الذين تهتز لوقع أقدامهم الجبال

نبيه البرجي
أجل … قيل فيهم “الذين تهتز لوقع أقدامهم الجبال” . هؤلاء أهل جنوب لبنان وقد قيّض لهم أن يوجدوا على تخوم دولة يتقاطع فيها الجنون الايديولوجي مع الجنون الاستراتيجي , كما كتب عليهم أن يقضوا تلك العقود الطويلة , وحتى تلك القرون الطويلة , على درب الآلام دون أن يحنوا يوماً رؤوسهم أمام الغزاة . هنا الدم من أجل الأرض وهنا طائر الفينيق الذي ينبعث من النار وليس فقط من الرماد .
الجنوبيون اياهم الذين قال فيهم الجنرال يهوشوا ساغي , ابان الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 , “لقد قرأت في عيونهم اننا باقون وأنتم راحلون” . هم أيضاً من أرغموا رئيس الحكومة الاسرائيلية الجنرال ايهود باراك على القول “لقد آن الأوان لجنودنا أن يخرجوا من جهنم” .
الآن مدينة بنت جبيل . ستالينغراد العرب . 250 مقاتلاً وفي ظروف كنا قد وصفناها بأنها أكثر من أن تكون مستحيلة واجهوا بأداء بطولي الأرمادا الاسرائيلية : مئات الغارات اليومية اضافة الى طوفان النار الذي تحدثه مئات الدبابات التي كانت تحترق بالعشرات , كما لو أنها صنعت من الورق لا من الفولاذ . أحد الضباط وقد أذهله المشهد “لكأنهم الأشباح يخرجون الينا من الهواء” . لا نتصور أن ثمة بطولة تضاهي تلك البطولة . ماذا تراه يقول الجنرال ايال زامير حين يكتب المعلق العسكري عاموس هرئيل “لكأن جنودنا يقاتلون على فوهة الجحيم” ؟
هكذا يريد بنيامين نتنياهو أن تكون المفاوضات على أرصفة الجحيم . بمعنى ما رقصة التانغو مع الشيطان . ما يستشف من التعليقات الاسرائيلية أن زعيم الليكود ألمح لدونالد ترامب “اذا ما توقفت الحرب قد لا يوجد من ينتشل جثتي من تحت الأنقاض” . منذ عقود لم يعد الجيش الاسرائيلي القوة التي لا تقهر . لعل البعض يستذكر حديث الروائي عاموس أوز في أواخر أيار 2000 “آمل أن يكون هناك من يطوي أيام العار تلك الى الأبد” .الآن كلام مماثل . غداة جلسة الكابينت مساء الأربعاء كتبت صحيفة “اسرائيل هيوم” عن البلبلة التي حدثت ابان الجلسة . وزراء ضد وزراء وعسكريون ضد عسكريين حول مسألة وقف النار في لبنان . نتنياهو بدا كما المايسترو الذي يقود أوركسترا من المجانين .
أوركسترا المجانين أم أوركسترا مصاصي الدماء ؟ بعد الصورة “التاريخية” للسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض والسفير الاسرائيلي حول ماركو روبيو في مقر وزارة الخارجية الأميركية , كان هناك من يتوقع عودة القيادة الاسرائيلية الى الوعي ولو لأيام . هذه القيادة أنذرت سكان جنوب نهر الزهراني بالرحيل الى الشمال , بعد تدميرآخر جسر يربط الجنوب بالمناطق اللبنانية الأخرى .
هذا ما يجعلنا نتساءل ما اذا كانت اسرائيل تريد السلام مع لبنان أم الاستسلام بتفريغ الجنوب من أهله ليغدو ليس منطقة منزوعة السلاح وانما منطقة منزوعة السكان , وان كانت وقائع الميدان قد أثبتت استحالة وضع اسرائيل اليد على الجنوب .
وكان تصريح يحيئيل ليتر بعد محادثات الساعتين مع ندى حمادة معوض قد صدم بعض كبار المسؤولين اللبنانيين لايحائه بأن اتفاقاً جرى بين الجانبين لـ”تحرير لبنان من حزب الله” , ما يعني الدفع في اتجاه تفجير الساحة اللبنانية . تالياً تفكيك الدولة اللبنانية كدولة متعددة الأبعاد ومضادة للدولة ذات البعد الواحد . من هنا قناعتنا بأن أي مفاوضات بين لبنان واسرائيل هي المفاوضات بين المستحيل مع المستحيل .
وفي حين يمارس نتنياهو عسكرياً سياسة “الأرض المحروقة” , يمارس الرئيس الأميركي “ديبلوماسية الأرض المحروقة” للدفع باتجاه الوصول بلبنان الى “اتفاقات أبراهام” , حتى أنه ودون أن يستشير الرئيس اللبناني جوزف عون تحدث عن اتصال هاتفي يوم الخميس الماضي بين “زعيمي لبنان واسرائيل” , مع ما لذلك من تداعيات خطيرة على المشهد اللبناني البالغ الحساسية . وكانت الاتصالات التي ادت الى ارجاء الاتصال الى مرحلة لاحقة .
باختصار دونالد ترامب يزمع دعوة الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الاسرائيلي الى البيت الأبيض لتحقيق معجزة ديبلوماسية (وتاريخية) , بعدما قدم نفسه بصورة السيد المسيح وهو يشفي أحد المرضى . من تراه يقول له ان مرض الشرق الأوسط يدعى … أميركا !!
ولكن ألا يبدو أن فرض الرئيس الأميركي هدنة الأيام العشرة كان بمثابة الضربة القاضية على ائتلاف الذئاب . هكذا يتحول “زئير الأسد الى مواء القطط” !!

