مقالات رأي

افتراءَات الصحافي حبيب يونس الباطلة على الدكتور داهش من على شاشة تلفزيون OTV والرد الصاعق عليها

موضوع رسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق العماد ميشال عون!

 

 

*ماجد مهدي

 

مونتريال، في 16/11/2020

فخامة رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة العماد ميشال عون،

أَطيبُ التحيَّة لشخصكم الكريم مُرفقةً بالدعاء إلى اللَّه كي يحفظكم بعنايته، ويمدَّكم بالقوَّة والصبر والحكمة والثبات في قيادة البلاد وسط الأَنواءِ العاصفة التي تتهدَّدُ سفينتَها بالغرق والضَّياع، وتحرمُ أَبناءَها من التمتُّع بأَبسط مقوِّمات العيش الكريم، ومن بناءِ مستقبلٍ أَفضل لأَولادهم وأَحفادهم من بعدهم.

أَتوجَّه إليكم بهذه الرسالة من مُنطلق الحرص على الوطن الذي نذَرتم حياتكم من أَجل رِفعَته، ومن باب الدفاع عن كرامة المواطنين وحرِّيَّاتهم في الاعتقاد والتعبير التي منحهُم إيَّاها الدستور اللبنانيّ وحافظتم عليها منذ بداية عهدكم، بكلِّ أَمانة، وبلا تمييزٍ أَو مُحاباة. كما أَتوجَّه بها إليكم من باب الغَيْرة على إنجازكم الإعلاميّ المُتمثِّل في قناة “أُو تي ڤي” OTV التلفزيونيَّة، والتي أَرسيتم قواعدها، وجعلتم منها منبرًا للرأي الحرِّ المسؤول يُسهمُ في بناءِ الوطن وإعلاءِ شأنه. وقد رأَيتُ من واجبي أَن أُخاطبكم شخصيًّا في أَمر مَظلِمةٍ ارتُكبَتْ بحقِّ الدكتور داهش، رجُل الروح والأَدب والفكر والفنّ، من قِبَل صحافيٍّ في القناة المذكورة أَقدم على التشهير بشخصه وأَعماله وسُمعته، ظُلمًا وافتراءً، مِن على شاشتها، ضمن برنامجه التلفزيونيّ الخاصّ المسمَّى “نقطة فاصلة”!

هذا الصِّحافيّ هو الأُستاذ حبيب يونس؛ وقد أَطلق كلامه المُهين بحقِّ الدكتور داهش من دون أَيِّ مُبرِّرٍ لذلك؛ كلامٌ أَقلُّ ما يُقالُ فيه إنَّه يُجافي الحقيقة والموضوعيَّة، في آن، ولا يَمتُّ بصلةٍ إلى الأَدب والثقافة، ويندرجُ في إطار التعصُّب الدينيّ والفكريّ، والإسفاف الإعلاميِّ والأَخلاقيّ، والاعتداءِ غير المشروع على الحرِّيَّات الشخصيَّة؛ الأَمرُ الذي لا يُشرِّفُ قائلَه، ولا يليقُ بالأَلقاب الطنَّانة الرنَّانة التي يتباهى بها، ولا بقناة “أُو تي ڤي” OTV وأَهدافها.

والحقّ هو أَنَّ تلك الافتراءَات قد بدَت مُتعمَّدةً من قِبَل ذلك الصِّحافيِّ، وأَثارت علامات استفهامٍ كبيرة حول غايته من إطلاقها في هذا الزمن الرديء الذي يكادُ العالَمُ يهوي في خلاله إلى مُستنقعٍ من الدماء بسبب مثيلاتها من الإساءَات المعروفة بحقِّ السيِّد المسيح والنبيِّ محمَّد والمهاتما غاندي وسواهم من الأَنبياءِ والهُداة والمُصلحين، والتي أَصبحت إحدى سِماتِ هذا العصر، ولطخةَ عارٍ في جبين الإنسانيَّة! وقد سجَّل سابقةً خطيرةً بتشهيره العلنيّ بسُمعة مواطنٍ لبنانيّ من على شاشةٍ مرئيَّةٍ في لبنان، وباستهانته بكلَّ الاعتبارات الأَخلاقيَّة التي تحكُم العملَ الإعلاميَّ في لبنان، وبعدم تقديره للذيول الرهيبة التي ستترتَّبُ على فِعْلَته الدميمة الذميمة التي أَصابت المجتمع اللبنانيَّ كلَّه في الصميم.

يا فخامة الرئيس،

لقد رأَيتُ من واجبي أَن أَضعَ بين يديكم الوقائع المتعلِّقة بتلك المَظلِمة، كما وردتْ بحرفيَّتها في البرنامج المذكور، وأَن أُوضحَ لكم حقيقة شخص الدكتور داهش وأَعماله الخارقة، ومؤلَّفاته الأَدبيَّة وإنجازاته الثقافيَّة والفنِّيَّة التي باتَت ملءَ سَمْع العالَم وبصَره، وكَذِبَ الشائعاتِ المُغرِضة التي كان يبثُّها أَعداؤه عنه، وفي طليعتهم رئيسُ الجمهوريَّة اللبنانيَّة الأَسبق بشاره الخوري (1943-1952)، المطرود من الحُكم بفعل ثورة الشعب اللبنانيّ عليه، وبعضُ رجال الإكليروس والصِّحافة والسياسة، من أَجل إثارة الرأي العامِّ اللبنانيِّ عليه، تمهيدًا لاضطهاده.

الدكتور داهش في شبابه

 ففي يوم 2٥/10/2020، كنتُ في منزلي بمونتريال أَستمعُ إلى البرنامج المذكور أَعلاه في موضوعٍ متعلِّقٍ بالدكتور كمال الحاجّ وفلسفته. وكان ضيفُ الحلقة ابنُه الدكتور يوسف كمال الحاجّ، حفيدُ الأَديب والشاعر الكبير يوسف الحاجّ الذي اعتنق العقيدة الداهشيَّة في عام 1942، والذي يُعتبر أَوَّل الداهشيِّين في لبنان. وقد جيءَ في بداية تلك الحلقة على ذِكْر هذا الأَمر من باب الإشارة إلى البيئة الفكريَّة التي نشأَ فيها الدكتور كمال الحاجّ، من دون التعرُّض لشخص الدكتور داهش بأَيِّ كلامٍ مُهين. لكنَّ الصِّحافيّ عاود الحوار في الموضوع من جديد، متوجِّهًا بالإهانة لشخص الدكتور داهش وخوارقه ودعوته، ومُضفيًا عليه صفة “الشيطان الكبير”، وذلك من خلال أَسئلةٍ كان يطرحُها على ضيفه. وقد ظهرَ جليًّا من كلامه بأَنَّه كان يحاولُ التأثير في وجهة إجابة ذلك الضيف، وإقحامه في التهجُّم على الدكتور داهش، إذْ قال له بالحرف الواحد، وباللغة المحكيَّة: “كيف كمال الحاجّ الظغير واجه الشيطان الكبير اللي كان اسمو داهش؟.. ما بَعرف.. أَنا سمَّيتو هَيْك!!” وقد كان الأَولى به أَن يُطلق تلك الصفة المشينة، المستمدَّة من قناعاته ومفاهيمه الإكليريكيَّة العفِنة، على نفسه، إذ إنَّه يستحقُّها عن جدارة، وتليقُ تمامًا بشخصه وأَخلاقيَّاته!

ثمَّ تطرَّق إلى موضوع خوارق الدكتور داهش، ساردًا بنفسه ما أَسماهُ “خبريَّة” يتداولُها الناسُ عنه، وما هي في الواقع إلاَّ واحدة من المُفبركات الكاذبة التي كان يُلفِّقُها أَعداؤه عن خوارقه من أَجل تشويه حقيقتها. بعد ذلك، طرح على ضيفه سؤالاً من طراز سؤاله الأَوَّل، قائلاً: “كيف كمال الحاجّ خدعو لداهش ولعب عليه لُعبة؟” فسَردَ الضيفُ إحدى الخوارق التي أَجراها رجُل الروح أَمام جدِّه وجدَّته ووالده الذي كان ما يزالُ صغيرًا في السنّ، وفقَ ما نُقلَت إليه عنهم. وكانت محاولةٌ منه للإيحاء بأَنَّ اسم “يسوع” الذي دوَّنه الشابُّ الصغير كمال الحاجّ على ورقة كان كافيًا لأَن يَحُدَّ من قُدرة الدكتور داهش على إتيان الخارقة أَمامهم، بما يُثبتُ مقُولة الأُستاذ حبيب يونس عنه أَنَّه “الشيطان الكبير” الذي يخافُ مجرَّد ذِكر اسم السيِّد المسيح… كما كان له كلامٌ كاذبٌ وخطير في “أَنَّ الداهشيَّة لا تتماشى مع المسيحيَّة، مثلما أَنَّها لا تتماشى مع أَيِّ دينٍ آخر.”

فيا فخامة الرئيس،

إنَّ هذا الحوار الذي أَجراه الأُستاذ حبيب يونس مع ضيفه، الأُستاذ يوسف كمال الحاجّ، على ضَحالته، وعُقْم مضمونه، وبلاهة أُسلوبه، قد حَملَ اتِّهاماتٍ خطيرة بحقِّ الدكتور داهش، وتزويرًا مقصودًا لكلِّ ما يمتُّ بصِلة إلى شخصه وسيرته وإنجازاته الأَدبيَّة والفكريَّة والفنِّيَّة، مع كلِّ ما كان يمثِّله الرجل من مُثلٍ عليا وقِيمٍ رفيعة في حياته! كما إنَّه حَشَر موضوع خوارقه ودعوته الروحيَّة النبيلة حَشْرًا ضمن المقابلة، واستغلَّ موقعه في القناة لكي يقوم بمهاجمته إرضاءً لأَسياده المعروفين!! وإنَّني أُجلُّكم، يا فخامة الرئيس، عن أَن تَقبلوا شخصيًّا بإطلاق مثل تلك المُهاترات السخيفة التافهة من على شاشتكم التلفزيونيَّة التي رفعتُم صرحَها على أُسُسٍ من مبادئكم النبيلة.

فلو كانت غايةُ ذلك الصحافيّ المُفتري من طَرْحه ذلك الموضوع على طاولة البحث نزيهةً وموضوعيَّة لَما قَصَر حديثه على “خبريَّةٍ” مُتداوَلة كاذبة وروايةٍ واحدةٍ “مُتناقَلة”، وعلى إطلاق أَحكامٍ مُسبقةٍ وخطيرة بحقِّ الدكتور داهش وهي مناقضةٌ تمامًا للحقيقة، ومنافيةٌ للقيَم الأَخلاقيَّة التي يقومُ عليها الإعلامُ الحرّ! وقد كان الأَولى به، وهو الذي يُعدُِّ موادَّ برنامجه قبل تقديمه، أَن يطَّلع على ما ذكَره شهودُ تلك الخوارق عنها، وهم من أَهل الثِّقة، ويُعدُّون بالآلاف في لبنان والعالم، وكثيرون منهم ما يزالون إلى اليوم أَحياءً يُرزَقون. أَذكرُ، على سبيل المثال، لا الحصر، ما رواهُ عنها العلاَّمة الشيخ عبد اللَّه العلايلي في مجلَّة “اللواء” اللبنانيَّة، وما صرَّح به رئيسُ مجلس النوَّاب اللبنانيّ الأَسبق الأُستاذ صبري حماده عنها أَمام الصِّحافة، وما كتَبه الصحافيُّون الأَساتذة حافظ ابراهيم خير اللَّه وداوود أ. الصائغ ورؤوف شحوري عنها في المقابلات التي أَجروها مع الدكتور داهش، والتي نُشرت في ملحق جريدة “النهار”، ومجلَّة “الأُسبوع العربيّ”، ومجلَّة “ماجازين” الصادرة باللغة الفرنسيَّة، وجريدة “الجريدة”، عامَيْ 1964 و1965، مُرفِقين بعضَها بصُورٍ لمراحل حدوث تلك المعجزات.

لكنَّ مداخلات الأُستاذ حبيب يونس في الموضوع أَظهرَت خلاف ما كان يُفترضُ به أَن يفعله. وقد بادر في اليوم التالي للمقابلة إلى كتابة تغريدةٍ ضمن صفحته الخاصَّة على التويتر، قائلاً فيها بالحرف: “أَنا حبيب يونس: لا أُصدِّقُ العرَّافين والبصَّارين ومُدَّعي امتلاك الخوارق والسَّحرة، أَيًّا يكونوا، لأَنَّ فيهم شيطانًا”، مكرِّرًا بذلك ما تفوَّه به من على شاشة قناة OTV. وأَنا هنا، يا فخامة الرئيس، لا أُناقشُ صاحب هذا الرأي في رأيه؛ فهو حرٌّ بقناعاته الشخصيَّة، وإنْ تكنْ سخيفةً وغير ذات قيمة. لكنَّه، بتغريدته تلك، كان كمَن يُحاولُ أَن يبرِّر لنفسه ذلك التشهير الذي أَطلقَه من على الشاشة ضدَّ الدكتور داهش، مُتجاهلاً أَنَّ القناعات الخاصَّة لا تُبيحُ لأَصحابها التعرُّضَ لكرامات الناس ومُعتقداتهم وأَعمالهم، وشنَّ الحملات عليهم عبر الوسائل الإعلاميَّة. ولقد فاته، وللأَسف العظيم، أَنَّ تغريدته تلك قد أَساءَت أَيضًا إلى خوارق السيِّد المسيح التي تُعدُّ رمزًا للقوَّة الإلهيَّة اللامتناهية، وأَنَّ صورة “الشيطان الكبير” التي أَلصقَها، زُورًا وبُهتانًا، بالدكتور داهش، بسبب الخوارق التي كان يجترحُها بإذن اللَّه وقوَّته، قد سبق للفرِّيسيِّين أَن أَلصقُوها بالسيِّد المسيح نفسه عندما قام بإحدى خوارقه وشفى مجنونًا أَعمى وأَخرس، قائلين: “هذا لا يُخرجُ الشياطين إلاَّ ببَعلزَبُول رئيسِ الشياطين…” (متَّى: 12-24).

الدكتور داهش على صفحات مجلَّة “الأسبوع العربي”

يا فخامة الرئيس،

لو كان مُطلِقُ تلك العبارات مِمَّن تُعوزُهم الثقافةُ وسَعةُ الاطِّلاع لَعذَرناه، وعزَوْنا تصرُّفه المُتهوِّر إلى الجهل بحقيقة شخص الدكتور داهش ومُعجزاته وأَدبه وفلسفته، ودعوته الإنسانيَّة النبيلة، وإنجازاته الثقافيَّة والفنِّيَّة العظيمة، ومواقفه البُطوليَّة في مواجهة الاضطهاد الظالم الذي أُنزلَ به بأَمرٍ من رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري ورجال الدين الكاثوليك، والتي سجَّلها له التاريخُ في صدر صفحاته المُشرقة. ولكنَّ مُطلقها هو حبيب يونس، الصحافيُّ، والأَديبُ، والشاعرُ، وأُستاذُ الإعلام في الجامعة اللبنانيَّة، ومُعدُّ البرنامجٍ الإعلاميِّ المعروف الذي سبق ذِكرُه… ولأَنَّه كذلك، فقد كان من واجبه أَن يستقي المعلومات عن ذلك الرجُل الشَّهم من مصادرها الموثوقة قبل أَن ينغمسَ في التجنِّي عليه، وأَن يُعرضَ عن الأَخبار الكاذبة التي تُثارُ حوله مِن قِبَل الأَنذال المتعصِّبين أَصحاب الغايات. فنتاجُ الدكتور داهش الأَدبيّ أَربى على مئةٍ وخمسين مؤَلَّفًا في مختلف مواضيع الأَدب والفكر، بما فيها كتابُه المُبدِع “مُذكِّراتُ يسوع الناصريّ” الذي يُعدُّ من أَروع ما كُتبَ عن السيِّد المسيح على امتداد التاريخ البشريّ، ناهيك بالقطع الوجدانيَّة التي كان يرفعُها إليه في عليائه، ويُمجِّدُ فيها اسمه وعظائمه، ويمنحها المقام الأَرفع في كتبه!

كما صدرَت دراساتٌ ورسائلُ جامعيَّة في لبنان والعالَم تتناولُ مؤلَّفاته، وكتبٌ عديدةٌ عن حياته ومُعجزاته وأَدبه وفلسفته وقضيَّة اضطهاده؛ أَذكرُ منها كتاب “كيف عرفتٌ الدكتور داهش” للعلاَّمة الشيخ عبد اللَّه العلايلي، وكتاب “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش”، للأُستاذ لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلَّة “المصوَّر” المصريَّة، وكتاب “الدكتور داهش رجل الأَسرار”، للأُستاذ اسكندر شاهين، مدير تحرير جريدة “الديار” الأَسبق، وكتاب “الخوارق الداهشيَّة في عشرين عامًا 1960-1980″، في ثلاثة مجلَّدات، للطبيب الدكتور فريد أَبو سليمان، وكتاب “الدكتور داهش بأَقلام نُخبةٍ من مُعاصريه بمناسبة الذكرى المئويَّة لمولده” الذي شارك في كتابته أُدباءُ وشعراءٌ وصحافيُّون ورجالُ عِلمٍ وفنٍّ كبار في لبنان والعالمَين العربيّ والغربيّ، وكتاب “جريمة القرن العشرين: دراسةٌ تاريخيَّة وثائقيَّة قانونيَّة تتناولُ الجريمة الرهيبة التي أَوقعها الشيخ بشاره الخوري رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة بحقِّ الدكتور داهش”، للمحامي الأُستاذ خليل زعتر. كما أُلقيَت محاضراتٌ عدَّة حولها، أَذكرُ منها ثلاثًا أَلقاها الدكتور غازي براكس في الجامعة الأَمريكيَّة في بيروت، وفي كلِّيَّة الحقوق بالجامعة اللبنانيَّة، وفي جامعة آنڤير في بلجيكا، ومحاضرةً أَلقيتُها شخصيًّا في “قصر المؤتمرات” بمدينة تولوز الفرنسيَّة، عام 1970، حول مُعجزات الدكتور داهش ووحدة الأَديان، وكتبَتْ عنها وقرَّظَتْها جريدتا La Dépêche وSud-Ouest الفرنسيَّتان، وجريدة “النهار” اللبنانيَّة، في حينها، وأَجرَت معي إذاعة France-Inter في المدينة نفسها مقابلةً حولها.

وقد تُرجمَت معظمُ تلك المؤلَّفات إلى عددٍ من اللغات العالميَّة، وأُقيمَت لأَجلها دارٌ للنشر تُدعى “الدار الداهشيَّة للنشر” The Daheshist Publishing Co., Ltd.، ومكتبةٌ تُعرفُ باسم “مكتبةُ تراث داهش” Dahesh Heritage, Fine Books، وذلك في قلب مدينة نيويورك. وفي عام 1995، أُنشئَ مُتحفٌ خاصّ في المدينة نفسها، أَيضًا، يحملُ اسم “مُتحف داهش للفنّ”Dahesh Museum of Art ، ويضمُّ مجموعته الفنِّيَّة الضخمة التي جمعها طيلة حياته؛ وهو يُعَدُّ من المراكز الثقافيَّة العالية الشأن في المدينة. وتقومُ كُبرياتُ الصُّحف الأَمريكيَّة بنَشر التحقيقات الطوال عن عُروضه وإصداراته الفنِّيَّة المشتركة مع المتاحف الوطنيَّة في باريس، والمتاحف الأَمريكيَّة والعالميَّة الكبرى.

نعم، لقد كان من واجب الأُستاذ حبيب يونس، بحُكم عمله كصحافيّ وأُستاذٍ جامعيّ، أَن يطَّلع على تلك المواهب الروحيَّة، والأَعمال الأَدبيَّة والفكريَّة، والإنجازات الثقافيَّة والفنِّيَّة المرموقة، ويَقدرَها حقَّ قَدْرها، وأَن يُقدِّمها لجمهور مُشاهديه مع كلِّ ما تستحقُّه من التكريم والإشادة، بدل أَن يسعى إلى “شَيْطنة” الدكتور داهش الذي أَفنى عُمرهُ وبَذَل مالَه من أَجل تحقيقها، وإلى “شَيْطنة” خوارقه التي كان يُجريها من أَجل مجد اللَّه وأَنبيائه ورسالاته، بالإضافة إلى “شَيْطنة” دعوته للإيمان بوحدة الأَديان، بأُسلوبٍ سطحيّ، استنادًا إلى شائعاتٍ مُغرضة يبثُّها عنه أَرباب التعصُّب الدينيِّ المَقيت ودُعاة التفرقة في لبنان…

يا فخامة الرئيس،

إنَّ الاضطهاد الظالم الذي أَنزله الرئيس بشاره الخوري بالدكتور داهش كان سببُه اعتناقُ ماري حدَّاد، شقيقة زوجته لور، هي وزوجُها الأَديب جورج حدَّاد وأُسرتَهما، للعقيدة الداهشيَّة، وإعلانهم الإيمان بالأَديان السماويَّة كافَّةً، وتنكُّرهم للتعصُّب الطائفيّ والمذهبيّ. وقد أَشرك الرئيسُ في اضطهاده جميع الأَجهزة الأَمنيَّة والقضائيَّة في البلاد، وأَحد الأَحزاب اللبنانيَّة المطبوعة على ارتكاب الجرائم بحقِّ المواطنين. كما أَمر فزُجَّ بماري حدَّاد في مستشفى “العصفوريَّة”، بالظُّلم والانتقام، مدَّة 73 يومًا أَمضَتها بين فاقدي نعمة العقل، وهي الأَديبةُ والفنَّانةُ المُبدعة، المُتَّزنة والراجحة الفكر. وقد أَدَّى ذلك الاضطهاد إلى سَجْن الدكتور داهش، وتجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة، وإبعاده عن وطنه إلى حلب وأَعزاز، ثمَّ إلى الحدود السوريَّة التركيَّة، وذلك بموجب مرسومَيْن ظالمَيْن أَصدرهما رئيسُ الجمهوريَّة بحقِّه، خلافًا للدستور والقوانين. كما تعرَّض لمحاولاتِ اغتيالٍ عدَّة قبل إبعاده عن لبنان، ولكنَّ اللَّه سلَّمهُ وكتبَ له الحياة رغمًا عن أَنف أَعدائه. وقد تمكَّن من العودة إلى بيروت، وأَقام سرًّا في منزلٍ يبعدُ خمسين مترًا عن القصر الجمهوريّ. ومن ذلك المُحتجَب القسريّ، شنَّ حربًا قلميَّةً على الرئيس الخوري ومُشاركيه في الجريمة بعد أَن استنفد جميع الوسائل القانونيَّة لاستعادة جنسيَّته، دونما طائل. وقد دامت تلك الحرب ثماني سنواتٍ متواصلة حتَّى زوال عهد الرئيس الخوري، وأَسفرَت عن 66 كتابًا و165 منشورًا أَسود شرح الدكتور داهش فيها حقيقة قضيَّته العادلة، وكشفَ الأَستار عن مَخازي مُضطهديه وفضائحهم ومظالمهم ونَهْبهم لأَموال الشعب، وردَّ على المقالات الشائنة التي كان يكتبُها ضدَّه بعضُ الصِّحافيِّين الموتورين من غير أَن يُسمحَ له بنَشْر ردوده عليها، وذلك بأَوامرَ مباشرةٍ من الرئيس الخوري. وفي واحدٍ من تلك الكتب السوداء، بعنوان “لبنانُ الغريق تُمزِّقُه الذئابُ المُفترسة”، حذَّر الدكتور داهش من زوال لبنان وغَرَق سفينته بسبب مفاسد المسؤولين فيه ومظالمهم وارتكاباتهم الرهيبة واضطهادهم له، وصدَّر غلاف الكتاب بلوحةٍ تُمثِّلُ سفينةً ضخمة على وشك الغرق في اليَمّ وقد كُتبَ مخطوطًا على مُقدَّمها عبارة “لبنان الغريق”. والجدير بالذكر أَنَّ تلك الكتبُ والمناشير كانت توزَّعُ سرًّا على الشعب اللبنانيّ وسفارات الدول وقُنصليَّاتها المُعتمدة في لبنان، وعلى رؤساءِ الدول ومُلوكها، والمؤسَّسات الدوليَّة المعنيَّة بحقوق الإنسان. وقد أَسهمت في إشعال نار الثورة الشعبيَّة التي اندلعَت ضدَّ الرئيس الخوري وأَسقطَته عن سُدَّة الحكم في 18 أَيلول 1952.

الأديبة والفنَّانة ماري حدَّاد

وبعد مرور بضعة أَشهر على زوال ذلك العهد، أُعيدَت الجنسيَّة اللبنانيَّة للدكتور داهش إذ أَبطلَ مجلسُ الوزراء برئاسة الأَمير خالد شهاب الإجراءَات التعسُّفيَّة التي اتَّخذها الشيخ بشاره الخوري ضدَّه، استنادًا إلى دراسةٍ قانونيَّةٍ قيِّمة قدَّمها القاضي أَنطوان بارود، مُبيِّنًا فيها عدم صحَّة تلك الإجراءَات، وعدم قانونيَّتها. كما أَصدر الرئيس اللبنانيّ الجديد كميل شمعون مرسومًا أَلغى بموجبه مرسوم بشاره الخوري الظالم الذي قضى بإبعاد الدكتور داهش عن لبنان.

يا فخامة الرئيس،

يُشرِّفُني، في النهاية، أَن أُعلن أَمامكم بأَنَّني أَدينُ بعقيدة الدكتور داهش الروحيَّة التي رسَّخت إيماني باللَّه وقُدرته اللانهائيَّة، وبحقيقة الأَديان السماويَّة المُنزلة ووحدتها، والتي جعلَتْني، وأَنا المُسلمُ بحُكم المولد والنشأَة، أُؤمنُ أَيضًا بالسيِّد المسيح له المجد، وبجميع الأَنبياءِ والرسُل والهُداة والمُصلحين، إيمانًا صحيحًا راسخًا، وأَسيرُ في هَدْي تعاليمهم في الحياة، بكلِّ أَمانة، وأَرهنُ قلمي وعمري لخدمة أَهدافهم السامية، ومُناهضة كلِّ ما يَمتُّ إلى الظُّلم والتعصُّب بصِلة.

كما إنَّني أَدينُ بالفَضل للدكتور داهش على إتاحته الفرصة لي، مُذْ كنتُ في ربيع الشباب، بأَن أُشاهد بأُمِّ العين وأَلمُسَ لَمسَ اليد الخوارقَ الجبَّارة التي كان يجترحُها بقوَّة إلهيَّة، إثباتًا لعظيم وجود اللَّه، ووجود الروح وخلودها، ووجود العالَم الثاني، وبأَن أَطَّلع على أَدبه الإنسانيِّ الذي تعلَّمتُ منه قِيَم الخير والحقّ والعدالة في الحياة، وأَستغرق في فلسفته الروحيَّة السامية التي فتحَت أَمامي مغاليقَ الأَسرار الموصدة المُتعلِّقة بعظمة اللَّه والأَنبياء والرسالات الإلهيَّة، وبشؤون الحياة في الأَرض والأَكوان، وبالعدالة الإلهيَّة.

وإذا كنتُ قد انبرَيتُ إلى مخاطبتكم عبر رسالتي هذه في شأن تلك الافتراءَت الباطلة التي أَلصقها به الأُستاذ حبيب يونس، فما ذلك إلاَّ لأَنَّني رأَيتُ في الدكتور داهش كلَّ الصفات الإنسانيَّة النبيلة، ووجهًا ملائكيًّا مشرقًا بنُور اللَّه، وداعيةً للتآخي البشريّ والوحدة الدينيَّة، ورأَيتُ في مَن أَساءَ إليه من على شاشتكم وجهًا ظلاميًّا كالحًا شبَّ وشاب في تربة التعصُّب الدينيّ المذموم، ومُتفذلكًا مُتحذلقًا يَمتهنُ فبركة الأَكاذيب الوضيعة والطَّعن بالرجال الأَحرار! وكلِّي أَملٌ، يا فخامة الرئيس، بأَن تَحكموا على ما جاءَ في رسالتي بروح العدالة والحقّ التي تتحلَّون بها، وتَعملوا، بما لديكم من سُلطةٍ وحكمةٍ ودراية، على إزالة الآثار التي ترتَّبَت على تلك الافتراءَات بما يضعُ حدًّا للوقوع في مثيلاتها في المستقبل، وبما يردُّ لتلك القامة الإنسانيَّة الشامخة حقَّها، ويعيدُ قناتكم التلفزيونيَّة “OTV” إلى مسارها الصحيح الذي يليقُ بمبادئكم وأَهدافكم! ولا شكَّ بأَنَّ موقفًا عادلاً من فخامتكم في هذا الأَمر سيَحفظُه لكم التاريخ في صفحاته الخالدة!

حفظكم اللَّه، وأَيَّدكم بنصره، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير!

* كاتب لبنانيّ مقيم في كندا

 

قطعة “اللَّه” من كتاب إبتهالات خشوعيَّة” للدكتور داهش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى