استراتيجيات وتقارير

حان وقت تحالف الدول القديمة: سوريا، لبنان، الأردن، وإسرائيل

 

د. يغال بن نون

لا شك أن القصف المُكثف الذي شنه الجيش الإسرائيلي على غزة، قلّل من فداحة جريمة حماس الشنيعة، وجرّ إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ووصم الإسرائيليين بأنهم مُشتبه بهم في “الإبادة الجماعية”.
في نظر النخبة المثقفة في العالم، حوّل القتل الجماعي، دون تمييز، الفلسطينيين إلى بؤساء مُضطهدين، خاسرين محكوم عليهم بالفناء، يستحقون التعاطف، وإسرائيل إلى قوة استعمارية يجب إدانتها. هذا ما يروّج له العالم الأكاديمي والفكري.
في السابع من أكتوبر، انهارت جميع أنظمة القوة في الجيش الإسرائيلي دفعة واحدة. وانكشف أمام الجميع، عجزه عن حماية البلاد وتوفير الأمن لها. تمكنت منظمة إرهابية من خداع قوة الجيش الإسرائيلي ونفذت مجزرة مروعة بحق المدنيين الإسرائيليين.
بفضل دهاءها ومكرها، تمكنت حماس من وضع قضية “فلسطين” في صميم الخطاب العالمي، وزعزعة الأنظمة السياسية في دول بعيدة عن منطقتنا. ليس هذا فحسب، بل على الرغم من علم الجيش الإسرائيلي بعدم استعداده للحرب المفروضة عليه، فقد ردّ بتهور وقوة حيوان جريح، فقتل عشرات الآلاف من المدنيين في غزة بقصفٍ عبثي. ونتيجةً لذلك، فقدت إسرائيل الثقة بقادتها، وتدفع ثمنا باهظا لهذا الخطأ الذي قوّض الأمن الشخصي لمواطنيها. تُشكّل أحداث أكتوبر 2023، نقطة تحوّل في تاريخ العالم، وفي إسرائيل على وجه الخصوص.
اليوم، وبعد انهيار منظومة الجيش الإسرائيلي، وبعد مقتل آلاف المدنيين الأبرياء في غزة، وبعد العار الأخلاقي الذي لطّخ جبين إسرائيل، وبعد إطلاق سراح الرهائن وانتهاء القتال في غزة، نواجه قرارا تاريخيا. النصر العسكري وحده ليس الحل لخطط إسرائيل الأمنية. إذا تصرفنا بحكمة، يُمكننا استغلال التحول العالمي الحالي لإعادة النظر في سردية وجودنا.
في هذه المرحلة، تواجه إسرائيل فرصة نادرة: ليس فقط لاستعادة صورتها الدولية، بل أيضاً لقيادة مبادرة تُعيد تشكيل وجه المنطقة. يجب ألاّ ننشغل بعد الآن بالحرب الأبدية ضد العدو، بل علينا التخلي عن الفكرة السائدة بأننا محكوم علينا بالقتال إلى الأبد ضد العدو العربي.
علينا أن نتخلى عن المفهوم الأوروبي المركزي وأن ندرك أننا نعيش في طليعة آسيا، في المنطقة التي ازدهرت فيها حضارات العالم القديم العظيمة: مصر، وأكاد، وآشور، وبابل، وفارس. مستقبلنا مرهون بقدرتنا على الاندماج في بيئتنا الجغرافية والعيش معها في وئام.
لا لمزيد من الاستثمارات الضخمة في الصناعات الدفاعية التي فشلت في ضمان أمننا، بل توجيه هذه الموارد نحو مشاريع تضمن الازدهار الاقتصادي الإقليمي، وتُعزز المبادرات الثقافية والعلمية التي تُمكّننا من عيش حياة متناغمة مع بيئتنا.
في رأيي، النظام الحالي في إيران على وشك الانهيار. انهار نظام بشار الأسد في سوريا، ولا تزال سوريا تعاني من الانقسامات الداخلية وتسعى جاهدةً لإيجاد هويتها في المنطقة. أمّا لبنان، الذي تحرر من تبعيته العسكرية لحزب الله، فيعيش فراغاً حكومياً.
في ظل هذا الواقع المضطرب، يمكن لإسرائيل أن تُظهر شجاعةً فكرية. أرى أنه قد حان الوقت لدراسة بيانٍ برنامجي موجه إلى جيرانها، سوريا ولبنان والأردن، وعرض تحالفٍ فيدرالي بين هذه الدول الأربع، على غرار الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية في الاتحاد الأوروبي، بما يخدم تقدم المنطقة واستقرارها.
ستشكل المبادرة الإسرائيلية تحدياً للدول المجاورة، وستُجبر المراكز السياسية والفكرية في العالم على الاستجابة لهذا المقترح الإيجابي. في رأيي، من المرجح أن يحظى التحالف الفيدرالي بدعم الولايات المتحدة والدول العربية. فمن شأن هذا التحالف أن يُضعف قبضة إيران على المنطقة، ويُقلّل من التهديد الوجودي الذي تُمثله إسرائيل.
في نظر الأوساط الأكاديمية والعلمية والفنية، فإن مجرد اقتراح إسرائيل إنشاء اتحاد إقليمي فيدرالي على شكل “تحالف الدول القديمة” من شأنه أن يُحدث تغييرا في الوعي: إذ ستتوقف إسرائيل عن كونها كيانا استعماريا دخيلا، وستُعزز شعورها بالانتماء إلى المنطقة. وليس من المُستبعد أن تنضم إسرائيل إلى جامعة الدول العربية في المستقبل، كما اقترح حينها الحسن الثاني، ملك المغرب.
لا تُلحق هذه المبادرة أي ضرر بالهوية الثقافية والعبرية والليبرالية لإسرائيل. ولن تُؤثر سلبا على إنجازاتها العلمية أو قِيَم شعبها. بل قد تُعزز هذه القيم من خلال خلق نموذج جديد للتعاون الدولي في العالم الذي ينتظرنا بفضل الذكاء الاصطناعي. ويمكن لتحالف بين إسرائيل وسوريا ولبنان والأردن أن يُشكل نموذجا أوليا لعصر جديد في العلاقات بين الشعوب، عصر التعاون لتحقيق الازدهار والنمو.
إن حرب البقاء التي يشنها نظام آيات الله القمعي ضد الشعب الإيراني، وضد الدول العربية، وضد العالم المستنير، ستؤدي إلى زواله عسكريا وسياسيا. عاجلا أم آجلا، سينتهي هذا النظام المظلم الذي حكم إيران لما يقارب الخمسين عاما. وسيكون هذا أيضا بمثابة الإفلاس الأيديولوجي والأخلاقي لكل نظام استبدادي قمعي في العالم.
ما الذي يجب أن نستخلصه من هذا التحول العالمي..؟ في رأيي، هذه فرصة سانحة للقيادة الثقافية والأيديولوجية في إسرائيل لتتعلم درسا من التحولات التاريخية التي تجري أمام أعيننا.
يجب على إسرائيل إعادة النظر في جوهر وجودها في المنطقة. لذا، علينا التخلي عن الروايات الوطنية البالية، وتبنّي مبادئ تدافع عن المجتمع الإسرائيلي وتكافح كل مظاهر العنصرية والتعصب العرقي التي تفاقمت فيه، وتكافحها. القوة العسكرية والعمليات السرية المُبهرة لا تكفيان. إسرائيل في أمس الحاجة إلى انتصارات أخلاقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى