المقاومة: لا وقف لإطلاق النار قبل الانسحاب

صحيفة الأخبار
أعلنت المقاومة الإسلامية، أمس، بالنار، أنّه لا وقف فعلياً لإطلاق النار في لبنان، وأنها غير معنية بما يُطرح كهدنة. فمنذ الساعات الأولى، اعتمدت نمطاً جديداً من القتال، مستهدِفةً قوات الاحتلال في المناطق التي لا تزال تحت سيطرته. وفي موازاة ذلك، التزمت عدم قصف المستوطنات مقابل وقف استهداف المدنيين في الداخل اللبناني، قبل أن تردّ على الخروقات بعمليات نُفّذت بدايةً من دون إعلان، لتنتقل لاحقاً إلى الإعلان المسبق ورفع مستوى الهجمات، كما حصل أمس.
هاجس المقاومة لا يتصل بحسابات داخلية ولا بتعكير برامج الحكم والسلطة، بل في أنها تقول لإسرائيل أولاً ولأميركا من خلفها ثم لأركان السلطة، بأن الحرب تنتهي عندما تلتزم إسرائيل وقفا شاملاً لكل أنواع القتال وانسحاباً شاملاً من الأرض، وهو ما يستمر كبند على طاولة التفاوض الأميركي – الإيراني.
وما يجري في لبنان ليس التباساً بين أركان الحكم حول إدارة التفاوض، بل خلل في قراءة الصراع نفسه. لبنان الرسمي يتصرّف كأنّه أمام فرصة دبلوماسية قابلة للالتقاط، فيما الوقائع تشير إلى أنّنا أمام استماتة إسرائيلية لفرض مبدأ «السيادة الأمنية» بالقوة. الأخطر أنّ الانشغال بتفاصيل الشكل التفاوضي، مباشر أو غير مباشر، يمنح العدو الوقت والغطاء لفرض وقائع ميدانية تتحوّل لاحقاً إلى «مرجعية» لأي تفاوض، وهو ما كانت تسعى إليه إسرائيل من وراء محاولات السيطرة على بنت جبيل.
في هذا الإطار، يبدو النقاش الدائر عند أركان الدولة حول آليات التفاوض منفصلاً عن المسار الفعلي الذي يتشكّل على الأرض. فإسرائيل لا تنتظر مآلات الوساطات، بل تمضي في تثبيت ما يمكن تسميته بهندسة سيطرة متعددة الطبقات، تعيد عبرها توزيع الجغرافيا اللبنانية إلى مساحات وظيفيّة تخدم أمنها المباشر، وفقَ ما قال وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس.
المساحة الأولى، المحاذية للحدود بعمق يقارب عشرة كيلومترات، تُدفع نحو التحوّل إلى شريط منزوع الحياة. إفراغ تدريجي للسكان، تدمير ممنهج للبنى، وتحويل القرى إلى منطقة فاصلة دائمة. في هذه البقعة، لا يعود الحديث عن سيادة فعلية، بل عن حضور شكلي يتآكل تحت وطأة الوقائع العسكرية. المساحة الثانية، الممتدة حتى نهر الليطاني، تُرسم كحيّز خاضع لرقابة أمنية مشدّدة، تُحظر فيه أي بنية مسلّحة، ويُدار تحت عين التفوّق الجوي والتقني الإسرائيلي. وأخيراً كل لبنان حيث يُلقى على عاتق الدولة عبء مسؤولية تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله».
بهذا المعنى، لا يستهدف المسار الإسرائيلي فقط الحدود، بل وظيفة الدولة نفسها، عبر دفعها لتكون جزءاً من منظومة أمنية مفروضة. وهو مسار يتقدّم بخطوات ثابتة عبر التدمير، والإنذارات، وتوسيع نطاق المناطق العازلة، بما يجعل أي تراجع عنه لاحقاً بالغ الصعوبة. لكن الأهم من ذلك أن المقاومة، ليست في صدد السكوت على هذا الواقع ولا الوقوف وراء الدولة التي أثبتت فشل دبلوماسيتها، وتركض في اتجاه اتفاقات استسلام لا تفتقر وحسب إلى التوافق الوطني الداخلي وإنما أيضاً إلى الغطاء العربي. وقد أطلت أمس طلائع الرد، بعد المعلومات عن إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه كيان الاحتلال.
في المقابل، يبدو الأداء اللبناني أقرب إلى محاولة شراء الوقت. الرهان على تمديد الهدنة، والتحرّكات الدبلوماسية، يعكسان سعياً إلى التقاط هامش سياسي، لكنّهما لا يبدّلان في ميزان القوى. فبينما تتحدّث بيروت عن تفاوض، تعمل تل أبيب على فرض نتائج هذا التفاوض مسبقاً، فيما يفتقد لبنان لأي غطاء إقليمي جدي لهذه المفاوضات والمشكلة الأعمق أن لبنان يدخل هذا المسار بأوراق ضعيفة: انقسام داخلي، محدودية في عناصر القوة. وقد برز في هذا الإطار أمس، موقف النائب السابق وليد جنبلاط، من عين التينة، إذ أشار إلى أن «أقصى ما يمكن أن يقدّمه لبنان، بالتلاقي مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، هو العودة إلى اتفاقية الهدنة 1949 مع إدخال تطوير عليها، بما يواكب المرحلة الراهنة».
وشدّد على ضرورة التوجّه نحو التفاوض عبر قنوات واضحة، تستند إلى جدول أعمال محدّد يرتكز على الانسحاب واستعادة الأراضي، معتبراً أن البلاد تمرّ بـ«محنة كبرى» تتفاقم، ما يستدعي إيجاد وسائل عملية لتثبيت وقف إطلاق النار. وقد فُسّر كلامه، بأنه إلى جانب الرئيس بري الذي لا يزال يرفض حتى الآن أن يؤمّن للمفاوضات المباشرة غطاء شرعياً توافقياً، كما يعني أن جنبلاط يعتبر بأن المفاوضات المباشرة بالأداء الذي يمارسه لبنان ليست مجدية لا بل تشكل خطراً على الداخل اللبناني.
يبدو نقاش أركان الدولة حول آليات التفاوض منفصلاً عن المسار الفعلي الذي يتشكّل على الأرض
ميدانياً، للمرة الرابعة، تكرر المشهد أمس الثلاثاء، بجميع عناصره: إرباك إسرائيلي، غموض، روايات متضاربة، ثم اتهام حزب الله.
وذلك على إثر ما شهدته المنطقة الحدودية في جنوب لبنان من تطور ميداني لافت تمثّل بإطلاق صواريخ وقذائف باتجاه قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة داخل الأراضي اللبنانية في بلدة رب ثلاثين، في حادثة تأتي ضمن سياق تصعيدي متدرّج أعقب سلسلة «حوادث أمنية» استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الماضية.
وبحسب وسائل إعلام عبرية، فقد وقع «حدثان أمنيان متزامنان» على الجبهة الشمالية: الأول استهداف بري مباشر طاول القوات الإسرائيلية في رب ثلاثين، والثاني خرق جوي تمثّل في إطلاق طائرة مسيّرة من الأراضي اللبنانية باتجاه شمال فلسطين المحتلة، ما دفع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية إلى إطلاق صواريخ اعتراضية.
وسارع جيش العدو الإسرائيلي إلى اتهام حزب الله بالمسؤولية عن إطلاق الصواريخ، معتبراً أن ما جرى «خرق فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار». وأعلن أنه استهدف منصة الإطلاق خلال دقائق من العملية. في المقابل أعلن حزب الله أن مقاتليه «استهدفوا مربض مدفعيّة جيش العدوّ الإسرائيليّ في مستوطنة كفرجلعادي، مصدر القصف المدفعيّ باتّجاه بلدة يحمر الشقيف، بصليةٍ صاروخيّة وسرب من المسيّرات الانقضاضيّة، ردّاً على الخروقات الفاضحة والموثّقة للعدوّ الإسرائيليّ والتي تجاوزت 200 خرق منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، شملت الاعتداء على المدنيّين وتدمير بيوتهم وقراهم».
في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن وتيرة «الحوادث الأمنية» التي تعرضت لها قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تتوقف منذ أن خرقت الهدنة في 16 نيسان الجاري، وأن نمط هذه الحوادث اتسم بالتنوع، من عبوات ناسفة وألغام إلى اشتباكات مباشرة، وصولاً إلى الاستهداف الصاروخي.
وكانت الأيام الماضية قد شهدت سلسلة هجمات بعبوات ناسفة استهدفت آليات عسكرية إسرائيلية في القطاع نفسه، وأوقعت قتلى وجرحى في صفوف القوات المعادية، في حين أقرّت تل أبيب بجزء من هذه الخسائر متأخرة، ما أثار انتقادات داخلية لأداء المؤسسة العسكرية وسياسة «التجاهل» المعتمدة إعلامياً. ويرى مراقبون إسرائيليون في الإعلام العبري، أن عدم الرد على تلك «الحوادث» شجّع على انتقال التصعيد إلى مستوى أعلى، تمثّل اليوم بإطلاق صواريخ بشكل مباشر على القوات داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، اعتبروا أن ما يجري يشكّل «اختباراً حقيقياً» للقيادة الإسرائيلية، وسط دعوات لتغيير قواعد الاشتباك والرد بقوة. في المقابل، يلفت توصيف «خرق وقف إطلاق النار» الذي استخدمه جيش العدو الإسرائيلي في وصفه لما حدث أمس متهماً به حزب الله. في حين، تثبت وقائع الميدان أن قوات الاحتلال الإسرائيلية لا تزال تنتشر داخل أراضٍ لبنانية، ما يعني أنها قوات احتلال، وتقوم بعمليات التدمير والاستهداف، في خرق واضح للهدنة بشكل مستمر ومتواصل.
تزامنت هذه التطورات مع مسار تفاوضي غير مباشر بين إيران والولايات المتحدة يضفي بعداً إقليمياً على ما يجري، إذ تُنقل تفاصيل المشهد الميداني في جنوب لبنان إلى طاولة التفاوض، ما يعكس ترابط الساحات بين الميدان والسياسة. وبين تصاعد العمليات، وغموض الإعلان الرسمي، وتبادل الرسائل بالنار، تبدو الجبهة الجنوبية مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين ضبط الاشتباك ضمن نطاقه الحدودي، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع في حال استمر التصعيد بالوتيرة نفسها.

