الميدان يفرض «معادلة الضاحية ـ تل أبيب»: الرد الإيراني السريع يدفع ترامب نحو خيار احتواء التصعيد وتغليب الصفقة

حسن حردان
يبدو واضحاً انّ الصواريخ الإيرانية رسمت حدود الاشتباك في عمق فلسطين المحتلة رداً على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت. لقد جاء موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع انفلات الأمور وانهيار وقف النار والمفاوضات، ليعيد صياغة المشهد السياسي بالكامل؛ حيث شكّل تصريحه المباشر: “لقد أطلقتم الصواريخ وكفى، وعودوا إلى طاولة المفاوضات وأبرموا صفقة”، المنعطف الأساسي الذي كبح جماح التصعيد، معلناً بوضوح أنّ واشنطن تختار “الاحتواء والدبلوماسية” كبديل للحرب الشاملة.
فما هي دلالات هذا الردّ الإيراني، وأثره على الجبهات، والتحوّل البرغْماتي في الموقف الأميركي:
أولاً: دلالات الردّ الإيراني العسكري القوي
تجاوز الردّ الإيراني السريع والمنطلق من أراضيها فكرة “الردّ الموضعي”، ليحقق جملة من الأهداف الاستراتيجية:
ترجمة التهديد عملياً: أثبتت طهران أنّ تحذيراتها لم تكن للمناورة؛ إذ إنّ قصف العمق الإسرائيلي فور خرق اتفاق وقف النار في بيروت أكد وجود قرار حاسم بعدم السماح بتغيير قواعد اللعبة.
“الضاحية مقابل تل أبيب”: فرضت الصواريخ معادلة ردع جديدة لحماية العاصمة اللبنانية وضاحيتها الجنوبية، مفادها أنّ أيّ محاولة للاستفراد بلبنان أو تآكل الاتفاق ستُجابه برد إقليمي مباشر.
تكريس وحدة الجبهات: ميدانياً وسياسياً، أرسلت طهران رسالة واضحة بأنّ التهدئة حزمة واحدة وغير قابلة للتفكيك؛ فإما استقرار شامل على كل الجبهات، أو مواجهة شاملة.
ثانياً: أبعاد موقف ترامب… البراغْماتية والبحث عن مخرج،
يكشف موقف ترامب الأخير انه يغلب “الصفقة” لا العودة الى الحرب المفتوحة، ويحمل المؤشرات التالية:
شرعنة المقايضة والاحتواء: عبارة “لقد أطلقتم الصواريخ وكفى” تعني بوضوح أنّ واشنطن استوعبت حجم الضربة واعتبرتها “ردّ فعل” موازياً للخرق الإسرائيلي في الضاحية، وبذلك أغلقت الباب أمام إسرائيل لشن هجوم انتقامي واسع يجر المنطقة إلى المجهول.
الأولوية لإبرام الصفقة: يؤكد ترامب أنه لا يريد تفجيراً إقليمياً تدرك واشنطن كلفته الباهظة على الاقتصاد العالمي وأمن الممرات المائية في الخليج ومضيق هرمز. التصعيد في نظره هو مجرد أداة ضغط لتحسين الشروط، والهدف النهائي هو الجلوس على الطاولة وصياغة اتفاق شامل.
كبح جماح نتنياهو علناً: يُمثل هذا الموقف “فرملة” أميركية صريحة لطموحات بنيامين نتنياهو، الذي كان يرى في التصعيد فرصة لجرّ الولايات المتحدة إلى صدام عسكري مباشر يدمّر المنشآت الحيوية في إيران. وبإعلان ترامب انتهاء الأمر عند حدود الصواريخ المتبادلة، أصبحت الحكومة الإسرائيلية محشورة في زاوية ضيقة، فاقدةً للغطاء والضوء الأخضر الأميركي لأيّ مغامرة منفردة.
ثالثاً: الأثر على مسار وقف النار ومفاوضات إسلام آباد،
هذا التناغم بين الردع الميداني الإيراني والبراغماتية الأميركية سيلقي بظلاله مباشرة على الطاولات الدبلوماسية:
تحصين اتفاقات التهدئة: بعد لجم الاندفاعة الإسرائيلية، من المتوقع أن تفرض واشنطن التزاماً صارماً ببنود وقف إطلاق النار، بعد أن ثبت بالدليل القاطع أنّ الخروقات ستؤدي إلى ردود فعل مكلفة في عمق الكيان.
دفع مفاوضات إسلام آباد وجنيف: يمنح هذا التحوّل قوة دفع مباشرة للمسار التفاوضي؛ حيث تتمسك إيران بربط ملفاتها الإقليمية والنووية بوقف حقيقي ومستدام لإطلاق النار في لبنان وغزة. الردّ القوي، مدعوماً بدعوة ترامب السريعة لـ “إبرام الصفقة”، يثبت صحة الرؤية الإيرانية بأنّ مدخل استقرار المنطقة يمرّ عبر سلة تفاهمات كاملة، وهو ما يعزز التوجه نحو إقرار مسودة الـ 60 يوماً المقترحة برعاية باكستانية ـ قطرية كفرصة أخيرة لصياغة الحلّ الجذري.
خلاصة القول: نجحت صواريخ طهران في فرض “معادلة ردع” جديدة حمت العاصمة بيروت وضاحيتها، بينما نجحت براغْماتية ترامب في تلقّف الرسالة وتحويلها إلى فرصة سياسية. لقد أثبتت التطورات أنّ السقوف العالية تراجعت أمام واقع الميدان وكلفة الحرب الاقتصادية، وأنّ الإدارة الأميركية باتت تبحث عن تفاهم تاريخي يعيد الهدوء الإقليمي، مما يجعل طاولة المفاوضات الخيار الوحيد القابل للحياة…

