مقالات رأي

وعود بمليارات الدولارات وتفكيك حماس: انكشاف خدعة ترامب ونتنياهو الكبرى في غزة

 

جاكي هوجي

قد يجد المرء بعض العزاء في حقيقة أن كل ما يحدث هذه الأيام في قطاع غزة يجري في غياب الرهائن الإسرائيليين عن أراضيه. وما يحدث أشبه بطحن الماء والدوران في حلقة مُفرغة. من المشكوك فيه أن نسمع أي إنجاز أو اختراق من هناك في الأشهر المقبلة. فعلى المدى القصير، يمكن لإسرائيل أن تتعايش مع هذا الوضع. لكن من يخنق غزة، أو بالأحرى من يفرّ منها، فإن غزة ستلاحقه. هذا ما تعلمناه في 7 أكتوبر، وقد يتكرر هذا الأمر في المستقبل.
بُذلت محاولة أخرى هذا الأسبوع للترويج لحل في القطاع. اتسم جو المحادثات بالمماطلة. بدأت هذه الخطوة قبل نحو شهر، عندما سقطت الصواريخ هنا وصمّت صفارات الإنذار آذاننا. قدّم نيكولاي ملادينوف لحماس مقترحا مُفصّلاً من ثلاث مراحل لنزع السلاح.
ستستمر المرحلة الأولى شهرين، تُسلّم خلالها حماس صواريخها وقاذفاتها وآلاف بنادق الكلاشينكوف، بالإضافة إلى خرائط الأنفاق والعبوات الناسفة. وسيُسمح لأعضائها بالاحتفاظ بأسلحتهم للدفاع عن النفس خلال هذه الفترة. سيُسلّم أعضاء حماس الأسلحة والذخائر إلى قوة الشرطة الفلسطينية التي ستُنشأ في القطاع. وستتألف هذه القوة من ثلاثة عناصر: القوة الأساسية، التي ستضم ما بين 2000 و3000 شرطي فلسطيني، وسينضم إليهم ضباط من جيوش مختلفة من العالم لتشكيل قوة متعددة الجنسيات، ولإكمال الصورة، سيتم الاستعانة بشركة أمنية أجنبية.
ستتولى هذه القوة جمع الأسلحة من حماس والإشراف على عملية الجمع بدقة. سيشمل حلّ الميليشيات المدعومة من إسرائيل، في قطاع غزة أيضاً. وهي خمس ميليشيات فلسطينية زودتها إسرائيل بالأسلحة، تضم كل منها عشرات الرجال. وتتمركز هذه الفصائل بين السكان الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع.
إذا ما اكتملت هذه المرحلة، ستبدأ المرحلة الثانية التي ستستمر نحو ستة أشهر. وستبدأ هذه المرحلة بانسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من المناطق المختلفة. وستدخل قوات الشرطة الجديدة المناطق التي أخلاها الجيش الإسرائيلي وتتولى السيطرة عليها. ستكون هذه القوات هي الذراع التنفيذية في قطاع غزة. وفي المناطق التي تنتشر فيها، سيُسلّم أعضاء حماس أسلحتهم ويحصلون على الحماية الكاملة من قوات الشرطة. وفي المرحلة التالية، ستدخل الحكومة الفلسطينية، الموجودة حالياً في القاهرة، قطاع غزة. وستتولى الحكم وتبدأ مشروع إعادة الإعمار وتدير شؤون السكان اليومية.
مقترح ميؤوس منه
قد يبدو المقترح معقولاً نظرياً، لكنه في لغة الدبلوماسية والأعمال، غير قابل للتطبيق. فهو ميؤوس منه منذ البداية. حماس غير مهتمة بتسليم أسلحتها طواعية. بالنسبة لها، يُعدّ تسليم أسلحتها استسلاما وتخليا عن دورها التاريخي. جميع الأطراف المذكورة أعلاه تُعتبر أعداءً لها. تعمل قوة الشرطة الجديدة تحت إشراف السلطة الفلسطينية، ولا تُخفي عداءها لحماس.
مصر أيضا مُرتابة، نظرا لتقاربها مع البيت الأبيض وقربها المعروف من إسرائيل. يشكّ قادة حماس في أن ينسحب الجيش الإسرائيلي طواعيةً، دون ضغوط شديدة تُمارس عليه، وأن يتخلى عن الميليشيات الموالية له في قطاع غزة.
كما تُثير شركة الأمن الخاصة مخاوف حماس من أن تُصبح ذراعا للجيشين الإسرائيلي الأمريكي. في اللغة العربية، يُطلق على هذه الحالة اسم “مسمار جحا”. اتهم قادة حماس ملادينوف بعدم تقديم عرض متوازن، وشكّوا في انحيازه لإسرائيل. إن نزع سلاح أعضاء حماس طوعاً، كما يوحي به عرض ملادينوف، هو حُلُم إسرائيل، لكنه كابوس حماس التي تقول إن جوهر العرض هو نزع السلاح، وليس إعادة إعمار غزة أو الانسحاب الإسرائيلي منها.
أخّر قادة حماس ردهم. ليس لأنهم درسوا العرض، بل لأنهم أرادوا أن يشيروا لـ ملادينوف وأصدقاءه المصريين بأنه غير قابل للتطبيق. قدّم قادة حماس لمصر وملادينوف قائمةً بالانتهاكات الإسرائيلية. وتساءلوا: لماذا لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من المناطق المحددة في المرحلة الأولى..؟ ولماذا يشنّ هجمات شبه يومية، بينما نحن في حالة وقف إطلاق نار..؟ انتهت الاجتماعات دون تحقيق أي تقدم يُذكر.
حتى الآن، مشروع إعادة إعمار غزة متوقف، ولا نرى أي سبيل لإنقاذه. لا أحد يتحدث عن ذلك، ولكن يمكن القول إنه بعد ستة أشهر من صفقة الرهائن، بات فشل هذا المشروع الطموح أقرب من أي وقت مضى. وُعد بمليارات الدولارات ولم تصل. ووُعد بآلاف الجنود الأجانب، ولم ينزل منهم جندي واحد على أرض غزة. كما وعد بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب بنزع سلاح حماس سريعا. ولا يزال الوعد عل حاله.
يتساءل المرء عن تركيبة الشخصيات في مجلس السلام الذي أنشأه ترامب، وفي الهيئة التنفيذية التي يرأسها ملادينوف. المفاوضات السياسية شأنٌ يخصّ المُحترفين، إلاّ أن معظمهم يفتقرون للخبرة الدبلوماسية، ويجهلون القضية الفلسطينية. بعضهم رجال أعمال، ودورهم غير واضح. فإذا كان تم اختيارهم لخبرتهم، فأي خبرة لديهم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني..؟ وإذا كان هدفهم جمع رؤوس أموال، فلماذا لم يفعلوا ذلك حتى الآن..؟ وإذا جاؤوا لتحقيق أرباح شخصية، فهناك تضارب مصالح واضح. عندما يلتقي الواقع بالهواة، يصبح النجاح موضع شك حتى في المراحل الأولى.
من المهم الإشارة إلى أن الجانبين راضيان عن الوضع الراهن في هذه المرحلة. فإسرائيل لا ترغب في تقليص وجود جيشها في قطاع غزة، وحتى لو كانت مستعدة لذلك، فليس لديها مصلحة في دفع هذه القضية قدماً، على الأقل حتى الانتخابات. أما بالنسبة لحماس، فإن هذا الجمود يصب في مصلحتها. فهي تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية المتضررة واستعادة سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها. وهي تؤكد أن صراعاً عسكرياً آخر بات وشيكاً. إمّا قريباً نتيجة انهيار المفاوضات، أو في المستقبل البعيد، بعد أن تستفيق إسرائيل من سباتها الذي قد يدوم بضع سنوات أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى