تصعيد أم تسوية..؟ الاختبار الحقيقي يبدأ الآن وهو اختبار مصيري

د.ك عنات هوخبرغ-ماروم
وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، والذي أُعلن عنه يوم الخميس الماضي، ليس مجرد هدنة تكتيكية، بل هو اختبار استراتيجي حقيقي لقدرة الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها الفعلية وكبح جماح حزب الله.
تصريح الرئيس اللبناني جوزيف عون بأن “لبنان لم يعد ساحة معركة للآخرين” يعبّر عن طموح سياسي واضح، ولكنه يكشف أيضاً عن الفجوة العميقة بين المأمول والواقع. فرغم أن الاتفاق يقلل من خطر التصعيد الفوري، إلا أنه لا يعالج جذور الصراع، لا سيما في ظل تعقيد الواقع اللبناني والإقليمي.
علاوة على ذلك، يمنح الاتفاق الأطراف الفاعلة الرئيسية – وعلى رأسها إيران – فرصة حاسمة للتعافي وإعادة التنظيم وإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز نفوذها. وفي الواقع، يمثل هذا الاتفاق انتقالاً من احتكاك مفتوح إلى صراع منخفض الحدة، صراع قد يندلع مجدداً في فترة وجيزة، خاصة إذا انهارت آليات الرقابة. غير أن إصرار إدارة دونالد ترامب على جعل هذا الترتيب دائما – عبر وساطة باكستانية وضغط أمريكي مشترك – يزيد من هامش المناورة الدبلوماسية، ولكنه يزيد أيضا من هامش المخاطرة.
من منظور جيوسياسي، تُعدّ هذه معضلة متعددة الأبعاد: فالفشل في إنفاذ التفاهمات قد يؤدي إلى جولة أخرى من الهجمات، مما يُفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان ويُقوّض سيادته. وفي المقابل، قد يُسهم النجاح في خلق زخم لتعزيز مؤسسات الدولة، وتوطيد مكانة الجيش اللبناني، وتوسيع نطاق الشرعية الدولية لبيروت، مع تقليص نفوذ حزب الله وإضعاف المحور الإيراني.
في كلتا الحالتين، يطرح وقف إطلاق النار المفروض ساؤلا جوهريا: هل لبنان قادر على إنشاء آليات فعّالة للرقابة والإنفاذ، أم سيظلّ معتمدا على جهات أخرى لتحديد مصيره..؟ في الوقت نفسه، يبرز التساؤل: هل يبقى الأمن الإقليمي رهينةً للصراع الإسرائيلي الإيراني وقيود الإنفاذ الأمريكي، أم أن إطارا جديدا تم وضعه هنا..؟
يعكس التحرك الأمريكي الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار ضغطا سياسيا مُركّزا على القدس وبيروت، بهدف خلق فرصة استراتيجية محدودة لكنها بالغة الأهمية. تهدف هذه الفرصة إلى إحراز تقدم نحو تسوية إقليمية أوسع، بل وربما تُسهم في تخفيف حدة التوترات في ساحات أخرى، بما في ذلك قطاع غزة وأزمة مضيق هرمز.
وإلى جانب كونه خطوة استثنائية تدرس إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في ظل القتال، فإنه يُرسل إشارة إلى لبنان بأنه يحظى بدعم أمريكي كبير، وإلى إسرائيل بأن واشنطن تتوقع تقدما سريعا. وإلى جانب التصريحات الإسرائيلية التي تُشير إلى “فرصة تاريخية لاتفاق سلام”، يعكس التحرك الأمريكي اهتماما واضحا بكبح التصعيد وتعزيز الاستقرار في الجبهة الشمالية، مع تقليص نطاق عمل حزب الله والعناصر المعادية الأخرى.
في الوقت نفسه، قد يُعيد نجاح وقف إطلاق النار أو فشله تشكيل موازين القوى الإقليمية: تعزيز الردع الإسرائيلي، وتثبيت الحدود، وفتح الباب أمام مزيد من المفاوضات. من جهة أخرى، قد يؤدي الفشل إلى تصعيد سريع، لا سيما إذا انهارت آليات الرصد والإنفاذ، أو إذا حاولت جهات إقليمية أخرى – وعلى رأسها إيران وشبكة وكلائها، بما في ذلك الميليشيات الشيعية في العراق – تقويض التفاهمات.
بمعنى أوسع، يُمثل وقف إطلاق النار في لبنان “مختبرا للمخاطر” الجيوسياسية: مساحة وسيطة بين الانفراج والتصعيد، تتطلب إدارة دقيقة ومتسقة وقائمة على المعلومات الاستخباراتية. إنه أشبه بالمشي على حبل مشدود، حيث قد يتردد صدى أي تغيير في الساحة الشمالية فورا إلى ساحات أخرى – من غزة والضفة الغربية، مرورا بسوريا والبحر الأحمر، وصولا إلى مضيق هرمز وطرق التجارة في الخليج العربي.
يُمثل العامل الإيراني محور هذه الحملة، إذ يسعى إلى استغلال أي حالة عدم استقرار لتعزيز نفوذه الإقليمي وزيادة الضغط على إسرائيل والدول العربية المعتدلة. وفي الوقت نفسه، يخدم الاتفاق أيضا مصالح الجهات الفاعلة الخارجية – بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج – التي تسعى إلى منع التصعيد والحفاظ على استمرارية الاقتصاد والطاقة والحد من الصدمات في الأسواق.
بحسب تقرير نشرته صحيفة “ذا ماركر”، تسببت الحرب حتى الآن في تدمير بنية تحتية للنفط والغاز في الخليج بقيمة 25 مليار دولار، وهو رقم يُظهر أن الاستقرار في الشمال ليس مجرد قضية محلية. ففي الواقع، يتعلق الأمر بتغيير موازين القوى الإقليمية ونقل الصراع إلى فضاء أكثر ديناميكية وسرية وتعقيدا، وليس بالضرورة أكثر استقرارا. وبهذا المعنى، يُعد لبنان أحد الجبهات التي تُختبر فيها قدرات الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك إسرائيل وإيران، على تشكيل الواقع الاستراتيجي.
بالنسبة لإسرائيل، فإن التداعيات في المقام الأول عملياتية وإدارية. يُتيح تقليل المخاطر المباشرة على الجبهة الشمالية متسعا من الوقت للعمليات والاقتصاد، ولكنه في الوقت نفسه يتطلب انتقالا سريعا إلى استعدادات طويلة الأجل لإدارة المخاطر الجيوسياسية.
يستند هذا النهج، الذي ينطوي على زيادة العبء الأمني وإنفاق سنوي يُقدر بنحو 19 مليار دولار، إلى تعزيز الردع، وتحسين الجاهزية متعددة القطاعات، وتطبيق نهج شامل. ينظر هذا النهج إلى النزاعات المحلية كجزء من صراعات القوى الإقليمية والدولية، ويؤكد على الترابط الوثيق بين المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وكيف تؤثر التقلبات في أي مجال منها بشكل مباشر على استقرار النظام بأكمله.
في هذه المرحلة، من الضروري توضيح أن وقف إطلاق النار ليس نهاية النزاع، بل هو تحول في الوضع الاستراتيجي، وانتقال من التصعيد العلني إلى مرحلة إدارة المخاطر الديناميكية في ظل ظروف عدم اليقين الشديد. تتطلب هذه المرحلة رصدا مستمرا للظروف المحيطة، وتتبع سلوك الفاعلين الإقليميين، والكشف المبكر عن السيناريوهات المتطرفة، والقدرة على الاستجابة الفورية للتغيرات في البنية الإقليمية.
في الوقت نفسه، فإن الفاعلين الذين يستغلون الفرصة الحالية لتحقيق مزايا استراتيجية، وبناء القدرة على الصمود، وتكييف قوتهم استعدادا للمرحلة المقبلة، هم من سيصلون إلى المرحلة التالية في وضع أفضل، وسيكونون قادرين على التأثير في تشكيل موازين القوى المستقبلية.
لا يُمثل وقف إطلاق النار في لبنان مجرد هدنة تكتيكية، بل هو أيضاً اختبار جيوسياسي لمصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على التأثير في الجهود المبذولة للحفاظ على الردع امام إيران. إنها لحظة حاسمة تُتيح فرصة نادرة لاستعادة السيادة اللبنانية وفصل بيروت عن “حلقة الخنق” التي تُحيط بها من طهران، ولكنها في الوقت نفسه اختبار صعب لقدرات إنفاذ القانون والحكم في ظل الضغوط والسياسات غير المتوقعة لإدارة ترامب.
علاوة على ذلك، فإن الهدنة الحالية ليست مجرد اتفاق مؤقت بين لبنان وإسرائيل، بل هي مؤشر منهجي على قدرة الشرق الأوسط على التحرك نحو احتواء تدريجي للتصعيد. فهي تُبقي لإسرائيل منطقة أمنية بحكم الأمر الواقع في جنوب لبنان بعمق عشرة كيلومترات تقريباً، تُشكل مختبراً استراتيجياً لاختبار قدرة واشنطن وحلفائها – وعلى رأسهم إسرائيل – على إدارة المخاطر في فضاء متعدد القطاعات وديناميكي وهش.
قد يُسهم نجاح هذا الاتفاق في خلق زخم نحو هدوء إقليمي واسع النطاق وإضعاف المحور الراديكالي. ومن جهة أخرى، سيؤدي الفشل إلى تسريع التصعيد وامتداده سريعا إلى ساحات استراتيجية أخرى، ولا سيما مضيق هرمز، شريان الحياة للتجارة الدولية والطاقة العالمية.
سيؤدي انهيار التفاهمات إلى الإضرار بصورة الولايات المتحدة ومصداقيتها كقوة ردع، وتقويض الضمانات الأمنية لدول الخليج، وكشف قصورها في فرض الانضباط الاستراتيجي على حلفائها. وفي الوقت نفسه، سيزيد من عدم الاستقرار في لبنان، ويرفع الضغط الداخلي وانعدام الثقة الإقليمي، ويقلل من فرص بناء بنية إقليمية مستدامة.
في ظل تعدد الأزمات العالمية، لا يكمن الاختبار الحقيقي في الاتفاقات “على الورق”، بل في القدرة على إنفاذها على المدى الطويل وفي ظل ظروف عدم اليقين المعقدة. السؤال المحوري هو: هل ستنجح واشنطن في احتواء إيران ومنع اتساع رقعة الصراع قبل أن تُزعزع تداعياته استقرار الشرق الأوسط برمته..؟ في نهاية المطاف، لن يكون الاتفاق هو الفيصل، بل من سيتمكن من السيطرة على الوضع في اليوم التالي.




