الاحتلال في الجنوب: بين أوهام «نموذج غزة» ومعادلة المقاومة الردعية

جريدة البناء
حسن حردان
بات واضحاً أنّ الاحتلال الإسرائيلي يسعى بجدية إلى رسم “خط أصفر” في جنوب لبنان، على غرار النموذج الذي حاول فرضه في قطاع غزة. يهدف هذا المخطط إلى تحويل الحافة الحدودية إلى منصة اعتداء دائمة تحت ذريعة “حق الدفاع عن النفس” ضدّ أيّ تحرك أو حتى شك بوجود تهديد، وذلك في محاولة لخلق “واقع أمني” يتجاوز اتفاقات وقف النار.
أولاً: صراع الإرادات…
خطاب الردع المتصادم
يتجلى هذا التوجه في التصريحات الصادرة عن قيادة العدو، التي تروّج لامتلاك جيش الاحتلال “تفويضاً كاملاً” للتحرك، معتبرة أنّ أيّ محاولة تحرك من المقاومة جنوب الليطاني ستُقابَل بردّ قاتل. يسعى الاحتلال من خلال هذا الخطاب إلى فرض قواعد اشتباك من طرف واحد، تجعل من المنطقة الحدودية “ساحة رماية” مفتوحة.
في المقابل، جاء ردّ المقاومة حاسماً بقطع الطريق على هذا الطموح؛ حيث تؤكد مواقف قياداتها أنّ اتفاق وقف الأعمال العدائية (تشرين الثاني 2024) الذي لم تلتزم به “إسرائيل”، ليس صكّ استسلام، بل كان مرحلة اضطرت فيها المقاومة لاعتماد الصبر الاستراتيجي على الاعتداءات الإسرائيلية، حتى تمكّنت المقاومة من استعادة عافيتها وباتت اليوم قادرة على إعادة تثبيت معادلة الردع. ولهذا تشدّد قيادات المقاومة على أنّ “زمن الاعتداء بلا ردّ قد انتهى”، وأنّ أيّ محاولة لفرض “منطقة عازلة” او خط أصفر، وغير ذلك من التسميات ستُجابَه بعمليات ميدانية تجعل من وجود قوات الاحتلال خلف هذا الخط استنزافاً بشرياً وعسكرياً لا يطاق.
ثانياً: استحالة “نسخ النموذج”…
فوارق الجغرافيا والسيادة
رغم الرغبة الإسرائيلية، إلا أنّ ظروف جنوب لبنان تختلف جذرياً عن قطاع غزة المحاصر، مما يجعل استنساخ “الخط الأصفر” أمراً غاية في الصعوبة بسبب:
الجغرافيا الوعرة: تمنح التضاريس اللبنانية (من جبال وأودية) ميزة استراتيجية للمدافع، مما يجعل نقاط المراقبة الإسرائيلية أهدافاً ثابتة وسهلة المنال من قبل المقاومين.
العمق والسيادة: خلافاً لغزة، تتحرك المقاومة في عمق جغرافي مفتوح، وتستند إلى شرعية الدفاع عن لبنان وسيادته، مما يحوّل أيّ محاولة لترسيم خطوط ميدانية خارج التوافقات الدولية (كالقرار 1701) إلى احتلال موصوف يستدعي مقاومة مشروعة.
ثالثاً: واقع التداخل الميداني…
وهم السيطرة المطلقة
تؤكد الوقائع الميدانية أنّ “السيطرة العسكرية” للاحتلال لا تزال عاجزة عن التحوّل إلى “استقرار جغرافي” بسبب التداخل المعقد في نقاط التماس…
فشل السيطرة الكاملة: رغم سياسة “الأرض المحروقة”، لا يزال هناك تداخل بين مواقع المقاومة ونقاط تواجد الاحتلال. فجيش العدو الإسرائيلي يتواجد في بقع معزولة وتلال حاكمة، لكنه لا يسيطر على “المساحة” في كلّ المدن والبلدات او داخلها (مثل الخيام، وبنت جبيل، وعيناتا، ودير سريان، والظيبة والبياضة إلخ…)، حيث تظلّ الجيوب والأنفاق والكمائن المباغتة حاضرة.
خلف الخطوط: أثبتت العملية الأخيرة في كفركلا، قدرة المقاومة على تتفيذ كمائن وهجمات في القرى المحاذية للشريط الحدودي، كما أكدت رمايات المقاومة، السابقة على وقف النار، الصاروخية وإطلاق مُسيّرات من مناطق تقع “خلف” نقاط تمركز قوات الاحتلال، مما يسقط فعلياً مفهوم “المنطقة العازلة” ويجعلها مخترقة بنيوياً قبل اكتمالها.
حرب الاستنزاف: تعتمد المقاومة تكتيك “المرونة الميدانية”، مما يعني أنّ قوات الاحتلال لا تستطيع التحرك بآلياتها دون الوقوع في شرك المراقبة والنيران من مسافات صفرية، وهو ما يفسّر خشية العدو من الدوريات الراجلة واعتماده المفرط على الغطاء الجوي.
خلاصة القول: إنّ محاولة العدو رسم “خط أصفر” هي محاولة فاشلة للهروب من مأزق انعدام الأمن للمستوطنات في الشمال الفلسطيني المحتلّ عبر السعي الى إقامة “منطقة أمنية عازلة تشكل منصة لممارسة الاعتداءات والاغتيالات تحت عنوان استباق التهديد. ومع ذلك، فإنّ فقدان الميزة الجغرافية وإصرار المقاومة على الردّ المقابل يجعلان من هذا الخط “خندقاً للاستنزاف” بدلاً من أن يكون حزاماً للأمان لقوات الاحتلال والمستوطنات الشمالية.
إذاً… الميدان يبقى هو الحكم، والوقائع تشير إلى أنّ المقاومة استعادت جهوزيتها كما أكدت في تصدّيها للعدوان، وأصبحت قادرة على إعادة فرض وتثبيت معادلة الردع والاستنزاف في المواجهة مع جيش الاحتلال، ومنعه من تحويل أوهامه إلى واقع مستقرّ…



