، ما يطرح فرضية إنشاء منطقة أمنية عازلة فعلية، ولكن عبر التهجير والنزوح بدل الاحتلال المباشر.

ثانياً: الجذور التاريخية للأطماع في الأرض والمياه
لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط المشروع الصهيوني بتصورات جغرافية تتجاوز حدود فلسطين، وتشمل مناطق من جنوب لبنان، خاصة تلك الغنية بالموارد المائية.
بدأت هذه التوجهات بمحاولات شراء الأراضي في مناطق الحولة والحدود اللبنانية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، مستهدفة الأراضي الزراعية الخصبة ومصادر المياه. ومع ترسيم الحدود عام 1923 خلال الانتدابين الفرنسي والبريطاني، جرى اقتطاع عدد من القرى والأراضي التي كانت ضمن المجال اللبناني وإلحاقها بفلسطين، خاصة في سهل الحولة، ما أدى إلى خسارة مساحات استراتيجية.

وقد أكد قادة الحركة الصهيونية هذا التوجه بوضوح. ففي مذكرة قُدمت إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، شدد حاييم وايزمان على أن «المستقبل الاقتصادي الكامل لفلسطين يعتمد على إمدادات المياه… من نهر الليطاني»، ما يعكس مركزية البعد المائي في التفكير الاستراتيجي. كما عبّر دافيد بن غوريون عام 1948 عن رؤية توسعية تشمل تفكيك البيئة الإقليمية المحيطة، بما فيها لبنان.
وتكرّست هذه الأطماع عمليًا عبر سلسلة من الاعتداءات، من عمليات 1967 في منطقة العرقوب، إلى اجتياح 1978 وإنشاء ما سُمّي «الحزام الأمني»، وصولًا إلى الاجتياح الشامل عام 1982، رغم وجود حدود دولية معترف بها بموجب اتفاق الهدنة عام 1949.
ثالثاً: بين 1982 واليوم… من الاحتلال المباشر إلى التهجير المنهجي
يشكّل اجتياح 1982 نموذجًا واضحًا لفهم ما يجري اليوم. فقد بدأت العمليات في 4 حزيران 1982 بغارات جوية، تلتها عملية برية واسعة في 6 حزيران، أدت خلال أيام إلى السيطرة على مدن رئيسية مثل صور والنبطية وصيدا، والتقدم نحو الشوف وعاليه، وصولًا إلى بيروت.
وقد بلغت مساحة الأراضي المحتلة نحو 3100 كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلث مساحة لبنان، وأُخضع نحو ربع السكان للسيطرة العسكرية. كما أُنشئ «الشريط الأمني» الذي امتد حتى نهر الأولي، وضم عشرات القرى، حيث تم تهجير مئات آلاف السكان واعتماد سياسة الأرض المحروقة لإفراغ الجنوب.
اليوم، يتكرر المشهد، ولكن بأدوات مختلفة. فبدل الاحتلال المباشر، يتم اعتماد نمط يقوم على القصف المكثف والتهديد بالإخلاء، ما يؤدي إلى نتائج مشابهة من حيث تدمير القرى والمدن وتفريغ الأرض من سكانها. وتشير التقديرات إلى أن نطاق العمليات قد يمتد ما بعد نهر الليطاني حتى نهر الزهراني والأولي، أي نحو 2000 كيلومتر مربع، ما يعادل حوالي 19% من مساحة لبنان ، وتشمل مجمل مساحة محافظتي الجنوب والنبطية، والبالغ عدد سكانها المقيمين نحو 800 ألف نسمة من اللبنانيين، يضاف اليهم نحو 350 ألف نسمة من الفلسطينيين والسوريين وغيرهم.
غير أن خطورة هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، بل في قابليته للتوسع. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الاحتلال الإسرائيلي في 1982 لم يحدث دفعة واحدة، بل بدأ من الجنوب وتوسع تدريجيًا نحو العمق. وعليه، فإن الحديث عن نطاق جغرافي محدود اليوم قد يشكّل مرحلة أولى ضمن مسار تصاعدي يعيد إنتاج نموذج التوسع السابق، ولكن بأساليب أقل كلفة عسكريًا.
رابعاً: الجنوب بين الفراغ السكاني والصمود التاريخي
إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي الأوسع، حيث يتحوّل التهجير من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي. فإفراغ القرى الحدودية يخلق منطقة عازلة فعلية، ويحوّل الأرض إلى مجال عسكري مفتوح، يسهل التحكم به دون الحاجة إلى وجود دائم.
ويتقاطع هذا الواقع مع الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يركز على «إبعاد التهديد شمالًا»، ما يعزز فرضية الانتقال من السيطرة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل المجال السكاني كبديل استراتيجي.
غير أن التجربة التاريخية في لبنان، وخاصة خلال فترة الاحتلال بين 1982 و2000، أظهرت أن محاولات إفراغ الجنوب لم تنجح في تثبيت واقع دائم. فقد أدت المقاومة إلى تغيير ميزان القوى، وأجبرت إسرائيل على الانسحاب في 24 أيار 2000، في محطة مفصلية أكدت أن العلاقة بين الإنسان والأرض في الجنوب تتجاوز البعد المادي لتصبح عنصرًا من عناصر الصمود في مقاومة الاحتلال.
اليوم، تتكرر معادلة النزوح والتهجير الجماعي، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا أمام صمود المقاومة لمنع التقدم واحتلال الأرض، وفي مواجهة الانقسامات الداخلية حيث يهدد تأخر إعادة الإعمار بتحويل النزوح المؤقت إلى حالة طويلة الأمد. وهنا تكمن الخطورة الكبيرة، إذ يصبح الفراغ السكاني مدخلًا لإعادة رسم الواقع الجغرافي.
إن جغرافية الجنوب، الممتدة بين الليطاني والحاصباني، والزهراني والأولي (الخريطة المرفقة)، ليست مجرد مساحة أرض، بل هي مجال حيوي يرتبط بالمياه والزراعة والصمود والتمسك بالأرض. وبرغم كل موجات النزوح والتهجير والهجرة، يبقى الارتباط بين الإنسان وأرضه عاملًا حاسمًا في منع العدوان ومقاومة الاحتلال.
بناءً على ذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره تصعيدًا عابرًا، بل هو جزء من مسار تاريخي طويل من السعي إلى السيطرة على الأرض والمياه والموارد. وإذا كانت الأدوات قد تغيّرت، فإن الأهداف الأساسية تبدو ثابتة إلى حد كبير.
وهنا يعود السؤال المركزي: جنوب بلا سكان؟ كيف يُعاد رسم حدود لبنان تحت النار.. وهل يعود لبنان إلى الوقوع في القبضة الإسرائيلية؟ وهل يواجه لبنان خطر فقدان خمس أراضيه؟
الإجابة لا تزال مفتوحة، لكنها تتوقف على دور المقاومة في منع تحوّل الاحتلال إلى واقع دائم، وعلى دور لبنان لتأمين الدعم الدولي والحفاظ على تماسك العلاقة بين الأرض وسكانها، في مواجهة الأطماع الصهيونية ومشاريع أثبت التاريخ فشلها في افراغ الجنوب واعادة تشكيل الجعرافيا، وعجزها أمام ظاهرة الارتباط بين الانسان والارض.

رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى